الناصرة- “القدس العربي”:
الخالصة إحدى البلدات الفلسطينية البارزة التي قامت في طرف سهل الحولة. بلغ عدد سكانها عند النكبة 2134 نسمة على طريق عام يمتد من المطلة في الشمال إلى صفد وطبرية في الجنوب، قريباً من الحدود اللبنانية.
وكان قرب القرية من لبنان وسوريا يمنحها أهمية خاصة كمركز تجاري. وحسب المؤرخ وليد الخالدي ( كي لا ننسى) فإنه في أواخر القرن التاسع عشر، وصف الرحالة الأوروبيون، الذين مروا بالمنطقة، الخالصة بأنها قرية صغيرة مبنية بالحجارة على أرض مستوية ومحفوفة بالجداول، وكان البدو من عشيرة الغوارنة أول من أنشأ القرية، يشكلون أكثر سكانها.
ويؤكد أحد أبنائها، منصور إبراهيم في كتابه “الخالصة دراسة واستعادة ” أن القرية استفادت من موقعها فكانت تتمتع عموما بوضع اقتصادي جيد، ويدلل على ذلك بالإشارة لبيوتها الحجرية وأسقفها القرميدية، ويقول إنها كانت مركزا تجاريا لسهل الحولة وبسبب قربها لسوريا ولبنان امتدت علاقات التجارة والتواصل معهما أيضا.

سوق الخالصة
وشهدت الخالصة سوقا شعبيا عرف بـ”سوق الثلاثاء” وعرضت فيه منتوجات زراعية وأقمشة وصناعات محلية، وقد حاول بعض تجار صفد استئجاره مقابل 11 ألف جنيه لكن أهالي الخالصة رفضوا ذلك.
ويؤكد ذلك الشيخ محمود عيسى من الخالصة في شهادته الشفوية، فيقول إن “سوقا مشهورا وكبيرا تم كل يوم ثلاثاء وكان يجمع من سوريا ولبنان وفلسطين ويبدأ التجار يتجمعون مع بضاعتهم من أيام الإثنين”.
ويوضح أن “سوق الثلاثاء” قام في منطقة العمرات بجانب السرايا وحضر له تجار من سوريا والأردن والعراق وبعضهم يبيت فيها. ويقول إن “فندق زطام” أقيم في العمرات شرقي الشارع وبناه شخص لبناني وبجواره دكان وأمه سيدة مشهورة تعرف بـ”أم زطام”.

عين الذهب
وتؤكد السيدة فاطمة ميساوي بنت الخالصة في شهادتها الشفوية ما رواه آخرون مثل يوسف اسماعيل حمادة أن “عين الذهب” غزيرة وكانت تسقي كل البساتين. منوهة لوجود طاحونتين، الثانية كانت تعمل “على مي” نبع العسل “. وتوضح أن عين الذهب عمقها خمسة أمتار ومساحتها 200 متر مربع، وكنا ننقل المياه بالجرار الفخارية. وتتابع: ” تتدفق مياه عين الذهب بقوة وتدير الطاحون الفوقى والطاحون التحتى وفي حجر مدور كبير ويطحن بقوة دفع المياه. وكانوا يخبزوا على الصاج”.
ويروي الشيخ يوسف اسماعيل حمادة (فاعور) أبو لطفي المولود في الخالصة عام 1922 ملامح الحياة في بلدته، فيشير هو الآخر لكون “البيوت مبنية من الحجر”. ويتابع في شهادة قدمها للباحث د. محمد العلي ابن الخالصة: “بيتنا كان في حي أبو هاشم يبدأ من الجنيدة للضيعة وكانت تقطنه عائلات كثيرة مثل الفواعرة، الفريجات، الحمايدة وكلهن فلاحين مش مشايخ. الخالصة مساحتها واسعة. وبسيرة العمارة التي لم ينج منها سوى مبان قليلة يروي الشيخ محمود عيسى إن شخصا يدعى الحج عبد الله بنى جامع الخالصة قبل 20 سنة من النكبة وكان يتصدق للفقراء من أرزاقه الكبيرة” وأن عبد الرزاق من عائلة الحج عبد الله هو الإمام في المسجد. ولا تزال تجري بجانب مسجد الخالصة مياه “عين الذهب” التي تباع اليوم مياهها المعدنية الصافية من قبل شركة إسرائيلية ويعيش في كريات شمونة اليوم نحو 25 ألف نسمة من اليهود المغاربة والروس.
ويعدد الشيخ محمود عيسى بعض أسماء أحيائها وبيوتها من الحجر الأبيض وحارة “عرب الفلاحين” التي سكنها المختار.

سوق الثلاثاء
ويستذكر أبو لطفي مرور نهر الحاصباني بجوار الخالصة قبل أن يصب في بحيرة الحولة، وكان أهلها يدعونه “نهر المشرب”. كان الجاموس وفق شهادة أبو لطفي منتشراً في المنطقة. أما الخضراوات فمتوفرة بكثرة وعلى أنواعها.
“طبيخنا برغل وذرة وفول وطحين ذرة. لبن وشوربة ولحوم ودجاج وأرز وخيرات الله”. كما يستذكر قيام الانتداب البريطاني بجباية ضرائب على كل شيء، لافتا إلى أن القرى المجاورة للخالصة، الملاحة، بيسمون، جاحولة، الصالحية، العبسية والبويزية والدوارة وعشرات القرى في الحولة.
ومن ذكريات الأعراس يقول أبو لطفي إنه كان طفلا عندما تزوج ابن عمه لكنه يذكر مشاركته في الدبكة، ويقول إن العرس استمر مدة أسبوع، حيث تلتقي الأهالي في العرس والكل يستقبلون الضيوف ويقدموا الرز بالفراخ للعريس.


مسجد ينتظر رواده
ويطل في وسط المدينة مسجد الخالصة بمئذنته شاهدا أو حارسا على هوية المكان، إلا أنه سدد ولا زال ثمنا باهظا لقاء هذا الدور كما أكد الباحث في التراث والروايات الشعبية نمر نمر من حرفيش. وأضاف: “بعد عام 1948 حولت السلطات الإسرائيلية المسجد إلى مقر لمحكمة الصلح حتى عام 1968 حيث جعلوه متحفا لتاريخ “كريات شمونة ” بعد أن استبدل الهلال والآيات القرآنية المنقوشة على مدخله بكلمات عبرية مفادها رمم هذا البيت لتخليد ذكرى قتلانا الذين أعدموا في القاهرة عام 1941 بعد أن ألقي القبض عليهم يتجسسون لصالح استقلالنا ضمن ما يعرف إسرائيليا بـ”فضيحة لافون” والمسجد اليوم مغلق.


حادثة ترمبلدور
ويقدم إبراهيم منصور في كتابه المذكور روايتين حول مقتل القائد الصهيوني يوسيف ترميبلدور. فيقول في الأولى إن “خلافا على الأرض بين أهالي الخالصة وبين سكان مستعمرة كفار غلعادي القائمة على أرض التخشيبة عام 1920 فطرح اقتراح بعقد جلسة تفاوض وحل الخلاف”.
ويوضح أن الجلسة تمت في المستعمرة داخل مبنى واسع وحضر وفد يهودي وآخر من أهالي الخالصة برئاسة كامل حسين أفندي ومحمد عرب ( أبو غازي) وخلال الجلسة لاحظ الأخير أن هناك خدعة أو مكيدة مدبرة وعندما احتدم النقاش لاحظ أيضا محاولة قتل كامل حسين فامتشق مسدسا وقتل من اليهود ثلاثة منهم يوسيف ترمبلدور”.
ولا يذكر منصور إبراهيم بأي لغة تفاوضوا، ويتابع في سرد ما سمعه على لسان محمد عرب المذكور والذي درس الحقوق في جامعة دمشق وتميز بتوجهاته القومية وأطلق على أولاده أسماء غازي وفيصل وفاروق: “تبين أن الباب الرئيسي مغلق فقام أبو غازي بتسلق أكتاف الحاضرين من رفاقه وأحدث فتحة في سقف القرميد وخرج وفد الخالصة وعندما ذاع النبأ توالت النجدات ونشبت معركة بين العرب واليهود أسفرت عن مقتل خمسة يهود وإحراق المستعمرة وسقط شهيدان فلسطينيان وهما فارس المنفي والفريجي وهرب الناجون من اليهود إلى لبنان واحتموا بالزعيم اللبناني عبد اللطيف الأسعد من الطيبة وهو شقيق كامل الأسعد رئيس مجلس النواب اللبناني لاحقا وفعلا قدم لهم المساعدة وأعادهم لـ”روش بينا”.
وأقيم فيما بعد تمثال لتخليد ترمبلدور على شكل أسد فاتح فمه باتجاه الحولة ونسبة لهؤلاء القتلى الثمانية أقيمت مستوطنة “كريات شمونة” على أنقاض الخالصة بعد النكبة.
وفي الرواية الأخرى يقول إنه وفق اتفاق “سايكس بيكو” كان خط الحدود بين فلسطين ولبنان يمر من الزيب إلى الطابغة مما أدى لوقوع عدة قرى فلسطينية وبعض المستعمرات في منطقة محايدة مما شجع القيام بهجمات على القوات الفرنسية في منطقة المطلة وطلحة ( تل حاي) وكانت بريطانيا تشجع هذه الهجمات. وأهمها وقعت في 21-5-19921 حيث هاجم أهالي الخالصة مستعمرة كفار غلعادي خلال مطاردة جنود فرنسيين وتأييدهم لثورة فيصل في سوريا وتم إحراق التخشيبة وقتل ثمانية يهود فيها منهم ترمبيلدور.
كامل الحسين أو كامل أفندي
يعتبر كامل الحسين من شخصيات الخالصة المختلف عليها، فقد كان متحفظا من مشاركة بلدته وبقية قرى الحولة في الحرب عام 1948 حفاظا عليها وفق ما يقوله منصور إبراهيم في كتابه، لافتا إلى أن كامل الحسين ورث الزعامة عن أبيه. كما كانت عائلته تملك نصف أراضي الخالصة ومساحات واسعة من الحولة كما يؤكد الباحث د. مصطفى عباسي في كتابه “قرى قضاء صفد في عهد الانتداب” وهو بشكل عام يتناول سيرته بتوجهات إيجابية، بخلاف عدد غير قليل من الباحثين الآخرين.
ويقول عباسي إن كامل أفندي، ناصرَ الأمير فيصل عام 1920، وأعلن الثورة على الفرنسيين، وأنه سبق وأسس منظمة “الشباب العرب” في صفد عام 1933، وفي 1945 عين رئيسا لمجلس محلي الخالصة حتى النكبة.
في المقابل يشير عباسي للجدل حول شخصية كامل الحسين واتهامه بالسمسرة وبيع الأراضي لليهود، وبارتباطه بعلاقات مع الحركة الصهيونية.
ويرجح عباسي أن معارضة كامل الحسين الشديدة لمفتي القدس الحج أمين الحسيني ومناصرته للمعارضة وعائلة النشاشيبي قد لعبت دورا في محاولات النيل منه”.
وفي سياق التحفظ من الاتهامات الموجهة لكامل الحسين يتساءل عباسي بالقول: “إذا كان فعلا على علاقة حميمية مع الصهيونية حسب المصادر الصهيونية فلماذا تم تشريده من الخالصة والحولة؟ مع العلم أن الصداقة والجيرة والتفاهمات بين المستعمرات اليهودية وبين عشرات القرى الفلسطينية المجاورة لم تحمِها من التهجير عام 1948 وحتى من المجازر كما وقع في دير ياسين”.
وفي الحديث عن كامل الحسين الذي قتل في لبنان عام 1949، يرجح عباسي أن “مساعيه لإبقاء أهالي الحولة فوق أراضيهم دفع عدة جهات لتشويه صورته والإساءة له”. وينفي عباسي ما قاله المؤرخ أكرم الحوراني في مذكراته بأن كامل الحسين أصله من عشيرة الهيب، ويؤكد أنه ينتمي إلى آل عيسى الإبراهيم من أم الفحم وجاء للخالصة.
ويتابع عباسي محذرا: “هناك افتراءات وسرعة إصدار أحكام التخوين كما يفعل الحوراني”. بين هذه وتلك من الروايات لم يبق من كامل الحسين سوى ذكريات وأطلال قصر يعرف بـ”الخان” ويستخدم اليوم مدرسة للرسم ومقرا لفنانين إسرائيليين كما يفعلون في مواقع فلسطينية أخرى، يقيمون داخل مبنى تاريخي جميل ولا يضيرهم كونه رمزا لجرائم تهجير وقتل.



