«ليس إنصافا..»، يروي موريس بون Maurice Pons، كانت تقول لي دوما سيمون سينيوري، خلال الأحاديث التي شكّلت قاعدة لكتابها «الحنين لم يعد كما كان»، «ليس إنصافا: تجعلني أتكلم، أتكلم، أتكلم، وأنت، أنت لا تحكي شيئا»، هكذا، الممثلة السينمائية الفرنسية تتحدّث عن الكلام والحكي، ربّما تتطلّبهما السينما، لكن المخرج الفرنسي فرانسوا تريفو يعتبر غرورا الكتابة عن فيلم، وهو لم يُشاهد سوى ثلاث مرّات، وفي الوقت نفسه يتحدث عن لذة الكتابة عن السينما قائلا: «إنّه لن يكون لي متسع من الوقت لأوجز».
الحديث عن السينما وما آلت إليه في الجزائر يتطلب جرأة الجرّاح على الجسد، لكن لمن يجعل المبضع كريشة فنّان ويرى الجسد في خلوده لا زواله.
بعد موات سينمائي، وغلق بعض القاعات، وتحوّل بعضها إلى محلات تجارية، جاءت المبادرة الوطنية للنهوض بقطاع السينما. في دار الثقافة في مدينتي بشار، أقيمت أيام دراسية للسينما، دعت إليها «الجمعية الولائية للفنون السمعية البصرية»، برعاية الموسيقار عمار عمرون.
حميمو.. نوتة هاربة على هامش الجلسات:
غصّت القاعة بالحضور النوعي، كان من بينهم جمع من الموسيقيين. ألقى الضوء الموسيقار عبد الله على الموسيقى التصويرية، مبيّنا أنها ليست مجالا دون قواعد وأصول، مندمجا في أداء صوتي أشرك فيه الحضور في ترديد جماعي منظم لنوتات للوقوف على معنى «التآلف الموسيقي». وفي حوار جانبي مع الموسيقار حميمو، أخبرني باكتشافه في عفويةٍ ذات وقت، أنّه قادر على ممارسة الموسيقى التصويرية، وكان يبحث عن تفسير لهذا، بيّنت له باعتباره موسيقارا، وصاحب تجربة فإنّ النص الذي يسمعه يعيده إلى مادّته الأولى، أي «الكلمات» التي هي من الناحية الفونيتيكية عبارة عن أصوات، وبالتالي، يزاوج بين صوت الكلمة وصوت النوتة، أي يعيد الكلمة إلى أصلها النغمي.
الشباك هرج وحلم:
خلال الجلسات استعدتُ شبابي الملتصق بدور السينما، والتشبّث بمشاهدة الأفلام كثقافة ووعي بالصّورة، كعادة كل أبناء جيلي، وتذكّرت أنّ فليكس مسغيش Felix Mesguisch المسؤول عن عرض أفلام لوميار في العالم بداية من لندن 1897، لما حضر إلى الجزائر لم يستطع تجاوز مرحلة شبابه بها، حيث قال: «إنّي أرصد ديكور شبابي». هذا الحنين السّينمائي الذي شعره استحوذ عليّ، واستشعرت تلك اللحظات التي كنت أستعطف فيها والدتي لتمنحني بعض الدنانير حتى لا يفوتني فيلم من الأفلام التي أرغب في مشاهدتها. وهكذا وجدتُني أغطس في الذّاكرة وأراني أسير نحو سينما «ريكس»، حيث الشباك كان سابقا للعرض، تجتمع الحشود لاقتناء تذكرة، أو انتظار الوسيط الذي يهيمن على الشباك ويُعيد بيع التذاكر بضعف ثمنها الأصلي. هرجُ الحشد أمام الشباك يُخرجه من معيارية جودة العرض من عدمه، وبالتالي من تجاريته، إلى حالة اجتماعية تكشف عن علاقة النّاس بالسينما باعتبارها فضاء اجتماعي وحالة ثقافية يتمّ فيها اندماج الجمهور بالعرض حتى قبل ولوج القاعة، فالفيلم وسيط بين الواقع والخيال، الذي سينخرط فيه الذهن متسلّحا ببعض المعلومات حول العرض والمخرج والممثل.
حسني.. الصورة وتأثير الموسيقى:
أكد المخرج حسني على بدايات السينما انطلاقا من الصورة الثابتة، صور مايكل أنجلو، ثم الصورة المتحركة الصامتة، صورة الإخوة لوميير، ثم الصورة مع الصوت، وذكر أنّه أجمع جلّ النقاد على أنّ الصورة الصامتة أفضل أنواع السينما لأنّ الصورة هي الأهم في السينما، وقدّم نقدا في ما يتعلق بتغليب الحوار على الصورة في أفلامنا، مُميِّزا بين المسرح والسينما، حيث يتطلب الأول الحوار. وراح عميقا يحفر في الإشكالية باعتبار حضور الموسيقيين، وأكد على أنّ الموسيقيين العرب الكبار أمثال، محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي كانوا يطيلون في المقدّمات الموسيقية للتّفريق بين الأداء الغنائي والموسيقى.
تعرض للموسيقى التصويرية مستعرضا تجربة فيلمين يُعتبران من تراث السينما العالمية، «الرسالة» للعقاد، حيث البداية الموسيقية، التي صاحبت الفيلم في معظم أجزائه كانت من تأليف الموسيقار الفرنسي موريس جار، إذ في غمرة التحضير للفيلم والجميع في صحراء ليبيا افتقدوه، فلم يجدوه، ولمّا ظهر كانت موسيقى الفيلم كلها في ذهنه.
أمّا الفيلم الثاني فهو «الطيّب والشّرس والقبيح» من إخراج سيرجيو ليون، وموسيقى المبدع إنيو موركون، حيث مبدأ الفيلم بالصفير الشهير، وهو معبّر عن المنطقة التي يُصوَّر فيها الفيلم، والتي يكثر فيها ذئب القيوط، ولكنه أيضا تعبير عن شخصيات الفيلم الثلاث ذِئْبِيَةُ السلوك، وبهذا تكون الموسيقى التّصويرية اللغة التي تقدّم الفيلم من خلال توافق الصورة مع النغم، وهو دور لا يضطلع به سوى العمالقة.
الجمهور.. القاعة والعرض:
السّينما هي عبارة عن جمهور، قاعة عرض وفيلم. فالجمهور هو هذه الحالة التي تعطي للعرض حرارته وهويته في العالم، لأنّ النقاشات الأولى حول الفيلم تكون عند الاعتزام حضوره، ثمّ عند فترة الفاصل للاستراحة entracte، حيث يتمكن الجمهور من التقاط أنفاسه في المشاهدة، ليعود إلى تكملة الفيلم وهو مشبع ببعض الرّؤى التي استقاها ابتداء، ولهذا يرى فرانسوا تريفو، أنّ «الجمهور ليس زيادة عن الإبداع، إنّه، في عداد الفيلم».
الفيلم هو عبارة عن «فكرة وسيناريو وحوار»، هو المادّة الأولى للتعامل مع الواقع في إطار الصورة، فالسينما هي التقديم الخيالي للواقع في إطاره الحركي الذي يفصل النّاس عن المتابعة المباشرة للحدث عن طريق الصورة وليس كما المسرح الذي يجعل الجمهور جزءا من العرض، لكن الواصل بين الجمهور والسينما هو الخيال، عتمة القاعة هي الحالة التي يتقمّصها الوعي للانخراط في خيالية العرض.
السينما هي قاعات العرض، ولهذا لما تزول القاعات وتتحوّل إلى أماكن لإقامة الأعراس، فإن الفيلم باعتباره موضوع القاعة، يتحوّل رمزيا إلى حالته الأولى، كليشيه cliché، أي مجرّد مساحة ملساء قابلة للتمزّق والضياع، تنزلق على سطحها الأشياء دون ثبات، لا ذاكرة تحملها، ذاكرة الفيلم هي ذاكرة المدينة والناس والحياة.
ديدان.. طفولة وأحلام المشاهدة:
تحدّث المخرج المتقاعد ديدان، الذي ينتمي إلى الجيل الأوّل للسمعي البصري الجزائري، انتقل من العاصمة إلى العمل في مدينة بشار في الجنوب، يروي حكايته مع السينما، كان طفلا إبّان الفترة الاستعمارية ولم يكن يعرف ما كان يحدث داخل قاعة العرض، حاول مرارا الدخول وكان يُمنع، وفي يوم نادى عليه أحد القائمين على قاعة العرض وأكّد له إنْ هو قام بكنس القاعة فسيسمح له بمشاهدة الفيلم، وكانت دهشته الأولى في متابعة الصورة وهي تتحرّك، وبدأت مغامرته مع السينما.
اشتغل في قطاع التلفزيون، وكانت من المهام التي أنيطت به تصوير عرض لفرقة أَهَلّيلْ من مدينة تيميمون، وكان ذلك في بداية تسعينيات القرن الماضي، وكان تحديا بالنسبة له، لأنّ التصوير سوف يُقدَّم لليونيسكو لاعتماد الفرقة كتراث عالمي غير مادي، وهو ما يثبت أهمّية الصورة في الترويج للثقافة المحلية، خصوصا في المحافل الدولية. أنجز العمل الفني لأهلّيل وتمّ ترسيم الفرقة في اليونسكو عام 2005. يقول ديدان السينما سلاح، وهي الحياة، لأنّ تجربة الصورة أكّدت فعاليتها أمام مجرّد الكلام.
حمزة يسرقه مصدر الضوء:
استلم الكلمة حمزة المتخصّص في الإضاءة والعامل في قطاع التلفزيون، وما أثارني في تجربة حمزة هو تأكيده على حب مدينته/مدينتنا بشار، ومحاولة العمل على إعادتها إلى موقعها الثقافي والفنّي الذي كانت رائدة فيه، وأكد على التكوين وترقية الذوق الفني لدى الجمهور، ومنه إعادة الاهتمام بقطاع التلفزيون كمرحلة أولى للعبور إلى فضاء السينما. استرسل في حديثه حول عناصر العمل التلفزيوني، التي تتمحور حول: مصادر التمويل والخط السياسي والتكوين، وأنّ التلفزيون في مجمله يقدّم مادة إخبارية، ما يؤثر على اهتمام الفرد، خصوصا في العصر الرقمي الذي انتهى فيه احتكار الكاميرا، إذ أصبح بمكنة صانع محتوى في دقيقتين الإطاحة بعمل مؤسّسي دام التحضير له أياما أو سنوات. قاطع حديث حمزة أحد الحضور معاتبا إياه على تركيز نظره على زاوية محدّدة، وإهماله النظر في الحضور، فاعتذر مؤكدا أنّ ذلك مجرّد برمجة عقليه لتخصصه في الإضاءة، وهو لا واعيا يتتبع مصدر الضّوء، ضحكنا، وكانت هذه من نوادر الجلسات. عبر حديثه الذي اختار أن يكون أقرب إلى العامية الجزائرية، ذكر عنصرا مهمّا وهو أنسنة السينما، أن تقدم عرضا حول مأساة الإنسان، غزة أو العراق، فيتنام أو الجزائر، إبان الاستعمار يكون أكثر تأثيرا في توجه الجمهور وتشكيل الرأي العام. لم يخل حديث من أحاديث المتدخّلين من التركيز على أنّ العمل السينمائي هو عبارة عن صناعة ومورد بشري ومورد مالي.
عود على بدء:
مرّت السينما الجزائرية في اعتقادي بثلاث مراحل: مرحلة السينما الثورية، ثم الاجتماعية ثم التجارية، حيث فقدت خصوصيتها، ما أدى بها إلى التوقف. ولهذا ونحن نناقش السينما في الأيام الدراسية التي تأخذ طابعا وطنيا، علينا وعي العلاقة الوطيدة بين التاريخ السينمائي الجزائري، وتطوّر المجتمع والتحول في وعي الأجيال بالأحداث، فالجيل، تتغيّر نظرته، وفق ما يحدث من تحول عميق في الوعي وفي الحياة، فالتكنولوجيا لا محالة تؤثر في المعنى الذي تصوغه الأفكار، والجيل الرقمي ليس هو جيل الجريدة الورقية، أو جيل انتظار أخبار الثامنة، حيث تجتمع العائلة كلها في انتظار ما تجود به النشرة الإخبارية من جديد، في ما يتعلّق بالوطن والعالم. أصبح الشاب الرقمي صانع حدث وموقف ورأي، خلال دقائق معدودة، لهذا على القطاع السّمعي البصري الأخذ في الاعتبار بالكينونة الشابّة المُنتظرة للفرص العملية ذات التوجّه المشاريعي، عبر السينما والتلفزيون اللذين يكاد مفهومهما يندثر.
كاتب جزائري