بيروت – «القدس العربي»: في كُتيب أيام بيروت السينمائية موجز لفيلم «عن الآباء والابناء» للمخرج السوري طلال دريكي قرأنا التالي: يعود المخرج إلى وطنه، حيث يكسب ثقة عائلة اسلامية متشددة. يتقاسم حياتها اليومية لمدة عامين. تركز كاميرته على أسامة وأخيه الأصغر أيمن. لتقدم لنا رؤية نادرة لما يعنيه النشوء في منزل عائلة جهادية مسلحة.
وخلال احتشاد المدعويين إنتظاراً لإفتتاح أيام بيروت السينمائية في دورته العاشرة وعيده العشرين، تبادلوا تعبير «بيقولو الفيلم قاسي»، «الفيلم عنيف»… والبعض تساءل «قولكن فينا نبقى للآخر؟». الجميع بانتظار اللقاء عن قرب مع الإرهاب الذي طالما خشيوا منه حين تمدد إلى لبنان.
وقد سبق أيام بيروت السينمائية والإعلان الرسمي عن ادراج فيلم «عن الآباء والأبناء» في قائمة العروض، تشريح صحافي غير مُبارك لفيلم عن المتشددين الإسلاميين، يدخل صاحبه إلى المساحات الجغرافية التي تسيطر عليها القاعدة وجبهة النصرة من جهة تركيا، وليس من بوابات الوطن الأخرى. كل ذلك ساهم من خلال دعاية مجانية للفيلم الذي امتلأت الصالة بكاملها لمتابعته.
وبخلاف الحال حين عُرض فيلم «العودة إلى حمص»، حضر طلال الدريكي إلى بيروت مرافقاً شريطه الوثائقي، فقد تغيب عن الدورة العاشرة، حيث قالت المديرة الفنية لأيام بيروت السينمائية زينة صفير «للأسف ما قدرنا نستوعب أنو يكون طلال معنا لعدة أسباب. لكنه سجل لنا رسالة». في الرسالة أطل الدريكي من مكان اقامته الجديد في برلين ليقول: ظروف الشغل والظروف الأمنية منعتني من المشاركة. أتمنى أن تستمتعوا بالفيلم وهو عبارة عن رحلة داخل الذهنية المتشددة. الآباء سلطويون. والابناء غير مخيرين… مشوار السينما طويل… نطمح لسينما بدون رقابة ومستقلة…».
«عن الآباء والابناء» وثائقي من 99 دقيقة، وفيه يتخذ المخرج صفة مصور حربي، ويدّعي حبه للجهاد والجهاديين، ويحظى بثقة كبيرة بخاصة من أبي اسامة. بعد رحلة تعارف مع افكار رب العائلة المنتمي لتنظيم القاعدة ندرك تماهيه في اسماء أولاده مع محمد عطا «أحد الإرهابيين الذي فجر طائرة في برج التجارة العالمي في 11/9/2001». وكذلك اسامة وأيمن. تجول الكاميرا في عالم جميعه ذكور بدءاً من الطفلين أسامة وأيمن وصولاً إلى أطفال وآباء آخرين. عالم يظهر عنفه في التفاصيل وفي الخطوط العامة. ببساطة وفخر يخبر الطفل عن ذبحه للعصفور ونتف ريشه بعد تشجيع من أحد البالغين. بعنف شديد يتضارب الأطفال، فيما فريق منهم يتفرج. الآباء عنيفون مع ابنائهم بعيداً عن لغة الحرب والسلاح، وأصوات المدافع. السوط وسيلة التعنيف الوحيدة والقصاص الذي ينزل بهؤلاء الصبية لأبسط سبب. ويمكن للطمة الكف أن تفقع بصوت مسموع على الوجنات أيضاً. معلم المدرسة له الأسلوب عينه، سوطه هو حزامه، يستله في الباحة وأمام الجميع. أما الفتيات اللواتي تجاسرن على الإطلالة من باب المدرسة للإنصراف فكان نصيبهن من هؤلاء الصبية دفعة حجارة تتطاير من ايادٍ نشاطها لافت وكأنه يختزن حقداً. كررت الفتيات المحاولة لأكثر من مرّة، وتكررت لغة الحجارة، فذكور المكان متربصون.
صبية يظهر خمول عقولهم بعيداً عن دائرتهم الضيقة. يعجزون عن حساب بسيط فيما بينهم «اربعة مقسومة على عشرة تساوي خمسة..صح»! يلتقون أمام مدرب يعلمهم أصول الوضوء. يتحدث احدهم عن «كفرية» طفل من جيله، ويسأل محدثه «أليست كفريي هاي»؟ فالوالد المتخصص بتفكيك الألغام وصناعة المتفجرات يهتم ب»العلوم الشرعية» لأطفاله، وليس بأي دراسة أخرى. أبو اسامة الخبير بالمتفجرات يدفع الثمن، تُبتر قدمه وهو يفكك لغماً، وينتحب الصبية من حوله بقوة لدى عودته من المشفى إلى المنزل. رمز قوتهم وسندهم فقد قدمه. إنها نكستهم المباشرة.
رغم اصوات التفجيرات التي اجفلت كثيرين في الصالة، خاصة حين صنع الأطفال قنبلة في قنينة بلاستيكية لتفجيرها، واخبرونا عن المواد المستعملة. دون شك أن الوعي الجمعي في الصالة كان يرفض عن سابق تصور وتصميم أي اذى يلحق بالأطفال، حتى وإن كانوا أشبال القاعدة والنصرة. رميت المتفجرة المصنوعة يدوياً كان الصوت قوياً، لكن الأطفال بعيدين عن موقعها.
يدخل الأطفال في هذا الفيلم إلى جوف الدبابة المدمرة يبحثون فيها ويجولون بصمت، محركين حديدها الصدئ، ثم يخرجون. مشهد صامت لا يختلف عن آخر فيه رصاص حي. أما تدريب الأطفال على حمل السلاح، وترك الرصاص يزأر بينهم، وفوق رؤوسهم لينطلقوا مندفعين إلى ساحات «الجهاد» ودون أي حساب يشي بأن المستقبل قاتم.
يجنح الفيلم نحو الرتابة في مشاهدة متعددة ضمن المساحة الضيقة التي اختارها المخرج من محافظة إدلب الشاسعة، حيث تنظيم القاعدة وجبهة النصرة. ورغم كونه يحاول ترك باب السؤال مشرعاً عن حال الأجيال التي ستتوالى من هؤلاء الأطفال، كان له أن يخوض أكثر في تفاصيلهم. فربما تساهم تلك التفاصيل بجعل ممولي «الجهاديين» ومساعديهم على النمو والإزدهار، أن يفكروا بالمستقبل المنتظر وكيفية التعامل مع هؤلاء الأطفال.