أوروبا وخطر ترامب الداهم!

محمد المذحجي
حجم الخط
0

لندن –”القدس العربي”: منذ فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، تتأثر أوروبا بالأزمات والمشاكل التي تسببها أو تدعمها وتعززها حليفتها العتيقة، أي الولايات المتحدة الأمريكية. قام دونالد ترامب بالانسحاب من المعاهدات الدولية التي تراهن عليها للحفاظ على سيطرتها وتفوقها عالميا، واحدة تلوى الأخرى، فضلاً على أن الرئيس الأمريكي يقول باستمرار بأنه لا جدوى من استمرار المظلة العسكرية لأوروبا أي حلف الناتو، بل ويعمل على تضعيف هذا الحلف العسكري الضروري والحياتي لضمان أمان الأسواق الأوروبية وتفوق شركتها على باقي المنافسين. وتجاوز ترامب جميع تصريحاته حينما وصف الأوروبيين مؤخراً بأنهم أسوأ من الصينيين.

والضربة الأقوى التي وجهها ترامب لحلفاء الولايات المتحدة الأقربين، هي الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، الاتفاقية التي عمل عليها الأوروبيون منذ أكثر من 3 عقود لتعطي شركاتهم في مجال الطاقة السيطرة شبه الكاملة على أسواق الطاقة من خلال استبدال الاعتماد على النفط إلى الاعتماد على الغاز كمصدر رئيسي لطاقة العالم. ويراهن الأوروبيون على حذف الشركات النفطية المهيمنة على العالم منذ عقود طويلة وإنهاء حقبة “بترو- دولار” المالية وتدشين حقبة مالية عالمية جديدة يمكن أن تسمى بـ”يورو-غاز” من خلال اتفاقية باريس للمناخ وإعطاء عمالقة الطاقة الأوروبيين كشركة توتال الفرنسية اليد العليا في مجال توفير الطاقة النظيفة أو ما يعرف بـ”الطاقة الخضراء”.

ولم يكتف دونالد ترامب بذلك، بل أعلن الانسحاب من الاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ليوجه بذلك ضربة أخرى وهذه المرة على العمود الفقري لمشروع الأوروبيين في الشرق الأوسط وتحديدا منطقة الخليج العربي. ويراهن الأوروبيون على الاتفاق النووي كمظلة أمنية وسياسية وعسكرية تضمن لهم الأداء في الشرق الأوسط لتوصيل أسواقهم بالعملاق الصيني. وترى أوروبا في الاتفاق النووي آلية فعالة تضبط لهم الأسواق في منطقة الخليج العربي وآسيا الوسطى والقوقاز كذلك. ويواصل ترامب خنق إيران وإبعادها عن أصدقائها الاستراتيجيين في أوروبا (حسب وصف طهران نفسها للأوروبيين) ووضعها أمام خيار واحد ألا وهو فك الارتباط بأوروبا والعمل مع الولايات المتحدة لمحاصرة الصين وأوروبا.

ولم تبق الأمور عند هذا الحد، ووصف ترامب الاتحاد الأوروبي بأنه أسوأ من الصين، كما ورد على وكالة “دويتشه فيله” للأنباء الألمانية. وقال الرئيس الأمريكي خلال لقاء بعض مندوبي قطاع الصناعة إن الاتحاد الأوروبي لديه سوء التعامل مع بلاده، وإن الأوروبيين هم أسوأ من الصينين، ومع ذلك علق ترامب رفع الضرائب على استيراد محركات السيارات من أوروبا. وأضاف “أنا أود أن أقول إن الاتحاد الأوروبي يتصرف معنا بشكل سيء، حتى أسوأ من الصين، والفرق بينهما هو أن سوء التصرف الأوروبي هو أقل من نظيره الصيني”. وأوضح “الأوروبيون يصدرون محركات شركة مرسيدس بنز إلى الولايات المتحدة بكثرة وكأنهم يصدرون البسكويت إلينا. فضلاً على أنهم يصدرون محركات شركة بي أم دبليو بكثرة كذلك. بينما يعمل الاتحاد الأوروبي على تعقيد عملية تصدير المحركات الأمريكية إلى أوروبا باستمرار”. وانتقد ترامب الأوربيين قائلا “إنهم لا يريدون محاصيلنا الزراعية، وإنهم لا يريدون محركاتنا. يضع الأوروبيون الموانع التجارية، وهذا الوضع ليس عادلا”. وفي موقف آخر، عندما سُئل ترامب عن الجهود التي يبذلها الأوروبيون للحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني الذي انسحب منه، أجاب “وما شأني أنا بالأوروبيين؟”، وأضاف “نحن أسخياء للغاية مع أوروبا. نحن نعتني بهم، وننفق مبالغ ضخمة على الأطلسي، وقد استفادوا منا طويلا على مستوى المبادلات التجارية”.

وسياسيا، لا يتوقف ترامب عن استغلال أي فرصة لإضعاف الاتحاد الأوروبي. دعم ترامب بشكل صريح وعلني حراك السترات الصفراء التي تعمل على الإطاحة بالرئيس الفرنسي، إيمانويل مكرون، ويواصل دعم وتعزيز التيارات اليمينية في فرنسا. ووضع الرئيس الأمريكي كل ثقله لدعم عملية انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتجاوز ذلك إلى الأبعد حيث أعلن موقف الداعم للصقور في حزب المحافظين الذين يدعمون “بركسيت الحاد” أي فك الارتباط بين لندن وبروكسل بدون توافق تجاري، وعرض ترامب اقتراح شراكة تجارية كبيرة وبدون سقف مالي مقابل فك الارتباط الكامل مع التكتل الأوروبي. وبدأ التدخل في شؤون بريطانيا الداخلية لتحقيق ذلك الهدف، حيث أعلن دعمه العلني والصريح لبوريس جونسون ليكون رئيسا للوزراء، وطالب لندن بأن تشرك نايجل فاراج، زعيم حزب بركسيت، في الفريق المفاوض مع الأوروبيين بشأن كيفية الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.

وفي الجانب المقابل، اعتبر الرئيس الفرنسي أنه على نظيره الأمريكي الذي يكرر انتقاداته للاتحاد الأوروبي، توضيح موقفه حيال الاتحاد وقال ماكرون “ثمة بعض الغموض، خصوصا فيما يتعلق بموقف ترامب بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وحيال قيامه بالترويج لبريكست حاد وصارم، وأعتقد أنه عليه توضيح موقفه تجاه أوروبا”. وردا على سؤال عن نتيجة الانتخابات البرلمانية الأوروبية، حيث حل حزبه “الجمهورية إلى الأمام”، في آذار/مارس الماضي وراء حزب اليمين المتطرف “التجمع الوطني”، أشاد ماكرون بعدم حصول اليمين المتطرف، على الأغلبية في البرلمان الأوروبي، قائلا “بالنسبة لي، هذه واحدة من النتائج الإيجابية لهذه الانتخابات، حتى لو كانت الأحزاب اليمينية استفادت من تأثيرات خارجية”. ورفض ماكرون أن يعتبر ترامب وسياساته جزءا من التأثيرات الخارجية على الانتخابات الأوروبية. وفي إشارة إلى المستشار السابق للرئيس الأمريكي (ستيف بانون) الذي اتهمه ماكرون قبل بضعة أسابيع بالعمل على تفكيك أوروبا، قال “أنا لا أربط تماما ترامب ببانون”.

نظرا لهذه المعطيات وسياسات الإدراة الأمريكية الحالية، لم يعد بإمكان أوروبا الرهان على الولايات المتحدة بقيادة ترامب، رغم أن العديد من المحللين الأوروبيين يتوقعون فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، ويحذر هؤلاء من أن بعض القادة الأوروبيين لا يأخذون على محمل الجد السياسات الأمريكية، وأن ما يتوقعونه من الولايات المتحدة قد لا يتحقق بالضرورة نظرا لاعتماد ترامب سياسة الصدام من أجل “أمريكا أولا”. والنقطة الأخرى هي أنه في حين أن الرئيس الأمريكي قد بدأ بالفعل حملته لإعادة انتخابه ضد خصومه السياسيين، ما زال الديمقراطيون في خضم اختيار مرشح محتمل للانتخابات الرئاسية العام المقبل من بين أكثر من 20 مرشحا ديمقراطيا.

ويعتبر ترامب وسياساته خطرا داهما على أوروبا في حال إعادة انتخابه، لأنه يصوغ الإطار الأمني ​​والعسكري العالمي للعقود المقبلة انطلاقا من منطقة الشرق الأوسط. ويراقب الأوروبيون عن كثب تعامل ترامب مع الأزمة الحالية مع إيران. ولا تزال أوروبا عالقة في إجابة هذا السؤال “إلى متى وأين يمكن للبيت الأبيض متابعة هذه السياسة؟”. السياسة التي تعتبر التخلي عن استراتيجيات العديد من الإدارات الأمريكية السابقة، سواء أن يُطلق عليها “عقيدة ترامب” أو أي توصيف آخر، فيعتقد الرئيس الأمريكي أن أمن الوطن يمثل أولوية قصوى، وأن الهجرة والإرهاب والتجارة غير العادلة تشكل تهديدات أساسية للبلاد. ويعتقد ترامب بأن العديد من الهياكل والمنظمات الدولية التي ساعدت بلاده ذات يوم، اليوم تعمل ضد المصالح الأمريكية. وتفتح سياسة ترامب المجال للآخرين خاصة روسيا لملء الفراغ الذي تخلفه الولايات المتحدة. ويشكل ذلك على أوروبا خطرا وجوديا داهما، فضلا على أنها تواجه خطر التعرض للتهميش بشكل متزايد. ولا يبدو أن المراهنة على الولايات المتحدة لإنقاذها من الأخطار عندما تكون هناك حاجة والمنافسين كما كان الحال في الماضي، لا يبدو أنها استراتيجية رابحة بعد الآن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية