إبتكار الألم: تعرية للواقع بِلُغةٍ سلسةٍ

بداية شهر أكتوبر الماضي أعلن عن القائمة القصيرة لجائزة الملتقى التي تضم خمس روايات لكتاب من جنسيات مختلفة العراق، مصر، السعودية والجزائر وقد تصدرت المجموعة القصصية المعنونة (ابتكار الألم) لمحمد جعفر القائمة. صدرت هذه المجموعة عن منشورات الاختلاف الجزائرية وضفاف اللبنانية في حجم متوسط من 104 صفحات وهي تضمنت إحدى عشر أقصوصة تناولت مواضيع اجتماعية وبسيكولوجية للمرأة والرجل على حد سواء، أتت بأحجام مختلفة وعناوين مميزة مثل الأعمى مبصرا وصاحب ظله والفحل الذي أكل قلبه.
انطلاقا من غلاف المجموعة يمكن للقارئ أن يلاحظ انه أمام عمل ليس بالهين وبأن عليه أن يحفر بعيدا داخل هذه النصوص حتى يصل إلى المعنى الذي أوحت به الصورة للوهلة الأولى. وكأننا معلقون من آلامنا كلما طال الوقت زاد الألم هذا ما توميء إليه صورة الغلاف، جسم معلق بخيوط يتلوى ألما.
هل أن الاضطرابات النفسية والمشاكل الاجتماعية هي المسؤلة عن الألم الذي يجتاح الذات الإنسانية؟ أو أن الإنسان سادي لدرجة أنه يبتكر ألما لا لشيء إلا لتعذيب تلك الذات؟
أن تشرع في قراءة مجموعة تعلم من قرار نفسك أنها لن تكون قراءة عادية، هذا جلي منذ البداية مع ابتكار الألم فالقصة الأولى «صوت» لا يمكننا أدراجها مع باقي الاقصوصات وذلك ليس فقط بسبب الموضوع الذي تناولته لكن أيضا بسبب تلك الأنا التي تطفو على سطح الحكاية. كانت البداية عبارة عن مكاشفة الكاتب لنفسه ولقدرته على الكتابة من عدمها،إذا نحن أمام حوار داخلي يجعل من الصوتِ المسموعَ الوحيدَ سواء دخلت الكتابة حيز التنفيذ أو لا.

كان نسق هذه المجموعة تصاعديا فرغم تغير الشخوص والمواضيع التي تناولتها كل قصة إلا أن الوتيرة ظلت متسارعة.

يفتتح محمد جعفر مجموعته بـ «الشك» وهو عنوان القصة الأولى أين يسرد لنا حكاية الزوجة التي عثرت بالصدفة على قصاصة ورقية صغيرة مخبأة في لباس زوجها مدون عليها رقم هاتف، بسبب هذه الورقة توالدت أفكار جعلت من الزوجة فريسة لوساوس ظلت تعذبها مستعرضة احتمالات كثيرة عن صاحب هذا الرقم أو بالأحرى صاحبته والعلاقة التي تجمعها بزوجها ثم الطريقة التي ستنتهجها لمواجهته وكشف حقيقة خيانته لها. يرجح الكاتب هذا الإحساس وتضخمه إلى الحالة الاجتماعية والنفسية للبطلة، امرأة تخلت عن كل شيء فقط من اجل إرضاء زوجها والاهتمام ببيتها، امرأة مسحوقة من قبل المجتمع من السهل جدا أن تداهمها مثل هذه الأفكار السوداوية بسبب رقم هاتف على منديل ورقي.
كما نقرا في هذه المجموعة قصتين لبطلين يجمعهما الحقل الأدبي، تحكي القصة الأولى والتي جاءت تحت عنوان «القضية»التى تذكرك بمحاكمة (كافكا) حكاية كاتب يفشل في كتابة قصة للمشاركة في مسابقة أدبية حيث أن الإلهام يهجره فتبدأ رحلة العذاب بحثا عن موضوع يشد انتباه لجنة التحكيم إلى أن اختار القضية الفلسطينية كموضوع لقصته وبذلك سيضمن تعاطف لجنة التحكيم والفوز بالجائزة. أما في «الرجل الذي أكل قلبه» الكاتب هنا في موقع قوة إذ من أجل كتابة مقدمة لديوان شاعرة شابة يقوم باستغلالها جنسيا مستمتعا بألم الانتظار الذي تعيشه الكاتبة.
من خلال هاذين النصين يعري محمد جعفر الوضع الذي آلت إليه حقيقة الجوائز العربية من استغلال للاديولوجيات والقضايا السياسية التي توجه النصوص فلم تعد معايير الأدبية مقياس اختيار العمل الفائز، إضافة إلى ذلك الاستغلال الذي يمارسه أباطرة الأدب إن صح التعبير على الطاقات الشابة الجديدة.
كان الكاتب انتقائيا في اختيار العناوين فلعبت دور المحفز لقراءة القصة فمن المؤكد أن عنوانا ك «المرأة التي سقطت من غيمة» لن يمر دون أن يجلب انتباه القارئ، في هذا النص بلغ الألم ذروته إذ صعدت عملية الانتحار الفاشلة من الإحساس بالألم الذي تعيشه بطلة الحكاية زيادة عن الزيف الاجتماعي الذي رأته من اللاتي جئن لزيارتها، فأصبح الإحساس بالألم مضاعفا ناهيك عن النفاق الاجتماعي والجهل الذي سكن فكر من حولها.
كان نسق هذه المجموعة تصاعديا فرغم تغير الشخوص والمواضيع التي تناولتها كل قصة إلا أن الوتيرة ظلت متسارعة. انطلاقا من قضايا يومية كنا نخالها بسيطة كشف لنا محمد جعفر بلغة بسيطة وسهلة بعيدا عن السرد المعقد والوصف المركب الوجه المخيف لهذا المعاش الذي تعاملنا معه ببعض السذاجة واللامبالاة أحيانا محللا بعمق موضوع الألم والحزن مقدما لنا شخصيات تتعايش معه وأخرى ترفضه.

٭ كاتبة تونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية