«أول بقرة» لكيلي رايكهارد… الحلم الأمريكي يتبدد أحيانا

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

برلين ـ «القدس العربي»: على حين غرة وبدون أن نتوقع ذلك، يأتي فيلم ننغمس فيه بكل كياننا ووجداننا. حين سُئل المخرج وكاتب السيناريو الأمريكي كينيث لونرغان، عضو لجنة تحكيم مهرجان برلين، في المؤتمر الصحافي للجنة التحكيم في بداية المهرجان، عن معايير تقييمه للأفلام التي قد تحصل على جوائز في المهرجان، أجاب لونرغان إن معيار تقييمه الرئيسي للتقييم هو أن يقول الفيلم ما يود قوله بأفضل طريقة ممكنة، وبأكثرها فاعلية وتأثيرا. وهذا تحديدا ما تحققه الأمريكية كيلي رايكهارد في فيلمها «أول بقرة»، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي في دورته السبعين (20 فبراير/شباط إلى 1 مارس/آذار).

في «أول بقرة» تقدم رايكهارد الحلم الأمريكي في أزهى وأقسى صوره، إنها الأرض الجديدة، الأرض المليئة بالثروات والفرص والأحلام، إنها الأرض التي تعِد بالثراء، والتي تغوي بأمنيات واسعة يذهب البعض ضحيتها، رغم الجد والاجتهاد. يأخذنا الفيلم إلى الغرب الأمريكي البكر في القرن التاسع عشر، الغرب الذي ما زال يحلم باكتشاف الذهب، والذي يحفل بثروات الصيد البري. تمسك رايكهارد بناصية السرد لتقدم لنا فيلما محكما يبحث ماهية الحلم الأمريكي والهوية الأمريكية التي يعد أحد أعمدتها الرئيسية هي الطموح في الثراء، والتفكير في كيفية تحقيقه، والابتكار واغتنام الفرص لتحقيقه. تقدم رايكهارد فيلما عن عزلة ووحشة الساعين لتحقيق حلم صعب المنال، عن الصداقة التي تجمع أحيانا الحالمين حين يجمعهم حلمهم، عن جشع أصحاب الثراء وقسوتهم.
يبدأ الفيلم في وقتنا الحالي، بامرأة في نزهة في البرية تكتشف فيها رفات شخصين، يبدو أنهما دفنا على عجل، أو تركا دون دفن ربما لعقود طويلة، وغطتهما النباتات البرية والحشائش. بعد ذلك مباشرة تعود بنا رايكهارد نحو قرن ونصف القرن، حيث يرافق طاه وخباز يطلق عليه اسم كوكي، واسمه الحقيقي فيغويتز (جون ماغارو)، عددا من الصيادين وبائعي جلود الحيوانات البرية، مهمته أن يجمع لهم ما يمكن طهوه وتناوله من الحيوانات والنباتات البرية، مقابل تقديم المأوى له واصطحابه إلى وجهتهم الجديدة. لا يلقى طهو كوكي استحسان مجموعة الصيادين، فيقرر الانفصال عنهم، ويلتقي في طريقه صينيا اسمه كينغ لو (أوريون لي) يحاول الفرار من عدة أشخاص يحاولون قتله، فيقدم له الطعام.


يجد الاثنان في رفقتهما أنسا من الوحشة وحماية في الطريق البري الوعر. يتشاركان الطعام الشحيح، ولكن أهم ما يجمعهما هو الحلم، حلم تحقيق الثراء والنجاح. يمتلك كوكي خبرته كطاه جيد وخباز ويحلم بأن يكون صاحب مخبز ونزل، يقدم للمسافرين الطعام الذي يذكرهم بطهو الأم ويذكرهم بالبيت البعيد والأسرة، بينما يبدو لنا كينغ لو، صاحب قدرة على إدارة المال وعلى التخطيط لتحقيق الثراء. يجتمع في الاثنين عقل مدبر صاحب تفكير عملي، وموهبة يمكن استثمارها لتحقيق الثراء: إنها بداية حلم الثراء وتحقيق الحلم الأمريكي، ولكن ما لا يمتلكه الاثنان هو رأس المال أو المكونات الرئيسية التي يحتاجها إنتاج خبز ومخبوزات.
رجلان لديهما الموهبة والفكرة الصائبة اللتان يحتاجها محيطهما، ولكنها يفتقران تماما إلى رأس المال، ويجد الاثنان أنه لا مناص من بعض الاحتيال، أو بعض السرقة المبررة لتحقيق هدفهما، فلا ثراء للفقراء حتى إن كانوا أذكياء مجتهدين، بدون مال، والمال لا يحصل عليه الفقراء إلا عن طريق سرقة أو حيلة. يسمع لو في الحانة القريبة إن أثرى رجال المنطقة ومسؤولها (الممثل البريطاني توبي جونز) قد جلب إلى المنطقة أول بقرة تصلها، أول بقرة في منطقة شاسعة تمتد حتى سان فرانسيسكو، وما يعنيه وجود هذه البقرة من إمكانية سرقة بعض حليبها لتحسين نكهة العجين وتقديم مخبوزات شهية، تلقى رواجا واسعا وسط الصيادين المتلهفين على مذاق يذكرهم بدفء منازلهم البعيدة.

لا يتخذ الفيلم موقفا أخلاقيا من الثراء، ولا من حلم تحقيقه، بل يصوره كجزء من الطبيعة البشرية، وكاللبنة الرئيسية التي بُني عليها المجتمع الأمريكي. كوكي وكينغ لو شخصان يشبهان الكثير منا، في حلمنا في النجاح والثراء.

يبقى سر الرجلين طي الكتمان، ويعتمد لو وكوكي في حلبهما لبقرة الثري على حدس لو أن المتنفذين وأصحاب السلطة أحيانا يعتقدون أنهم أقوى من أن يتعرضوا للسرقة أو الاحتيال. إنها آليات رأس المال والفكر الرأسمالي في البلد الذي بني على آليات السوق. الجميع، الثري والفقير، يفكر في سبل تحقيق المزيد من الثراء. الثري صاحب البقرة يناقش العقاب الذي يجب أن ينزله بالعمالة المتمردة على ظروف العمل، حتى ترتدع وتبذل المزيد من الجهد. وفي الوقت ذاته، يرفع لو وكوكي سعر مخبوزاتهما كلما زاد الإقبال عليها. تقدم رايكهارد بإحكام وتمكن بالغين قصة رجلين يحاولان أن يواجها آلة رأس المال الطاحنة، يجابهناها بسلاحهما الرئيسي: الموهبة والدهاء وبعض الاحتيال. إنها الأسس التي قامت عليها الولايات المتحدة في صورتها الحالية، الأسس التي تغذى عليها الحلم الأمريكي وبني على أساسها.
البقرة التي تعنون الفيلم تفتح الباب على الكثير من التأويلات والتفسيرات، فالبقرة يمكن أن تكون هذه الأرض الخصبة ذات الثروات التي تنتظر من يدر ثراءها ويديرها، والبقرة الأولى قد تكون الفقراء الطامحين الذين يقدمون أجسادهم وقواهم ليزداد أصحاب الثراء ثراء. وتبرع رايكهارد أيضا في فهم النفس البشرية ونوازعها، وفي فهم أواصر الصداقة التي تجمع من يجمعهم هدف واحد ومصلحة مشتركة وطريق طويل صعب. لا تنزه رايكهارد الفقراء عن الاحتيال أو السرقة أو القسوة، ولكن قسوتهم وشرورهم مفهومة يبررها طموحهم ورغبتهم في تحقيق ذلك الحلم البعيد المنال: تحقيق رغد العيش في بلد يعِد بالكثير.
«أول بقرة»، الذي كتبت له السيناريو رايكهارد بالاشتراك مع جون ريموند، الذي تعاونت معه في العديد من أفلامها، والذي ألف رواية «النصف حياة»، التي اقتبس عنها الفيلم، فيلم لا يخشى الحديث عن المال، ولا يخشى الحديث عن حلم الثراء وتحقيقه. لا يتخذ الفيلم موقفا أخلاقيا من الثراء، ولا من حلم تحقيقه، بل يصوره كجزء من الطبيعة البشرية، وكاللبنة الرئيسية التي بُني عليها المجتمع الأمريكي. كوكي وكينغ لو شخصان يشبهان الكثير منا، في حلمنا في النجاح والثراء. نفهم نوازعهما ونتفهمها، بل أننا نرجو في قلوبنا نرجو ألا ينفضح أمر سرقتهما للحليب، ونرجو أن يحققا حلمهما، لأن في تحققه تحقق لنا. وعلى الرغم من أن أحداث الفيلم تدور في القرن التاسع عشر، إلا أن القضايا التي يتناولها معاصرة تماما، وآنية تماما، وتشغلنا جميعا في الوقت الحالي، فمن منا لا يحلم بوضع مالي أفضل، ومن منا لا تراوده أحلام الثراء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية