تأثيراته المبكّرة
عندما تقدّم رامبو لمسابقة أكاديمية أدبية عام (1869) قال عنه مدير مدرسته بعد أن حصل على الجائزة الأولى في هذه المسابقة: ‘شيء غير عادي يعشعش، أو يتولّد في عقل هذا الفتى، عمّا قريب سيتفتّق هذا العقل عن عبقريّ الشرّ أو عن عبقريّ الخير ..!
كما تأثّر رامبو بالشّاعر الفرنسي الكبير ‘شارل بودلير’ صاحب (أزهار الشرّ) حيث كان يطلق عليه لفرط إعجابه الكبير به بـ:’ملك الشّعراء’. أمّا ‘فيكتور هوغو’ فقد كان يطلق على رامبو الصغير بعد أن تعرّف عليه وأعجب به بـ : ‘شكسبير الطفل’..!
هذا ومن مصادر تأثيراته كذلك المبكّرة بشكل خاص العلوم الغيبيّة التي علقت به، والتي كانت تشكّل بضاعة نشاطه الفكري في شرخ عمره،وريعان شبابه . فضلا عن الحياة المتقلّبة والغامضة التي عاشها، وقد غرف،وتشبّع، وتغدّى شعره بمختلف هذه التأثيرات التي ضمّنها مختلف قصائده، ورسائله، ووثائقه، وكتاباته، وإبداعاته.
وفي معرض الحديث عن التأثيرات المبكّرة التي كوّنت قريحة رامبو، وصقلت موهبته الشعرية يغفل غير قليل من الدارسين والنقاد تأثير الإيطالي ‘ دانتيه أليجيري’ عليه فضلا عن الشّعر الرومانسي والإنجليزي، مثل كولاريدج ،وبليك ،وبودلير وسواه من الشّعراء الفرنسييّن من بني طينته،وأبناء جلدته بشكل خاص.
حياة ‘رامبو’ في طفولته وشبابه لم تكن بالأمر العادي، بل إنّه عاش هذه المراحل من عمره بمرارة وقسوة، ومضض وجفاء، نظرا للصّراع العائلي الحادّ الذي ميّز حياته، حيث كان كثير الفرار من منزله ،وكانت أمّه لا تتردّد ولا تتوانى في ضربه، وإهانته، أضف إلى ذلك هجران والده لأمّه، وعدم الإكتراث بها، يضاف إلى ذلك مرحلة خروجه إلى باريس، وتعرّفه إلى الشاعر ‘فيرلين’، ثمّ أخيرا هروبه من العالم المتحضّر!.
لقد كان رامبو يتميّز بطبع فوضوي، قلق، وناقم، وكانت به طاقات معرفية هائلة، وإمكانات كبرى لتقبّل العالم . ففي خريف (1871) وصل ‘أرثور رامبو’ إلى باريس بدعوة من ‘فيرلين’ الذى فوجئ عندما وجد نفسه وجها لوجه أمام شّاعر غضّ الإهاب، طريّ العود الذي لم يكن يتجاوز سنّه 17 ربيعا، وهو يرتدي رثّ الثياب، وبالي الأسمال، ولا يبعث منظره على الرضى والاطمئنان.
لقد تنكّرت الأوساط الإبداعية، والأجواء الأدبية في باريس لرامبو ولأشعاره وأعماله، وإبداعاته. بل لقد تنكّر له فيما بعد حتى ‘فيرلين’ نفسه، ولم يجد رامبو بدّا، ولا ملاذا، ولا مهربا سوى الفرار لإنقاذ نفسه وشعره وعبقريته.
الفرار إلى المشرق
أمّا المرحلة الأخيرة من حياته فقد قضاها وهو يجوب جبال الألب مشيا على الأقدام عدّة مرّات مسافرا بين ربوع أوروبا، منضمّا تارة إلى الجيش الإسباني الكارلي، وهاربا طورا منه. وتأتي بعد ذلك مرحلة الانتقال إلى المشرق العربي (القاهرة، الإسكندرية، حيفا، اليمن..) بل إنّه وصل حتىّ الحبشة.
كان رامبو يتمتّع بقابلية غريبة، وباستعداد كبير لتعلّم اللّغات، فتعلّم عددا منها، من بينها اللغة العربية، وظلّ متنقلا بين البلدان، وقد زاول عدّة أعمال منها تهريب الأسلحة.
عندما بلغ صاحب (الغريب) الكاتب الفرنسي’ ‘ألبير كامو’ (من مواليد الجزائر) العشرين من عمره علم وفهم لماذا قرّر رامبو يوما مّا التوقّف عن الكتابة في السنّ التي عادة ما يبدأ الآخرون يكتبون، لقد فعل ذلك لسبب بسيط حسب رأيه، وهو أنّه كان قد قال كلّ شئ، لذا كثيرا ما قورنت هذه ‘البراءة الضائعة’ لدى ‘رامبو’ كذلك بحالة ‘كامو’ في مكابدته ومعاناته .
*كاتب من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم ـ بوغوتا- (كولومبيا)