باريس ـ «القدس العربي»: بعد أن طغت وفاة ملكة بريطانيا إليزابيت الثانية ثم جنازتها على المشهدين السياسي والدبلوماسي في فضاء يتجاوز بكثير حدود المملكة المتحدة والقارة الأوروبية بأسرها على مدى نحو أسبوعين، عاد الدبلوماسيون والمراقبون في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى التساؤل عن مستقبل العلاقات بين التكتل ولندن ولهجة المناقشات المستقبلية بين الشريكين، في عهد رئيسة وزراء بريطانيا الجديدة المحافظة ليز تراس (منذ السادس من أيلول/سبتمبر الجاري) بعد أن تولت حقيبة الخارجية لنحو عام (من 15 أيلول/سبتمبر عام 2021 إلى السادس من الشهر نفسه من عام 2022) في حكومة سلفها بوريس جونسون.
وفي لقاء هو الأول حصل في نيويورك بين ليز تراس رئيسة الحكومة البريطانية الجديدة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد ماكرون لتراس «استعداد» فرنسا «للمضي قدما» في التعاون مع المملكة المتحدة. للإشارة هنا، فإن تراس كانت قد فتحت باب التكهنات حيال علاقتها بساكن الإليزيه، وذلك قبل وصولها إلى داوننغ ستريت عندما سئلت خلال حملتها الانتخابية يوم 25 آب/اغسطس الماضي عما إذا كانت تعتبر الرئيس الفرنسي «صديقا أم عدوا» لبلادها. وقالت وهي ترد على السؤال بلهجة ساخرة «لجنة التحكيم لم تبُتَّ بعدُ» مضيفة: «إذا أصبحتُ رئيسة للوزراء، فإني سأحكم عليه انطلاقا من أفعاله لا من أقواله».
وهذا ما جعل الرئيس الفرنسي يرد على تراس بعد يوم واحد أي يوم 26 آب/اغسطس الماضي خلال زيارة الجزائر. وبدا ماكرون هو الآخر ساخرا من خلال رده الذي قال فيه: «المملكة المتحدة أمَّة صديقة وقوية وحليفة أيا يكن المسؤولون وأحيانا رغم المسؤولين والأخطاء الصغيرة التي يرتكبونها عبر التفوه بعبارات تافهة وأبعد من ذلك». لكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سارع إلى تهنئة ليز تراس بعد فوزها على منافسيها داخل حزب المحافظين وتعيينها رئيسة للوزراء خلفا لبوريس جونسون. وأضاف ماكرون يقول في تغريدة على حسابه على تويتر: «الشعب البريطاني هو شعب صديق والأمة البريطانية حليفتنا. فلنواصل العمل معا لحماية مصالحنا المشتركة».
وعلى غرار إيمانويل ماكرون، يأمل قادة الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في إقامة علاقة مستقرة وسلمية مع المملكة المتحدة والمضي قدماً لتعزيز الشراكة بين الطرفين، غير أن مواقف ليز تراس المتشددة حيال الاتحاد الأوروبي تثير تحفظ البعض منهم، وعدم ثقة البعض الآخر. ففي رسالة التهنئة لرئيسة الوزراء البريطانية الجديدة، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى «الاحترام الكامل» للاتفاقيات الأوروبية البريطانية؛ فيما أعربت كاتارينا بارلي، نائبة رئيس البرلمان الأوروبي، عن أملها في أن تكون الرئيسة الجديدة للحكومة البريطانية أكثر «منطقية في وظيفتها من سلفها بوريس جونسون».
لهيب مستمر تحت رماد بريكست
وثمة خشية لدى المؤسسات الأوروبية من أن تنفذ ليز تراس تصريحاتها التهديدية ضد اتفاقيات ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست». فالبعض يقول إنها قدمت تعهدات واضحة للغاية بهذا الخصوص للجناح المتشدد داخل حزبها حزب المحافظين، ما يعني أنه يمكنها أن تطلب اعتماد القانون الذي من شأنه أن يضع البروتوكول الخاص بإيرلندا الشمالية. الحديث هنا عن تفعيل المادة الـ 16 الشهيرة من اتفاقية ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتي تقضي بحث كل من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي على وقف تنفيذ أجزاء من البروتوكول الذي يحكم التجارة مع إيرلندا الشمالية من جانب واحدٍ، في حال حصول مشاكل كبيرة.
والحقيقة أن رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة ووزيرة الخارجية السابقة، هي التي تقف وراء القانون الذي ينوي البريطانيون عبره انتهاك بروتوكول إيرلندا الشمالية، والذي وقعته لندن، رغم ذلك، في سياق خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي. وكانت تراس «عنيدة خلال المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي بشأن ملف أيرلندا الشمالية الشائك» وفق مجلة «لوبس» الفرنسية. وهي سياسة تجاوزت الخط الأحمر الذي حدده الأوروبيون عندما صوت النواب البريطانيون في حزيران/يونيو الماضي على مراجعة البروتوكول من جانب واحد.
قبل ذلك، لوّحت تراس، في حديث لصحيفة «تليغراف» بداية شهر كانون الثاني/يناير من العام الجاري، بتفعيل المادة 16 مشددة على أن بلادها «مستعدة للتحرك بشكل أحادي، في إطار إجراء من شأنه تعليق عمليات الفحص الجمركي للبضائع المتوجهة إلى أيرلندا الشمالية». وعليه، تُنتظر تراس بقوة فيما يتعلق بملف أيرلندا الشمالية وقدرتها على التوصل إلى حلول وسط مع الاتحاد الأوروبي.
وسيتعين على رئيسة الوزراء البريطانية أيضًا التموضع فيما يتعلق بمشروع المجتمع السياسي الأوروبي، الذي تم اقتراحه أثناء الرئاسة الفرنسية الدورية للاتحاد الأوروبي والتي امتدت من بداية العام الجاري إلى نهاية حزيران/يونيو. وهي فرصة يرى العديد من المراقبين الأوروبيين أنها بمثابة اختبار للحكم على مدى «انفتاح ليز تراس على العمل مع الاتحاد الأوروبي عندما تتم دعوتها للانضمام إلى قادة بلدانه الأعضاء لحضور قمة في تشرين الأول/اكتوبر المقبل ببراغ» كما أوردت صحيفة «الغارديان» في تقرير نشرته يوم الخامس من أيلول/سبتمبر الجاري) تحت عنوان: «الاتحاد الأوروبي يدعو ليز تراس إلى الالتزام باتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي».
وفي استمرارية لعهد لبوريس جونسون، شكلت تراس حكومة تعكس تنوع المجتمع البريطاني، ولكن الحكومة الجديدة التي تم تعيينها يوم السادس من أيلول/سبتمبر الجاري تُعدُّ أكثر ثباتًا على اليمين من حكومة بوريس جونسون. وهذا من شأنه، حسب محللين، أن يضعف فعاليتها في مواجهة الرأي العام المتأثر بالتضخم الذي يستمر في الارتفاع والذي قد يصل إلى 20 في المئة بحلول نهاية العام. وفي ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية غير المسبوقة والتي سيتعين على ليز تراس مواجهتها، بما في ذلك التضخم المُتسارع، والسخط الاجتماعي، وإجراءات ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تخشى عدة دول أوروبية من أن تتعمد تراس إشعالَ حرب تجارية حقيقية بين المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي، كوسيلة لتحويل الرأي العام البريطاني عن المشاكل الرئيسية التي يواجهها البلد في الوقت الراهن.
ما يجمع لندن وبروكسل
أهم بكثير مما يفرق بينهما
يقول المحلل السياسي الفرنسي باتريك مارتين جينييه المتخصص في الشؤون الأوروبية، إن المسؤولين البريطانيين الذين تعاقبوا على رأس حزب المحافظين البريطاني أو احتلوا مكانة مرموقة في صفوفه القيادية ظلوا دوما يأخذون في الحسبان أن إسماع أصواتهم إلى ناخبيهم كان لابد أن يمر عبر توجيه الانتقادات الحادة إلى فرنسا ومن ورائها إلى دول الاتحاد الأوروبي الأخرى. ويخلص جينييه إلى القول إن بوريس جونسون طبق هذا التقليد وبرع فيه خلال الحملة التي خاضها ليصبح رئيسا للوزراء ويُخرج بلاده من الاتحاد الأوروبي. واستخدمت تراس الأداة ذاتها لفرض نفسها على الجناح المتشدد في الحزب وذلك خلال اهتمامها بملف الصيد البحري في المياه الإقليمية البريطانية والذي سُوي مبدئيا في نيسان/ابريل الماضي.
لكن الفرق بين جونسون وتراس، حسب المحلل السياسي الفرنسي ذاته وكثيرين آخرين، هو أن رئيس الوزراء البريطاني السابق كان معجبا في داخله بفرنسا وبالثقافة الفرنسية. وكان يقيم علاقة ودية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حتى في أوقات تأزم العلاقات بين باريس ولندن. وهي صفات تغيب عن تراس، وبالتالي فإنه يُخشى ألا تهتدي بسرعة إلى أن هناك مصالح مشتركة كثيرة بين بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، وأن تطوير العلاقات مع فرنسا من شأنه تعزيز شراكة جديدة بين الاتحاد والمملكة المتحدة لا تقوم على التصادم بل على التعاون في مجالات استراتيجية وحيوية كثيرة، منها على سبيل المثال مجالات الاقتصاد والأمن والدفاع والدبلوماسية.
ففي عام 2019 على سبيل المثال، دخل إلى فرنسا 12 مليون سائح بريطاني بينما زار 3 ملايين و6 مئة ألف سائح فرنسي بريطانيا. وما يزال الخط البحري الرابط بين ميناء دوفر الإنكليزي وميناء كاليه الفرنسي معبرا أساسيا لمنتجات بريطانية كثيرة تُسوَّق في كل دول الاتحاد الأوروبي. وإذا كانت فرنسا تسعى اليوم إلى تدارك تأخرها في إقامة مزارع بحرية لتوليد الطاقة من الهواء، فإنها مقتنعة بأنه بإمكانها الاستفادة كثيرا من التجربة البريطانية الرائدة في هذا الشأن، مثلما تعول بريطانيا كثيرا على فرنسا في استحداث مفاعلات نووية جديدة على أراضيها لتجعل من الطاقة الذرية وسيلة أساسية من وسائل المرور من الاقتصاد الكربوني إلى الاقتصاد الأخضر. وعلى الرغم من خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، فإنها ما تزال تقيم تعاونا أمنيا وعسكريا قويا مع عدة دول تابعة للاتحاد، في مقدمتها فرنسا، علما أن البلدين كانا قد أبرما في عام 2010 اتفاقات تعاون عسكري مهمة في مجال الأسلحة المتطورة بينها الصواريخ البالستية.
وعلى الرغم من علاقة القرابة القوية التي ظلت دوما قائمة بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، فإن هناك قناعة لدى الاتحاد الأوروبي بأنه يمكن فعلا أن يعول على بريطانيا لحشد الطاقات بشأن مواقف أو إجراءات لا بد من اتخاذها بشأن عدد من الملفات الساخنة بينها مثلا تنامي النفوذ الصيني ومواجهة روسيا. في السياق ذاته، هناك رأي شائع في بريطانيا لدى عدد من المحللين مفاده أنه لا يمكن للمملكة المتحدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي أن توليه ظهرها وأن تناصبه العداء، بل إن مصلحتها تقتضي توظيف ورقة علاقات جيدة مع أوروبا للحصول على امتيازات إضافية من الولايات المتحدة الأمريكية حليفتها التقليدية.
وفي انتظار زيارة ليز تراس رئيسة وزراء بريطانيا الجديدة إلى باريس عما قريب، انتهز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مشاركته في جنازة الملكة إليزابيث الثانية لتوجيه دعوة رسمية إلى ملك بريطانيا الجديد شارل الثالث للقيام بأول زيارة دولة إلى فرنسا باعتباره ملكا. في هذا الإطار، تحدثت صحيفة «التلغراف» البريطانية، هذا الأسبوع، أن الملك البريطاني الجديد قد يزور فرنسا في بداية الشهر المقبل. وللتذكير، تعود آخر زيارة لأمير ويلز السابق لفرنسا إلى عام 2018 تحديداً مدينتي ليون ونيس، حيث قام بإحياء ذكرى ضحايا اعتداء 14 تموز/يوليو الإرهابي لعام 2016.