أيمن عودة لـ”القدس العربي”: المعادلة مع إسرائيل ستتغير عندما يتجدد النضال ضد الاحتلال وجعله مكلفاً لها

حجم الخط
4

الناصرة- “القدس العربي”:

أكّد النائب أيمن عودة، رئيس القائمة التحالفية بين “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” و”الحركة العربية للتغيير”، في حديث لـ “القدس العربي” أن الطريق الأقرب للحرية والاستقلال تكمن في تجديد النضال، مشدداً على ضرورة أن يكون الاحتلال مكلفاً بالنسبة لإسرائيل.

 ورداً على سؤال عن احتمالات النضال العربي اليهودي المشترك من أجل إنهاء الاحتلال، وهو مشروع يدعو لتجديده الآن بعدما تعثّر في العقود الأخيرة، قال عودة: «الحديث في المطلق عمّا يعمل أو لا يعمل غير واقعي، وقد كنا نتعرض للضرب في الشارع لمجرد رفع شعار دولتين لشعبيتن، لكنه اليوم بات شعاراً معتدلاً».

عودة: الأمر الأساس هو إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967، وبعد ذلك كل الآفاق مفتوحة.

القصد إذا كنت تملك خطة تحمل هذا المشروع؟

«هناك مفارقتان في هذا المضمار، أولاهما أن الكل يعتبر هذا الموضوع أهم موضوع، ولكن لا توجد قوى كبيرة تقوم بتحريكه. المفارقة الثانية أن هناك أغلبية لدى الشعبين إذا عرضت عليها ذات المسار ستقبل، فهناك 47 % من الإسرائيليين تؤيد تسوية الدولتين على أساس 1967، وكذلك لدى الشعب الفلسطيني. فالمطلوب عمل منهجي لدفع هذا الأمر».

لكن الواقع على الأرض يقول إنه لا يوجد شريك في إسرائيل اليوم، وحتى الرئيس عباس قال، في خطابه في الأمم المتحدة، إننا رضينا بالبين والبين ما رضي فينا، وأغلب الشباب الفلسطينيين يتجهون نحو الدولة الواحدة؟

«واجب القائد أيضاً أن يقول للجمهور ما هو الصحيح، ففي الماضي أغلبية شعبنا عارضت فكرة التقسيم، وحتى 1988 كانت مع الدولة الواحدة. واجب القائد المؤمن بالفكرة أن يقول الناس الحقيقة. سبق والتقيت أساطين الدولة الواحدة، ولم أجد لديهم من يملك برنامجاً لها، بل وجدت بعضهم قد هرب إلى الأمام، نتيجة اليأس من الدولتين ذهب للدولة الواحدة، فكيف يمكن لمن لا يستطيع تحرير 22% أن يحرر 100% من البلاد؟ هناك أمر غير منهجي في التفكير. الأمر الأساس هو إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967، وبعد ذلك كل الآفاق مفتوحة، ولكن هذا الأمر ينبغي أن يتم. ربما تقول للوهلة الأولى إن هذا أمر صعب جداً، ولكن الرئيس عباس وإيهود أولمرت تقدّما كثيراً نحو هذا الحل، وحتى في فترة براك. ليس أسهل من القول إن الجانب الإسرائيلي غير معني بالكامل بتسوية الدولتين، ولكن هناك حاجة اليوم لتجديد النضال ضد الاحتلال حتى إنهائه».

اليوم الواقع مختلف من ناحية الإسرائيليين؟

«لا يستحق الاحتلال والمحتلون أن يقال بهم كلمة جيدة واحدة، وتحت هذا الكلام ألم يتوصل معظم المتعاطين بالشأن الأمني الإسرائيلي لقناعة بضرورة إنهاء الاحتلال وإحلال السلام؟ هناك أغلبية من هذه الأوساط المؤثرة تؤيد هذا الحل. هل هذا يعني أن الموضوع ميؤوس منه 100%؟ لو كان ميؤوساً منه لكان السود قد يئسوا من البيض في أمريكا وفي جنوب أفريقيا التاريخية».

https://www.facebook.com/AymanOdeh1975/videos/189486753648379/?t=4

لكن أبو مازن قدّمَ كل ما يلزم، وعاد ليقول “رضينا بالبين وما رضي فينا”؟

«هذا صحيح، فالرجل محّق بعد رفض إسرائيلي رسمي دام 14 سنة، رافقه تكثيف للاستيطان، لكن في نفس الوقت هناك 47% من الإسرائيليين منذ كامب ديفيد عام 2000، يؤيدون إنهاء الاحتلال، وعلينا رؤيتهم. المطلوب إذن هو تعميق النضال، ولا يوجد شيء يخترق المحتلين والاحتلال دون النضال ضده. لم يكن هناك أكثر من الانتفاضة الأولى قد اخترقت المجتمع الذي يتم الاحتلال باسمه- الإسرائيليين. وفي عنوان واحد أقول أنا من دعاة النضال لأنه هو الذي يحّقق الاختراق، وبالتأكيد عندما تصبح كلفة الاحتلال أكبر من ربحه ستتغير المعادلة. حالياً الاحتلال سوق وإسرائيل تربح من الاحتلال أكثر مما تخسر فيه، وعليها أن تخسر، وعندئذ ستتغير المعادلة».

استشرت جهات فلسطينية وإسرائيلية قبل أن تكشف عن مشروعك المخطط لنضال ميداني ضد الاحتلال؟

«نعم ألتقي، منذ شهرين، عدداً من القيادات المركزية الفلسطينية والإسرائيلية وجهات كانت لها صلة وباع في تطورات الصراع في الماضي، ودرست الكثير من المواد والوثائق كتوطئة لتحديد إستراتيجية المشروع».

وعن إعلانه الأخير عن تنحّيه العمل البرلماني، في نهاية هذه الدورة، أوضح عودة أن المعركة ليست سياسية بل أدائية، مذكّراً بأنه دخل الكنيست تزامناً مع الربيع العربي. وتابع: «دخلت الكنيست في 2015 تزامناً مع “الربيع”، واتهامات أوساط يهودية لنا بأننا كعرب نقتل بعضنا البعض، وفي الخلفية المشينة هناك نكسة 1967، وقبلها نكبة شعبنا، وهناك نواب يهود ينظرون لك كعربي عدو».

عودة: إسرائيل تربح من الاحتلال أكثر مما تخسر فيه، وعليها أن تخسر، وعندئذ ستتغير المعادلة.

لماذا في هذا التوقيت؟

«عندما دخلت الكنيست قلت في سري إنني باق هنا فقط لدورتين، أو ما يعادل ثماني سنوات، وكذلك تكررت الدورات الانتخابية، وهذه تجربة صعبة أثقلت على علاقتي مع الناس. رغبت بإزالة حساسيات مع زملاء سياسيين، تمهيداً للسعي من جديد لاستعادة وحدة الأحزاب العربية في البرلمان الإسرائيلي، بعدما عملت بعض الجهات على تفكيكها. أعتقد أن إعلاني المبكّر عن التنحي سيكون تكتيكاً موفقاً مساهماً في استعادة الوحدة العربية. أعتز بأنني ابن “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” التي مثّلتها منذ كنت شاباً عضواً مندوباً عنها في بلدية حيفا في بداية الطريق، ولو رغبت بالاستمرار نائباً عنها لقدمت نفسي، وأنا واثق أنها كانت ستمنحني هذه الفرصة».

العمل في السياسة مضنٍ؟ تعبت؟

«طبعاً. قبل أن أذهب للكنيست لم أكن أعلم ماذا يعني أن تعود للبيت كل يوم عند منتصف الليل، ولولا أن زوجتي مناضلة و”جدعة” جاءت من بيت مناضل لما تمكّنتُ من التوفيق بين واجباتي كسياسي وكوني زوجاً وأباً. لكنني لم أعلن تنحيتي لأنني تعبت.

كنت أسائل نفسي في الكنيست عن الحلم الكبير. هناك قاعدة تقول إن الإنسان في العاشرة إلى العشرين من عمره يريد أن يغيّر العالم، وفي العشرين- ثلاثين يريد أن يغيّر الدولة، وفي الثلاثين إلى الأربعين يريد تغيير المدينة، ومن أربعين إلى خمسين يريد تغيير شيء في عائلته، وفي الخمسين فصاعداً فإنه يريد تغيير شيء في نفسه ولا ينجح. وهذه مقولة صحيحة.

 شاعرنا المحبوب مريد البرغوثي يقول: “عندما يدخل المثقف الحزبَ السياسي فهو كالقلم الذي يدخل المبراة فتقصر قامته ويضمر رأسه”. الحقيقة أن هذه مقولة جميلة، ومجازها جميل، والتصوير جميل، غير أنني لا أوافق عليها في سياق العمل السياسي والحزبي. هكذا شعرت في الكنيست. لأن طموحي تعدّى المسائل المحلية والعينية، بل الرؤية السياسية الكبرى. لا شك أننا لامسنا ذلك. بلغنا القمة عندما حققت “القائمة المشتركة” وحدة شعبنا وفازت بـ 15 مقعداً. هذه تجربة مهمة يراكم شعبنا عليها نجاحات لاحقاً. العمل البرلماني مهم وساحة مواجهة يومية مهمة، لكن العمل الشعبي الميداني هو الذي حقق منجزات عميقة لصالح أبناء شعبنا، مثل يوم الأرض، شعر المقاومة الجميل، مسيرة التوعية وتعزيز الهوية الوطنية. هذا العمل البرلماني والميداني هو تكامل لحالة سياسية صحيحة في واقعنا. العمل البرلماني، والربط بين القومي واليومي، والتفاعل مع السياسة الإسرائيلية ومع أساطينها، وأيضاً البعد الدولي الذي اكتسبته، كل ذلك تجربة متراكمة مهمة ينبغي أن توضع في رصيد وخدمة شعبنا. وضعنا مدماكاً على مداميك وضعها من سبقنا، وستوضع المزيد من المداميك على يد من هم بعدنا، وهذه هي مسيرة تراكمية لشعبنا».

من أهم المنجزات القريبة على قلبك في السنوات الثماني في الكنيست؟

«هناك الكثير من المنجزات السياسية والاقتصادية الخاصة بأهلنا فلسطينيي الداخل، منجزات حققناها في البرلمان والميدان، وكنا سنداً لـ “لجنة المتابعة العليا” الداعية الأساس للنضال الشعبي، وواضح أننا نحتاج للمزيد، فقد كانت هذه فترة رديئة سياسياً على المستوى العام، لكن الوحدة العربية والإسلامية هي واحدة من أهم وأعمق النقاط في وطنيتي، وعندما دخلت الكنيست، عام 2015، كانت قضية تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) تشغل العالم، فشاركت في تجنيد قوى شعبنا للحفاظ على نسيج شعبنا بكل طوائفهم، مسلمين ومسيحيين ودروزاً، وعادة الناس لا يتذكرون مصائب جنّبْنا شعبنا وأبعدناه عنها. تشكيل “المشتركة” هو تحقيق مكانة وفرض ذات من قبلنا، ورفعنا عناوين المواطنة الكاملة والسلام العادل، وقد تحدينا بها الإسرائيليين، وهذه التجربة ستؤسس لما هو آت».

لماذا التصميم على “المشتركة” مجدداً؟

«ما زلنا بحاجة لاستعادة الوحدة بيننا على خط كريم ومحترم، وعلينا التذكّر أن الجانب الإسرائيلي لن يحترمنا إلا بوحدتنا، وأن التجربة الانفصالية تقول بوضوح إننا رضينا بالبين لكن البين ما رضي فينا. لا يمكن أن نبيع الشروش بالقروش، فالقروش حق لنا، وليست مكرمة من أحد. “المشتركة” قالت إننا شعب ونتصرف كمجموعة قومية، وهذا يتنافى مع يهودية إسرائيل، ولذا تفريقها جاء من قبل نتنياهو وقوى يمينية مساندة له بدوافع سياسية، ولكن أيديولوجية أيضاً، وقد جاء قانون القومية العنصري، عام 2018، رداً على إقامة “القائمة المشتركة”، وسأعمل على المساهمة باستعادة الوحدة الوطنية في الداخل، دون أن أكون فيها».

 وماذا أيضاً؟

«بناء “لجنة المتابعة العليا” من جديد، وهي الهيئة السياسية التمثيلية الأعلى عندنا، وتنظيم أنفسنا على أساس قومي هو هدف إستراتيجي. المزاوجة بين المدني وبين القومي أمر صحيح جداً في حالتنا الخاصة كفلسطينيين في إسرائيل. علينا العودة لتأسيس اتحادات نقابية نؤطّر فيها المعلمين والسائقين والعمال وغيرهم. جاء الوقت لتنظيم ومأسسة تدويل قضايانا، والاستفادة من وجود عدد كبير من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين من عندنا المنتشرين في كل العالم اليوم. كل هذه ينبغي أن تكون من عناوين المرحلة القادمة».

إستراتيجية قادمة؟

«ساهمنا في تجذير بعض الأمور، بأنه من دون مساواة تامة ومواطنة متساوية لفلسطينيي الداخل لا ديمقراطية، مثلما أن هذه غير ممكنة مع استمرار الاحتلال. كان قد استدعاني البروفيسور اليهودي زئيف شطرنهل، قبل سنوات، فالتقيته في بيته، تحدثنا عن منجزات المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل، كالتعليم في الجامعات والهايتيك، وغيره، فأخرج كتاباً من مكتبته حول اليهود في ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي. جاء فيه أن اليهود في برلين شكّلوا 0.5% فقط، لكن الأطباء اليهود فيها 30%، كانوا أساتذة جامعات فهل نفهم ذلك؟

إن نجاح أقلية في ظرف غير ديمقراطي سيؤلّب الجماهير ضدها. وهو محق فهذه تجربتنا كعرب فلسطينيين في إسرائيل، بعدما صرنا ننافسهم في المستشفيات والجامعات وغيره، وصعود “المشتركة” وتحدي الهيمنة الإسرائيلية صعّد العنصرية ضدنا، وظهر قانون القومية، ومعركتنا اليوم هي ليست على منجزات فردية، بل تغيير المناخ السياسي السائد بنضالنا وتحالفنا مع قوى يهودية متنورة وديمقراطية، ومن أجل إنهاء الاحتلال وتحقيق تسوية محترمة للقضية الفلسطينية. يضاف لذلك طبعاً على المستوى الداخلي، أقول إن التحدي الأكبر والأخطر علينا هو تفشي الجريمة في البلدات العربية داخل أراضي 48، فإن لم ننتصر عليها ستبتلعنا، أشعر بالأسى، لا بد لشعبنا أن ينتصر على الجريمة كما انتصر في معارك سابقة».

إلى أين أنت ذاهب؟

«سأخصّص كل الجهود مع كل الناس لقيادة المشروع الأهم وهو إنهاء الاحتلال، فالقضية الأساس هي القضية الفلسطينية، ولكن المأساة أن هناك استكانة وحراكاً ضعيفاً. المفارقة أن هناك أغلبية بين اليهود والفلسطينيين تؤمن بتسوية الدولتين، ولكن لا حراك من أجل تحقيقها، وأنا ذاهب لتكريس ذاتي من أجل هذه القضية. الاحتلال هو سبب كل الشرور والمغذي الأساس للفاشية في إسرائيل، ولكن لا توجد شرائح واسعة تتعامل مع هذه الحقيقة، وهناك حاجة لقفزة كبيرة، وفي المرحلة القادمة سأحمل هذه القضية وأتفرغ لها بالكامل».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية