بيروت ـ «القدس العربي»: انطلق فيلم «قلتلك خلص» في الصالات اللبنانية في الثامن من الشهر الجاري، واضعاً في عهدة المتفرجين حدّوثة مؤثرة تتناول أزمة مخرج وكاتب سيناريو، يكاد القلق والتوتر أن يجعلا منه مريضاً.
أيلي خليفة الذي سبق ووقع عدّة أفلام ساخرة منها «سرفيس أكسبرس، مرسي ناتكس و يلاّ ع قبالكن» يفتح للمتفرجين في جديده «قلتلك خلص» سيرة من لحم ودم ومشاعر، يعيشها المخرج وكاتب السيناريو في علاقته مع المنتجين. فيلم ينتمي إلى سينما المؤلف تجلّى فيه أيلي خليفة بتمثيل نفسه، وبالكوميديا الهادفة التي تحكّمت بشخصياته. دور بكلام مختصر، وحركة جسد ناطقة، وعينان يغمرهما القلق الصامت. لم يترك الكاتب والمخرج سبيلاً لإبراز توتره بمنأى عن الاستعمال. دروب توتر سلكها بوتيرة متصاعدة، تبعاً لمسار علاقته بالمنتجين والمحيط، وتبعاً للمرحلة التي وصلها في إنجاز السيناريو، أو التردد في تلك المهمة.
غزير أيلي خليفة في استيلاد الأفكار والشخصيات. يغيرها ويبدّلها «كما تغيير الملابس» بحسب ما قالته الراوية. النساء هنّ محور شخصياته، أتقن إلباسهن الأدوار بما فيهن صديقته «الأنتيم». ولمن يرغب بالسؤال عن سبب كثرة أدوار النساء في «قلتلك خلص» ربما يجد الجواب في تلك الصورة المرئية النمطية التي أريد للبنان أن يمثلها. هذا الواقع الملموس في السيناريو أثار حشرية الراوية فعلّقت متسائلة: «شو لبنان كلية بنات؟».
بدقة وسخرية عالية أيضاً تمكن أيلي خليفة من إظهار المنتجين، منهم المتهرّب من المواعيد المحددة سابقاً. ومنهم الباحث عن حوار جذّاب يشد المتفرجين كريم الضجرة التي لا ينتبه زوجها لحضورها رغم صباها ونضارتها. ومن بين أدوار المنتجين يتألق الممثل الياس الزايك، الشاب الثري، الحريص على وقته، ينطّ على الحبلة ويناقش رغباته بتمويل فيلم، ليصل إلى الهدف بعد لف ودوران، دعوة المخرجات والممثلات «وكلن بنات مع شورتات» إلى قصره «إذا فيك» يقول لأيلي خليفة.
رغم التأثر بمعاناة المخرج والكاتب، والتي شدّنا إليها أيلي خليفة بالتدريج، إلاّ أن الطابع الكوميدي الهادف الذي يجيده ساهم في تعديل المزاج. وكان للموسيقى التصويرية التي لم تكن لتغادر فضاء حياته أن تمثّل شخصية مستقلة وجميلة تؤشر لحضورها في كافة المفاصل، ليتبين لاحقاً من الجنيريك أنها للمبدع زيد حمدان. أخيرا وليس آخراً يُحسب لفيلم «قلتلك خلص» حضور مجموعة كبيرة من الممثلين المشهود لهم في المسرح والسينما والتلفزيون وفي أدوار متفاوتة كلينا خوري في دور خاطف. وآخرون كما طارق تميم، وفادي أبي سمرا وروان حلاوي، ومروى خليل، وطلال الجردي، والياس الزايك، وستيفاني عطالله التي غنّت «قلتلك خلص». كذلك زياد صعيبي وراوية شهاب.
مع أيلي خليفة هذا الحوار:
○ »قلتلك خلص» أردته حدّوتة تسرد أزمات كاتب السيناريو والمخرج مع المنتجين. هل هو الواقع فعلاً أم أنك تهوى المبالغة؟
• بل أن الواقع يتضمن مبالغة أكثر بكثير مما ورد في الفيلم. في الفيلم بعض الخيال، فيما الواقع أصعب بدرجات، بخاصة في لبنان. العلاقة بين المخرجين والمنتجين وكافة العاملين في السينما على هذه الدرجة من التعقيد. أردت في «قلتلك خلص» كذلك تسليط الضوء على حياتنا الحاضرة في لبنان، فمهما كانت مهنة أحدنا سيعجز من إنجازها إلى نهايتها. حال الكاتب تمثل معظم العاملين في هذا البلد، يبدأ الكتابة عن شخصية، وسريعاً ينطّ إلى أخرى قبل إنجازها. ما نعانيه نحن كمخرجين يشكّل نموذجاً لما يعيشه كثيرون يعملون في مجالات شتى في هذا البلد.
○ أكثرت من النماذج النسائية وفي اهتمامات شتّى هل الهدف إرضاء المنتجين؟
• نعم. تقول الراوية للمخرج «ليش بدك تعمل لبنان كلية بنات»؟ وترشده لتناول قصص أخرى في السيناريو. في الحقيقة يتقن هذا الكاتب سرد حكايات النساء في السيناريو.
○ مطلوب منّا تقديم صورة النساء الجميلات وهذا ما يركز عليه الإعلام العربي منذ بدأت طفرة الفضائيات؟
• صحيح. وفي لقاء للمخرج مع أحد المنتجين كان للأخير أن يستنكر السيدة التي تقرأ في الكتاب. ولماذا حضورها؟ فيقول للكاتب «ما فيك تكتب قصة بلا فلسفة، بيفهمها الجمهور وبلا وجع راس؟»
○ كيف خطرت لك صورة المنتج الجغل السكران بثروته؟
• أسلوب العمل الذي أتبعه يعتمد اختيار الممثلين، ومن خلال شخصياتهم أرسم الدور. حاورت الممثل الياس الزايك في كونه سيؤدي دور المنتج. مكان الحوار قد يكون في مكتبه على سبيل المثال. وبما أن الفيلم الذي أنا بصدده يتجه نحو كوميديا مختلفة، وكنت أهتم بزيادة جرعاتها، بحثت بمواهب ذاك المنتج الرياضية من لعب التنس، السباحة وأفكار أخرى. أما إجادته للنط على الحبل فكانت صائبة للتصوير وتظهير دوره المميز.
○ كم يمثل الضرب الذي ينهال على كاتب النص والمخرج خلال نومه واقع حياته؟ وهل يصفعك الواقع أو يصدمك؟
• ربما يصفعني بطريقة أخرى. قد أذهب إلى الفرن لشراء الخبز وأرى رجلاً ينتظر. وحينها قد أذهب إلى مشهد لفيلم محتمل وأغادر ما كنت بصدده. إذاً يصفعني الواقع عندما أغادر واقعي، لأدخل واقع شخص آخر أراه في هذه اللحظة. الضرب الذي تلقاه الكاتب خلال نومه بعد أن هجرته حبيبته ربما يفيد بأنها في حال ثأر منه، وهي طالما حاولت أن تعيده إلى الواقع وإلى الأرض بعيداً عن الخيال. عملياً هذا ما حدث حين ثابَرَت على ضربه خلال نومه حتى أنزلته من السرير إلى الأرض.
○ في فيلم واحد قدمت أفكاراً لحوالي خمسة أفلام. إن أردت تطوير أحدها فأيها تختار؟
○ هي أفكار يمكن تطويرها، لكنها تحتاج لمنتج، إنها العودة للدوامة نفسها. وإن أردت تناول فكرة من تلك التي وردت في فيلم «قلتلك خلص» سأحتاج لمنتج. سأستمر على هذا النوع من الأفلام لأني أرغب بتقديمه للمشاهدين.
○ اخبرنا عن سر وجود هذا الحشد من نجوم السينما والمسرح في «قلتلك خلص»؟
• عندما أتشاور مع ممثل اهتم بموافقته على الشخصية وأبدي استعدادي الكامل للتغيير فيها وصولاً إلى وجهة نظر واحدة فيما بيننا. مع التأكيد على الحالة الكوميدية المتدرّجة. وهذا التفاهم الأولي يولد الراحة لدى الممثل. من جهة أخرى أترك للممثلين حرية الوقت وصولاً لتحديد زمن التصوير الذي يرغبون به في أيار/مايو أو حزيران/يونيو أو شباط/فبراير؟ وفق هذا الأسلوب كان العمل مع الجميع. وجميعهم كانت معهم جلسات منفردة لـ»ركلجة» الشخصية. كان العمل سلساً جداً مع جميع الممثلين، فجميعهم يعرف تماماً نوع الكوميديا التي أقدمها، وهي كوميديا الموقف.
○ أطلّت لينا خوري وسريعاً غادرت. ماذا عن هذه الإستضافة؟
• كان المشهد مع لينا أطول، وكذلك مع غيرها من الممثلين. جميعهم صوّر الكثير من المشاهد. بالنهاية مهمة «كمش» الفيلم تقع على عاتقي.
○ ألم يستولد اختصار المشاهد زعلا لدى الممثلين؟
• أكيد. جميعهم سألني عن هذا المشهد وذاك. حتى من ضربني في المشهد الأخير صورت معه مشاهد على الدرّاجة النارية على مدى نصف نهار، وكنت أمامه هارباً بسيارة. استغرب وقال: «معقول ما بتحطن»؟
○ وهل تتنازل عن هذا القدر من التصوير بقلب قوي؟
• إنها مشكلتي، بعكس مخرجين آخرين لديهم حرصهم الكبير على كل مشهد يصورونه.
○ لماذا أنت من مثّل دور المخرج؟
• لم أكن أرغب بذلك. وجدت ممثلين لكافة الشخصيات، وبقيت شخصية الممثل الذي سيلعب دور المخرج عصية. مع العلم أن الكاستينغ ليس وارداً في عملي. أعتمد احساسي، إما أن يكون الشخص مناسباً للدور أو لا يكون. عجزت عن إيجاد ممثل لهذا الدور، إلى أن وجدت نفسي في النهاية ضمن الفيلم. إذاً الفيلم هو من أخذني ووضعني بداخله وبدأ المشي وأنا ضمنه.
○ كيف تقرأ في اعتراض الشخصيات النسائية على الوضعيات التي اخترتها لهنّ؟ «وما حدا كان راضي».
• لم ترض أي من النساء عن المواقف الحرجة التي وضعتهنّ فيها. كذلك أحد من أصدقائي الشباب لم يكن راضياً بما قمت به وإزعاجي لهم قبل طلوع الضوء للسؤال عن السيناريو. وصديقتي في الفيلم لم تقبل ما أقوم به. جميعهم «طاشت رؤوسهم» بالسيناريو الذي لم أكن أعرف وضع نهاية له. بالنهاية جميع تلك الشخصيات تنتفض ضدي، وكافة أصدقائي يهربون مني، وعدم استعدادهم لرؤيتي من جديد.
○ العودة إلى الجمل هل هو حنين للجذور؟
• رغبت أن يجمعني هذا المشهد مع حيوان. زرت حديقة للحيوانات وكان اللقاء مع «ليلى» تبادلنا النظرات، وشعرت بشيء ما حصل بيننا. وسريعاً كان الإتفاق مع صاحب الحديقة على أنّ «ليلى» ستمثل الدور. وزوجها الذي شعر بالغيرة مما قمنا به دخل إلى السيناريو، وظهر في المشهد الأخير مع الممثل فادي أبي سمرا.
○ تناولت سلوك المنتجين ورغباتهم فماذا عن إنتاج «قلتلك خلص»؟ كان ميسراً؟
• قررت تصوير هذا الفيلم بداية ومن دون إنتاج، بالتعاون مع فريق صغير تجمعنا الثقة. هم خمسة تقنيين بدأت معهم التصوير دون مال، وبكلمة وعندما يتأمن أسدد لكم أتعابكم. وكان الإتفاق على تصوير مشهد كلّ شهر. بعد تصوير أربعة أيام تقدمت بطلب من صناديق عربية تدعم السينما.. و«ما مشي الحال أبداً». ولاحقاً تلقيت رسالة من أنطوان خليفة الذي يمثل شركة «أي آر تي» عن اهتمامهم بشراء حقوق الـ»في او دي» في الشرق الأوسط. وهذا المبلغ الصغير ساعدني لمتابعة تصوير الفيلم. مع العلم أن نيقولا خبّاز رافقني من بداية المشوار بتأمين الكاميرا وكل ما يلزم للتصوير. كذلك الصديق محمود القرق صاحب شركة الإنتاج «بوست أوفيس بيروت» عبّر عن رغبته بدخول الإنتاج فور انتهاء التصوير، وقدّم كافة التسهيلات التقنية المتعلّقة بالصورة. وهكذا، كان لي ثلاثة شركاء في الفيلم. وبالحصول على النسخة الأولى منه قدمتها للمشاركة بمهرجان «مالمو للأفلام العربية». وفي هذا المهرجان ربحت جائزة هندسة الصوت على مكنتني من إنجاز المهمة على مدى أسبوعين في تونس، حيث تعرّفت إلى أصحاب شركة «ليث بروداكشن» الذين قدّموا التسهيلات التقنية للصوت. بدأت تصوير فيلم بطريق ضيق جداً، وإذ به يفتح لنفسه ذاتياً أتوتستراداً.
○ أين عرض «قلتلك خلص» خارج لبنان؟
• في العديد من المهرجانات خارج لبنان. أولها مهرجان أفلام شرق المتوسط في فلنسيا، كان الفيلم وحيداً بسبب حظر السفر نتيجة كورونا. ذهب إلى فلنسيا بإصرار من مديره حيث وجده مناسباً جداً لهذا المهرجان الذي يهتم بالأفلام المستقلّة. منذ بداية العام والفيلم يجول وحيداً وأنا في لبنان. إنه يبني حياته بثقة خارجاً وكانت آخر مشاركاته في مهرجان «سينما فن» في قابس في تونس. فمدير هذا المهرجان يبحث عن الأفلام التي تحمل صفة سينما المخرج. «قلتلك خلص» هو الفيلم الكوميدي الوحيد الذي كان موجوداً في المسابقة. وقريباً يسافر وحيداً إلى مهرجانات في كندا واستراليا، من دون أن يسألني مرافقته.