أي دلالة للمحطة الباريسية في جولة بومبيو قبل شهرين من تسلم بايدن للسلطة؟

آدم جابر
حجم الخط
0

باريس-“القدس العربي”: من مفارقات العلاقات الفرنسية الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب، أنها بدأت قوية مع الرئيس إيمانويل ماكرون ولكن هذا الأخير اهتدى شيئا فشيئا إلى أن كثيرا من الآمال التي كان عقدها على نظيره الأمريكي قد تبخرت بسبب التباين الكبير بينهما بشأن ملفات كثيرة ساخنة، منها ملفات البرنامج النووي الإيراني والتعاون المتعدد الأطراف لتسوية الأزمات الإقليمية الكبرى وملف التغير المناخي. بل يرى عدد من متابعي ملف العلاقات الفرنسية الأمريكية أن ترامب تعمد وصف ماكرون بـ “رئيس الوزراء” في سياق تطرقه إلى اتفاق باريس حول المناخ خلال حملته الانتخابية الأخيرة في تشرين الأول/أكتوبر الماضي وأن المسألة لم تكن زلة لسان بسبب انحسار الود الذي كان قائما بينهما في بداية عهديهما بالحكم.

ومن مفارقات العلاقات الفرنسية الأمريكية أن مايك بومبيو اختار فرنسا حتى تكون باكورة الجولة الكبرى الأخيرة التي يقوم بها عبر عدة دول غالبيتها في منطقة الشرق الأوسط والخليج قبل تسليم خلفه ملف الدبلوماسية الأمريكية في العشرين من كانون الثاني/يناير المقبل. وهي جولة لــ”إظهار أنه ما زالت هناك استمرارية في الفترة المتبقية” كما يقول المحلل السياسي المقيم في واشنطن نصير العمري في تصريح لــ”القدس العربي”. وإذا كانت المحطة الباريسية في جولة بومبيو الأخيرة كوزير للخارجية قد استمرت ثلاثة أيام أي من الرابع عشر إلى السادس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، فإن الشق الرسمي فيها لم يستمر أكثر من ساعتين قضى بومبيو جزءا منهما في الذهاب إلى حديقة الإنفاليد بالعاصمة الفرنسية لوضع باقة من الورود أمام نصب تذكاري لضحايا الإرهاب. أما الجزء الآخر من الساعتين اللتين خصصهما لوقت النشاط الرسمي فقد قضاه الوزير الأمريكي مع نظيره الفرنسي جان إيف لودريان. وذكر المقربون من الرئيس الفرنسي أن لقاءه مع وزير الخارجية الأمريكي لم يستمر طويلا وأنه جاء بطلب من بومبيو لا بطلب من المسؤولين الفرنسيين، وأن قصر الإليزيه قد بلَّغ طاقم الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدين بالزيارة قبل أن يشرع فيها بومبيو. ثم إن الرئيس الفرنسي كان ضمن قادة العالم الذين تولوا قبل غيرهم تهنئة بايدن بالفوز في أعقاب الانتخابات الرئاسية.

أكثر من مبرر

في هذا السياق، يقول الصحافي والمحلل السياسي المقيم في باريس مصطفى الطوسة لــ”القدس العربي” إن “المحطة الباريسية لبومبيو شكلت الكثير من الإحراج للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير خارجيته جان إيف لودريان لأنهما يحملان إدارة دونالد ترامب مسؤولية تدهور العلاقات الأوروبية الأمريكية في السنوات الأخيرة، ومسؤولية تصاعد الأزمة بين تركيا والاتحاد الأوروبي، خاصة بين باريس وأنقرة، ومسؤولية انهيار مصداقية حلف شمال الأطلسي (الناتو) في المنطقة. لذلك كان الاستقبال مجرد برتوكول دبلوماسي، وكان هناك تعتيم واضح من الإليزيه حول هذه الزيارة”.

لقد حرص الطرف الفرنسي على عدم السماح للصحافيين بالدخول إلى قصر الإليزيه لتغطية الزيارة، ولم يتحدث لا وزير الخارجية الأمريكي ولا وزير الخارجية الفرنسي بعد لقائهما الذي استمر ساعة في قصر الإليزيه. بل إن بومبيو هو الذي سرب لاحقا من خلال حسابه الخاص على وسائل التواصل الاجتماعي صورته مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حتى يؤكد أنه حظي بلقائه. وثمة عدة أسباب تقف وراء الحرج الفرنسي في التعامل مع المحطة الباريسية في جولة بومبيو الكبرى، منها على سبيل المثال أن هذه الزيارة هي الأولى التي يقوم بها مومبيو بمفرده إلى فرنسا منذ أن تولى مهامه. فمجيئه إلى فرنسا قبلها كان ضمن الوفود المرافقة للرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، علما أن فرنسا تحتل المرتبة الأولى على المستوى الأوروبي في عدد الزيارات التي خصها بها ترامب منذ استلامه مهامه في البيت الأبيض في العشرين من كانون الثاني/يناير عام 2017. فقد زارها لأول مرة يومي الثالث عشر والرابع عشر من تموز/يوليو عام 2017 للمشاركة في الاحتفال بالعيد الوطني الفرنسي ثم يومي العاشر والحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2018 للمشاركة في إحياء الذكرى المئوية لنهاية الحرب العالمية الأولى. أما الزيارة الثالثة التي قام بها دونالد ترامب إلى فرنسا فقد حصلت في حزيران/يونيو عام 2019 للمشاركة في إحياء الذكرى الخامسة والسبعين لإنزال قوات الحلفاء على سواحل منطقة النورماندي الفرنسية لتحرير فرنسا من الاحتلال النازي. وجاء دونالد ترامب للمرة الرابعة إلى فرنسا وهو رئيس للمشاركة في قمة مجموعة الدول السبع الكبرى والتي التأمت في  مدينة بياريتز الواقعة في جنوب البلاد الغربي وذلك في اب/أغسطس عام 2019.

ما كان أيضا مدعاة للحرج بالنسبة إلى وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان والرئيس الفرنسي نفسه في سلوك مايك بومبيو أنه كان  قبل زيارته الأخيرة إلى باريس أحد صقور الدبلوماسية الأمريكية التي كانت باريس وما تزال تعترض عليها في ما يتعلق بعدة قضايا وملفات منها أساسا تلك التي تتصل بالمنهجية المتعددة الأطراف التي ظل الرئيس الفرنسي يدافع عنها لتطويق الأزمات الدولية والإقليمية وفي صدارتها ملف الاتفاق النووي الإيراني الذي كانت الولايات المتحدة الأمريكية أحد الأطراف الأساسية الموقعة عليه عام 2015 والطرف الوحيد الذي خرج منه عام 2018. وقد تسبب هذا الخروج -حسب كثير من المتخصصين في القانون الدولي- في أزمة مصداقية كبيرة بالنسبة إلى مراجع الشرعية الدولية القانونية. فمفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية كانوا يرددون قبل خروج الولايات المتحدة الأمريكية منه أن إيران كانت ملتزمة به كل الالتزام. ويبدو أن الإدارة الحالية تريد حسم بعض الملفات قبل مغادرة البيت الأبيض، أو على الأقل وضع عقبات يصعب على الإدارة الجديدة التراجع عنها، بما في ذلك مضاعفة العقوبات على إيران، كما يقول الباحث في الفلسفة السياسية المقيم في باريس رامي خليفة العلي لــ”القدس العربي” وأيضا، كان بومبيو من أهم الذين يرددون ما قاله وما يزال يقوله ترامب حول ظاهرة التغير المناخي من أنها بدعة وأن اتفاق باريس حول المناخ أمر يراد من ورائه الإساءة إلى الاقتصاد الأمريكي.

أوروبا بحاجة للولايات المتحدة

ورغم كل ذلك، فإن مايك بومبيو جاء إلى باريس في زيارته الأولى وربما الأخيرة باعتباره وزيرا للخارجية الأمريكية وهو يلح على التذكير بمعطيات كان الرئيس ووزير الخارجية الفرنسيان يرغبان إلى إسماعها بومبيو وترامب خلال السنتن الماضيتين لاسيما بعد أن اهتدى ماكرون إلى أنه أخطأ في الرهان على التوصل إلى إقناع الرئيس ترامب بالتراجع عن قراريه القاضيين بإخراج الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقي باريس والبرنامج النووي الإيراني. فقد غرد بومبيو قبل نزوله من الطائرة التي أقلته إلى باريس فقال: “أنا سعيد أن أكون في فرنسا أعرق صديق وحليف للولايات المتحدة الأمريكية” مضيفا: “شراكتنا مبنية على قيم مشتركة هي الديمقراطية والحرية ودولة القانون”.

وكانت باريس راغبة من قبل في تذكير دونالد ترامب بعراقة العلاقات الفرنسية الأمريكية. وهي تعلم اليوم أن تأكيد بومبيو على هذه الرغبة على لسانه هو مسعى قام به الوزير الأمريكي لتخفيف الحرج الفرنسي من توقيت الزيارة. والمهم أن القيادة الفرنسية استقبلت بومبيو لأنها شأنها في ذلك شأن قيادات دول الاتحاد الأوروبي الأخرى ترى مواصلة الحوار مع الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته أمار ضروريا لأن صلاحياته مستمرة إلى العشرين من كانون الثاني/ يناير المقبل ولأن أحداثا جسيمة كثيرة يمكن أن تحصل في العالم قبل ذلك ولأن مساهمة الولايات المتحدة في معالجة تبعاتها أمر ضروري.

وليس ثمة شك في أن القيادة الفرنسية، على غرار ما هو عليه الأمر بالنسبة إلى قيادات دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، تدرك أن الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن أفضل بكثير من ترامب بالنسبة إليها بشأن ضرورة استخدام العمل المتعدد الأطراف لاستئناف الحوار مثلا مع طهران وإعادة الحيوية إلى الجهود الرامية إلى الحد من الانبعاثات الحرارية والتكيف مع انعكاساتها. ولكنها تدرك في الوقت ذاته أن بايدن لن يتخلى عن الضغوط التي كان ترامب قد مارسها على دول الاتحاد الأوروبي في ما يخص ضرورة المشاركة الأوروبية في تحمل أعباء حلف شمال الأطلسي المالية علما أن هذه الضغوط أتت أكلها.

وصحيح أن دونالد ترامب نجح عبر الضغط المستمر على الصين في إطار ما يسمى “الحرب التجارية الأمريكية الصينية” في أن يكون بشكل غير مباشر محامي أوروبا في معاركها التجارية مع الصين واتضح من خلالها أنها غير قادرة على مواجهة الصين لأسباب كثيرة منها تباين مصالح دول الاتحاد الأوروبي. ولكن أوروبا تعلم أيضا أن بايدن سيطلب منها ثمنا مقابل الاستجابة إلى مطالبها الكثيرة من الولايات المتحدة ومنها أساسا الاستمرار في مطالبة الصين بالاستجابة إلى ضوابط ومعايير تلتزم بها كل الأطراف في مجال المبادلات التجارية المتعددة الأطراف والإبقاء على قوات أمريكية في مواضع حساسة منها العراق وأفغانستان ومنطقة الساحل حتى لا يشتد فيها من جديد عُود التنظيمات الإرهابية وهو حال تنظيمي “القاعدة” و”الدولة” بشكل خاص.

قُصارى القول إذن، إن زيارة بومبيو الأخيرة إلى باريس مهمة حتى وإن جاءت متأخرة ورغم أن الشق الرسمي فيها لم يتجاوز ساعتين وأنها أحرجت فرنسا، لأسباب كثيرة منها حاجة دول الاتحاد الأوروبي الماسة إلى الولايات المتحدة في كثير من المسائل الحيوية أيا يكن ساكن البيت الأبيض وأيا يكن وزراء الخارجية الأمريكية المنتهية مهامهم أو حديثو العهد بها.

اقتباس

زيارة بومبيو أحرجت فرنسا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية