أوكرانيا على حافة الهاوية

حجم الخط
0

تدل كل المؤشرات اليوم على أن أوكرانيا تتجه نحو حالة غير مسبوقة من التوتر الأمني قد لا تقتصر على مواجهات مسلحة محدودة في بعض مدن مقاطعات جنوب وشرق البلاد، وإنما قد تأخذ شكل مواجهة مفتوحة بين سكان جنوب شرق البلاد وسلطات كييف الحالية، التي لا يمكن تجاهل هيمنة مزاجية القوى القومية المتطرفة على قراراتها، مع دعم صامت من جانب الغرب لممارسات هذه السلطات. وفي تفاصيل المشهد العام وجد المحتجون في جنوب شرق البلاد أنفسهم مضطرين للتحرك والسيطرة على مبان تابعة للسلطات المحلية والشرطة ومديريات الأمن في الأقاليم، بعد أن برز تعنت واضح من جانب سلطات كييف حيال تلبية مطالب هؤلاء المحتجين، الذين يدعون إلى تحويل أوكرانيا من دولة مركزية الحكم إلى دولة فيدرالية تُمنح فيها الأقاليم والمقاطعات صلاحيات واسعة، ويتم انتخابات سلطتها محليا لا عبر التعيين من المركز، وأن تُمنح اللغة الروسية صفة لغة رسمية في الدولة. وفي خلفية هذه المطالب يبرز تخوف مبرر من جانب الغالبية من الناطقين بالروسية والروس أصلاً من العداء الذي لا تخفيه قوى متطرفة تمسك بزمام السلطة حقيقة في كييف، مثل مجموعة ‘القطاع اليميني’ بزعامة دميتري ياروش، وهي جماعة مسلحة معادية لروسيا ولكل ما يمت لكلمة روسيا بصلة.
قبل التعمق أكثر بتفاصيل المشهد السياسي المعقد في أوكرانيا والمواقف من حولها، هناك حاجة إلى وقفة سريعة عند الوضع ‘الميداني’ إن صح التعبير. ففي مقاطعات شرق وجنوب أوكرانيا، وبعد رفض سلطات في كييف الاستجابة لمطالب المحتجين في ساحات المدن، وتهديدهم عوضا عن ذلك بالقوة، باشر المحتجون الى تشكيل ‘قوات الدفاع الذاتي’ التي تشكل الهراوات سلاحاً رئيسيا لها، مع أسلحة خفيفة مصدرها وحدات من الشرطة والقوات الخاصة انضمت إلى المحتجين. وقد أقام هؤلاء حواجز في المدن المهددة من جانب الجيش والأمن الأوكرانيين ووضعوا خططاً للدفاع عن مدنهم. وأتت هذه الخطوات الأخيرة بعد أن أعلن الكسندر تورتشينوف، الذي عينه مجلس الرادا (البرلمان الأوكراني) قائماً بأعمال الرئيس الأوكراني، عن قراره بإرسال الجيش وقوى الأمن إلى جنوب شرق البلاد، في ما سماه ‘عملية خاصة لمكافحة الإرهاب’، بهدف قمع الاحتجاجات هناك. وبموازاة ذلك أعلن أرسين أفاكوف الذين عينه مجلس الرادا قائماً بأعمال وزير الداخلية عن تشكيل ميليشيات خاصة من تعدد ‘الوطنيين الأوكرانيين’ في أرجاء البلاد. ومع هذا وذاك أعلن دميتري ياروش زعيم ‘القطاع اليميني’ القومي المتطرف عن التعبئة العامة في صفوف أتباعه تحضيرا للتوجه إلى جنوب شرق البلاد، حيث الغلبة للمواطنين من أصل روسي والأوكرانيين الناطقين بالروسية.
هذا المشهد الميداني يكشف بوضوح عن اصطفاف للقوى داخل أوكرانيا واستعدادات لمعركة يبدو أنها ستنشب لا محال. اللافت هنا بداية موقف الغرب، ذلك أن الولايات المتحدة وأوروبا اللتين دعمتا المحتجين في ساحة ‘الميدان’ وسط كييف إلى أن أطاحوا في نهاية المطاف بالرئيس الأوكراني فيكتور يانكوفيتش، وشكلوا اليوم السلطات الحالية في أوكرانيا، ترفضان النظر إلى الاحتجاجات جنوب شرق أوكرانيا على أنها حق مشروع مثلما نظرتا إلى احتجاجات ‘الميدان’، رغم هيمنة القوى القومية المتطرفة على تلك الاحتجاجات، ورغم استيلاء المحتجين حينها بالقوة والعنف الفظين على المباني الحكومية وسط العاصمة الأوكرانية، وظهور حملة السلاح بين المحتجين. كل هذا لم يره الغرب واعتبر ما يجري في كييف حينها انتفاضة شعبية مشروعة ضد الرئيس يانوكوفيتش، وكل هذا حقيقة بسبب السياسة الخارجية ليانوكوفيتش، الذي كان يراوح بين سعي نحو التكامل مع أوروبا أو التكامل مع روسيا، وظهور تقارب كبير بينه وبين روسيا في الآونة الأخيرة. أما ما يجري في جنوب وشرق أوكرانيا حاليا فهو من وجهة نظر الغرب خطة تقف روسيا خلفها وتدعمها.
خلاصة القول، تكشف الأزمة الأوكرانية بصورة واضحة أن الغرب إنما يدعم حقيقة ما يلبي مصالحه ويختبئ في غضون ذلك خلف شعارات الحرية والديمقراطية وحق التعبير وما إلى ذلك.
إلا أن الأخطر في كيفية تعاطي الغرب مع الأزمة الأوكرانية هو الصمت المطلق خلال هذه الأيام المصيرية لأوكرانيا ولأوروبا عموماً. ذلك أن واشنطن وبروكسل لم تعلنا عن موقف واضح حيال القرار باستخدام الجيش والأمن ضد المحتجين، ولم تحركا ساكناً للحد من نشاط المجموعات القومية المتطرفة المسلحة في أوكرانيا.
وفي غضون ذلك تكرمتا بإرسال مساعدات (مليار يورو من مجلس الاتحاد الأوروبي ومليار دولار من الولايات المتحدة) لا تكفيان لتسديد أقل من ربع ديون أوكرانيا مقابل الغاز الروسي، ولن تؤديا إلى أي تغيير يُذكر في المنحى الإيجابي على الاقتصاد الأوكراني ‘المفلس’ عملياً. ويرى كثيرون في هذه الطريقة بالتعامل من جانب الغرب مع الوضع في أوكرانيا أنها تخفي في طياتها مساعي أمريكية لدفع هذه الجمهورية السوفييتية السابقة إلى أتون الحرب الأهلية، بهدف خلق بؤرة توتر غير مسبوقة في المنطقة تخلق فيها أزمات تلقي بظلالها على كاهل روسيا وتدق في الوقت نفسه أول ‘إسفين غليظ’ في ‘نعش العلاقات الروسية 8 الأوروبية’ الذي تقف الولايات المتحدة منذ سنوات بانتظار فتحه. ذلك أن الولايات المتحدة وأوروبا لم تقدما حقيقة المساعدة الكافية لإنقاذ الاقتصاد الأوكراني، ولم تعلنا عن مواقف جذرية تهدف إلى إعادة الاستقرار إلى البلاد، ولم يصدر عن ‘عواصم الديمقراطية’ حتى لو دعوة بسيطة للتراجع عن استخدام العنف ومحاولة إيجاد مخرج سياسي للأزمة.
وليتضح المشهد أكثر ننظر إلى الأمام بعض الشيء، على افتراض بدأت المواجهات بين القوى الأوكرانية المدعومة من الغرب وأبناء مناطق جنوب وشرق أوكرانيا. ما سيحدث أن هؤلاء سيتوجهون، وهم سبق وفعلوا ذلك أكثر من مرة، إلى الرئيس بوتين بطلب المساعدة وحـــــماية المواطنيـــــن الروس في أوكرانيا من القتل. ما الذي ستفعله روسيا هـــنا؟ ستجد نفسها في موقف معقد للغاية، إذ لن يكون من السهل الوقوف مكتوفة اليدين حيال تطورات كهذه، ولن يكون من السهل أيضاً الانجرار والتورط بمعركة لا يعلم أحد ما الذي قد تؤول إليه. وفي الحالتين سيكون أي تطور عسكري للأزمة الأوكرانية حملا ثقيلا على كاهل روسيا، وهذا ما تسعى إليه واشنطن على ما يبدو.
أوكرانيا لا تزال واقفة على مفترق طرق، ولم تبدأ فيها بعد المواجهات المسلحة، إلا أنه لا يوجد ما يدعو للتفاؤل، لاسيما بعد مهاجمة المتطرفين القوميين الأوكرانيين لاثنين من المرشحين للرئاسة، ورش الطحين ومن ثم سائل طبي أخضر على أحدهم، وتعرية الثاني وسط الطريق، ناهيك بتنظيمهم احتجاجات خلال اليومين الماضيين أمام مبنى مجلس الرادا مطالبين بإقالة القائم بأعمال الرئيس ‘لعدم اتخاذه تدابير حازمة وعنيفة ضد جنوب شرق أوكرانيا’ ويدعون أتباعهم إلى حمل السلاح للتوجه إلى هناك، بدون أن تتمكن السلطات الحالية في كييف من اتخاذ أي تدابير تحد من نشاط وهيمنة هؤلاء المتطرفين على المشهد. وعلى المقلب الآخر يقيم سكان مدن مقاطعات جنوب وشرق أوكرانيا الحواجز والسواتر بما توفر لهم من مواد ويستعدون بكل ما هو متاح بين أيديهم للدفاع عن أنفسهم. وفي حال اشتعلت نيران المواجهات فإن الوضع سيكون تماماً مثل كرة ثلج متدحرجة، فعلى المستوى الداخلي لا شك بأن الجيش الأوكراني سيشهد انقسامات واسعة، إذ لا يجوز تجاهل وجود قوى كبيرة ومؤثرة في الجيش تنتمي إلى مناطق جنوب شرق أوكرانيا وهؤلاء لن يقفوا مكتوفي الأيدي وسيتمردون على قادتهم. وستطال الانقسامات كل مؤسسات الدولة وصولاً ربما إلى تقسيم واقعي لأوكرانيا إلى دولتين وربما أكثر.
ما يجري في أوكرانيا لم يعد، كما لم يكن أساساً، شأناً أو أزمة أوكرانية في الواقع، بل هو جزء من سياسة بدأتها الولايات المتحدة منذ سقوط الاتحاد السوفييتي بالتوسع شرقا وصولاً إلى الحدود الروسية. وقد بقيت أوكرانيا سنوات طويلة وسط تجاذبات بين التوجه غربا نحو الناتو أو شرقا نحو روسيا، وربما حانت لحظة الفصل. في غضون ذلك تبدو أوكرانيا اليوم مثل برميل بارود ما زال بالإمكان تفادي تفجره، والأمر رهن بقرارات القوى الكبرى خلال الساعات القليلة القادمة، وإلا فالعالم سيدخل في مرحلة جديدة يصعب وصف معالمها الآن، لكنها ستكون بالتأكيد مرحلة مواجهة دولية مفتوحة ستذهب أبعد بكثير عن الحدود الجغرافية لأوكرانيا.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية