«أيام سمير حمّص» مجموعة القاصة المصرية هند جعفر: تشكيل النموذج وفاعلية الذاكرة

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في مجموعتها القصصية «أيام سمير حمّص» تستند الكاتبة المصرية هند جعفر إلى مجموعة منطلقات فنية، لا ترتبط بتأمل الذات وإشكالياتها، ولكنها وثيقة الصلة بالآخر، في محاولة تأسيس ارتباطها بالوجود والعالم، لمقاربة الواقع وتعرية ملامحه دون جلبة، ودون نبرة عالية، فالكتابة تكتفي بالرصد الموضوعي، ولكنه رصد لا يخلو من وجهة النظر المنطوية على فعل التأمل. فالكتابة الراصدة هنا بها الكثير من الاكتناز المحكم، والبعد عن الفائض اللغوي، ويتشكل في إطار ذلك المنطلق الأول الذي يُبنى بالضرورة على منطلق أساسي ثان يتمثل في الانفتاح على الآني والانشداد إلى الماضي لتشكيل علاقات تجاوب وتدابر في آن واحد.
القصص في هذه المجموعة تتناول الإنسان في ضعفه وهشاشته، وفي ارتباط حياته بالتحولات، سواء أكانت تحولات نابعة عن طبيعة الحياة، في كونها لا تظلّ على هيئة واحدة، ولا يستمرّ صفاؤها، فقد تدير ظهرها في أي لحظة من خلال زلزلة النظام بالحوادث، أو من خلال تحولات عجائبية خارقة للنسق.
والكتابة في هذه المجموعة وإن كانت مشغولة بتشكيل نماذج بشرية لتأسيس السمات أو الصفات التي تؤثر في طبيعة الإنسان من حيث مثاليتها أو انتهازيتها في ارتباطها بالآخر، فإنها في الوقت ذاته مشدودة إلى إشكالياتهم الأساسية في العمل والحب والزواج والثورة والحرية، وإلى الضعف الإنساني ودوره في تشكيل سمات فقد المثل واكتساب نقيضها والتشبث به، للوصول إلى صورة متخيلة للذات، فالوصول إلى هذه الصورة المتخيلة لا يتمّ إلا عبر انحناء ومطاوعة، وعبر تفكيك للمواقف والقناعات المشدودة إلى المثل والقيم التجريدية.

تشكيل النموذج

تلحّ قصص المجموعة على تشكيل النماذج البشرية، والتقاطها برهافة وتمكن شديدين، بل وبالتعبير عنها وفق بنية مكتنزة ممشوقة دون زيادة أو نقصان. ففي بعض القصص يتشكل النموذج وفقا لكود السلوك الرفيع، كما في قصة (بيانو) حيث تتأسس قيمته من خلال صناعة الاختلاف وإقامة الحوائط في الاتصال بالبشر.
وربما تشير هذه الحوائط إلى الجدران أو المسافات التي نسدلها بيننا وبين بعض البشر استنادا إلى شكل خارجي، تقول القصة: (وما أن يفيق حتى تعاوده الجهامة، ويعود منفّرا كما كان، هل كان السبب هذا الجحوظ البسيط في عينيه، أم جبينه الضيق اللحيم؟ لا أعرف). ومن خلال ضمير الغياب الفاعل في تشكيل النموذج وتشغيل المتخيل تتكشف الجهامة من خلال البناء السردي في ظل الانتماء إلى نمط الحياة المشدودة إلى أكواد السلوك التي تؤسس مغايرة ما. فانتماء الأسرة إلى جزيرة (كريت)، جيلا وراء جيل جعل التشبث بأكواد السلوك وسيلة لتأسيس الاختلاف، وكأن المحافظة على كود خاص للسلوك، وطريقة التعامل مع البشر تؤسس سبيلا للمغايرة والاختلاف، وكأنهما- الأم والابن وفق هذا التصور- ينتميان على حد تعبير الراوي إلى شريحة الباشوات المتجذرة في لحظة ماضية.
يبدو أن الاتصال بالآخر بوصفه جزءا أساسيا في تشكيل الوجود والنزال مع الواقع رافد مهم من منطلقات الكتابة القصصية، ففي قصة (عرج خفيف وابتسامة وجون للانتر) تتأسس ملامح النموذج من خلال تفاعلات وعلاقات بشرية بين الأنا والآخر، كما في جزئية تقييم المدير، أو في جزئية خلقية مرتبطة بالعرج الخفيف الذي يلازمه. والأمران لهما تأثير في تشكيل أزمة الذات وتحديد ملامح النموذج. فتقييم (مقبول) الذي يناله في سنوات متتالية وتكراره أزالا من هذا النموذج فكرة التذمر أو الشكوى، بل جعلا التسليم المكبوت عنوانا واستجابة لتبريرات المدير، ويتجاوب مع هذا الموقف العرج الخفيف الذي يلحّ أثره مع كل هزيمة أو شعور بالغبن والمظلومية، والانضواء في ظل دائرة تسيّج وجوده لا أمل للخروج منها، بالإضافة إلى الهزيمة في المسالك التي تؤسسها الذات للهروب المرتبطة بالرياضة، من خلال هزيمة انتر ميلان أمام يوفينتوس.
تشكيل النموذج في قصص المجموعة مشدود للسياقات الحضارية التي تفقد الشخص القدرة على الفعل في تشكيل تطابق وتماه بين المتخيل والواقعي، والحياة في كل تشكلاتها قائمة على تلك الفجوة، خاصة في ظل غياب الإجابة عن الأسئلة العالقة. في قصة (رفات) هناك نموذج يتأسس، وهذا النموذج وثيق الصلة بالماضي الذي لم يُدرك على نحو كاشف، ففقد الأب في الحرب وعدم العثور على جثته يصبح عاملا مهما في تشكيل ملامح هذا النموذج/الابن، حيث تتشكل ملامحه وفقا لتنميط التسليم، مع غياب القدرة على الحب والزواج، وكأن في هذا التسليم نوعا من الهروب من تكرار حالة الفقد.
في بعض الأحيان يكون تشكيل النموذج أكثر انشدادا إلى فكرة عامة، لا ترتبط بشخص، بقدر ارتباطها بنسق عام، تلحّ الكتابة على تفكيكه وإعادة مقاربته، على نحو ما يمكن أن نرى في قصتي (أعمال سين التي ذهبت هباء)، و(انتظار). فتغييب الاسم في القصة الأولى مقصود ليؤسس لحضور المنحى الفكري أكثر من انفتاحها على الشخصي والفردي، فمدارات القصة تشتبك مع مناح فكرية عديدة، منها الحب من طرف واحد، والمحِب والمحَب، أو امرأة الظل، حيث بتشكل وجودها الخاص في البعد والمراقبة من بعيد. أما في القصة الثانية فهناك إلحاح على الفقد الخاص بالمثل والقيم تحت سطوة المتخيل النموذجي للذات، فالنموذج يفقد تكوينه المثالي المشدود لقيم نتيجة للنزال مع الواقع، وكأن القصة تشير إلى الحياة بكل تجلياتها من السير والانكسار أمام برق خلب.
في بعض قصص المجموعة نشعر أن هناك تأسيسا للنموذج في إطار كاشف عن التعدد أو الازدواج، يتجاوران في المكان، لكن يفصل بينهما مسافة زمنية، ففي قصة (دراجة ثلاثية العجلات) يؤدي ضمير الغياب في سرده عن الشخصيتين المتوازيتين دورا مهما في الشعور بوجودهما بشكل متساو. فالنموذج الأول مؤسس ذاهب إلى لحظته الأخيرة، والنموذج الأخير قريب منه مكانا، يشابهه في الوحدة والاغتراب، فكلاهما ينتمي إلى طبقة واحدة، ويعيش على الكفاف.

التحولات والذاكرة

في قصص المجموعة يتجلى للقارئ أن الشخصيات من البشر العاديين الذين تسير حياتهم على سنن نمطية هادئة مخذولة بالثبات، ولكن هذه النمطية لا تستمرّ نظرا لطبيعة الحياة، بسبب أحداثها المفاجئة التي تقوّض هذا الثبات وهذا الهدوء. وهذه الأحداث المزلزلة تشكل بتأثيرها جماع ولبّ القصة القصيرة، سواء أكانت أحداثا عادية واقعية مثل المرض أو أي حدث خاص بالهزيمة أو فقدان الأمل، أو كانت أحداثا عجائبية مثل قصة (أحداث سمير حمّص) فظهور الثديين يمثل- بما يتجاوب معه من أحداث مثل ارتداء المشدات وظهور اللبن- تحوّلا مخالفا للنسق المعهود. فتحوّل سمير حمّص بواسطة هذا التحوّل العجائبي إلى (سميرة بزو) وثيق الصلة بالسياقات الحضارية.
في (أيام سمير حمّص) يكشف ظهور الثديين عن مداخل أو ملامح تأويلية، تخرج القصة بأحداثها من سياقها الواقعي، إلى سياق رؤيوي كشفي يرتبط بالتحولات التي تصيب الفرد في ارتباطه بالكون ومظاهره وسياقاته السياسية والاجتماعية، وربما تؤكد التطورات النامية في القصة الملمح أو التبرير السياسي، وتؤكد مشروعية جدارته للتلقي، وذلك من خلال المواقف، وتبدّلها من حال إلى حال في التعامل مع هذا التحول، فالبداية تأتي مرتبطة بالدهشة والاستغراب والإنكار، مرورا بالقبول والتعايش، وانتهاء إلى التسليم. هذا التدرج في تلقي الحدث العجائبي الخارق يؤسس للقصة مدخلا تأويليا أقرب للقراءة الباطنية لتحولات الشخصية في سياقها العام، لأن تعوّد الانتهاك والتسليم به مشدود للسخرية والتقليل، ويعدّ تسليما بتنميط وتشكيل جديد قائم على الانفعال لا الفعل، فالتحوّل هنا كاشف عن فقدان القدرة، والقبول به والتعوّد عليه انصياع لمساحة التنميط المشابهة للقوة العليا التي لا يستطيع لها دفعا.
ويبدو أن ملمح الذاكرة ودورها في تنميط وتشكيل الحاضر يعدّ مدخلا مهما من مداخل مقاربة المجموعة، لأنه منحى دائم الحضور في معظم القصص، ففي قصة (ذاكرة حية) التي تشير في سطرها الأول إلى إرينيو فونس شخصية بورخيس في قصته (فونس قوي الذاكرة)، وفيها تتجلى متاهات الذاكرة وتشعبها، ونتائج امتلاك قدرة غير منتهية على التذكر.
فالذاكرة في قصص المجموعة مدخل أو منحى معرفي للمقاربة، ففي قصة (الحاج حودة) لا تتأسس القصة على مغايرة نموذجية نمطية، واقعية كانت أم عجائبية، ولكنها تتأسس في نسق الفارق بين طفولتين بفعل حضور الذاكرة القوية: طفولة الراوي في القصة، وطفولة حفيد الحاج حودة، وذلك من خلال اللون الأبيض الجامع بين (صندل الحفيد) و(كوزلك الراوي)، حين كان يعمل في محل الجد، وحمله لألواح الثلج، فالمغايرة هنا بين طفولة مكفولة وطفولة تخرج من سياقها لتعمل وتسدّ مسد الكفيل الغائب، وهي لا تتأسس إلا بفعل ذاكرة حية ممتدة من الآني إلى الماضي نتيجة للمثير اللوني للبياض، مع اختلاف تراتب ودوره لدى قسيمي المفارقة.
وفي قصة (شوز السيد الزعيم) لا يمكن فهم القصة إلا من خلال فاعلية الذاكرة، حيث المقارنة بين ثورتين وجيلين تطلّ حاضرة، للكشف عن توجهين مختلفين، من خلال الإلماح إلى صورة الزعيم، وصورة ونسق حرّاسه في التعامل مع البشر مع كل قسيم، فمع زيارة الزعيم سنة 1958 كانت الثورة في بدايتها، نرى الفارق واضحا في تسليمه على الطلاب المصطفين لاستقباله الذين تحركوا للالتفاف حوله، تقول القصة، استنادا إلى حدث ما زال لامعا في الذاكرة (ولم يكن الحرّاس يطلقون النار على من يقترب من الزعيم).
ومن خلال المغايرة بين زعيم وآخر، تتولّد مغايرة أخرى تتمثل في طبيعة السلوك والشخصيات التي أنتجتها كل ثورة، فالأول يمثله الراوي ويوسف النوبي، والأخير يمثله ابنا يوسف اللذان هاجرا خارج حدود الوطن، وكأن في ذلك إشارة لاختلافات كثيرة بين ثورتين وجيلين، مشدودة لفكرة الهوية، ومدى تجليها من فترة إلى أخرى، فهي لدى الجيل الأول تدفعه إلى التحمل ونسيان الصعاب، بل وإلى الموت على أرضها، فبقاء يوسف النوبي في مصر بعد رحيل زوجته وابنيه ليس عاريا من الدلالة، لأن سلوكه يتساوق مع حركة وتوجه المرحلة في الارتباط بالسياسي والتعلق به، أما مع الجيل الآخر فهناك انشداد إلى التفلّت، والانسياق وراء فكرة التحلل من الالتزام بأي قيد، حتى لو كان قيدا ناعما مشدودا لهوية ما.
هند جعفر: «أيام سمير حمّص»
دار الشروق، القاهرة 2023
98 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية