القاهرة ـ «القدس العربي»: موضوعان يشغلان النظام والشعب معا الأول كورونا وظهوره في مصر، صحيح أن الإصابات للمصريين الذين كانوا على متن الباخرة السياحية في الأقصر أمكن محاصرتها ونقل الأجانب إلى الحجر الصحي في النجيلة في مرسى مطروح، أقصى غرب البلاد، ووفاة أول أجنبي فيها، والاطمئنان على سلامة الإجراءات التي تتخذها الحكومة، لدرجة رفضها وقف تدفق السائحين إلى البلاد، ورفض وزير الأوقاف الدعوات لمنع صلوات الجمعة مؤقتا، كما حدث في إيران، وكما اتخذت السعودية في قرارها تعليق العمرة. ومع ذلك تزايدت المخاوف لدى الناس وهي مخاوف لوحظ امتدادها إلى النظام، الذي زاد من إجراءات الحماية والوقاية. والموضوع الثاني هو عودة القلق بشأن موقف إثيوبيا المراوغ من التوقيع على الاتفاق النهائي بشان قواعد ملء خزان سد النهضة، ما سيعرض البلاد إلى أزمة مائية خطيرة، وبالتالي تزايد احتمالات دخول مصر في حرب للدفاع عن مصالحها.
حملات توعية لحماية البلاد من فيروس «كورونا» وانعدام الثقة في ما يصدر من بيانات عن مؤسسات الدولة الرسمية
وفي ما عدا ذلك فإن الموضوعات الأخرى عن مباريات كرة القدم، واليوم العالمي للمرأة وما قدمته المرأة المصرية من تضحيات، وما قدمه النظام لها من مكاسب، واحتفال الجيش بيوم الشهيد الذي يوافق استشهاد رئيس أركان حرب الجيش الفريق عبد المنعم رياض، الذي كان يلقب بالجنرال الذهبي، أثناء مراقبته خطوط القتال على الضفة الغربية، عندما سقطت قذيفة إسرائيلية أودت بحياته، وامتلأت الصحف بقصص بطولات شهدائنا، ومن الأخبار الحزينة وفاة الزميل محمود مراد في «الأهرام»وإنا لله وإنا إليه راجعون. وإلى ما عندنا…
حتى لا نخسر المزيد
«مرة أخرى تخرج وسائل الإعلام المصرية الحكومية والخاصة خاسرة من معركة المعلومات، وتفشل في مواجهة سيل الشائعات على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن فيروس كورونا المستجد، ورغم ما قدمته وما تقدمه من أخبار ومعلومات ونصائح حول تطور المرض وانتشاره محليا وعالميا، وسبل الوقاية منه، إلا إن رسائلها، كما ترى ذلك فتحية الدخاخني في «المصري اليوم»، تصطدم بجدار الثقة، وترتد إليها بدون جدوى. وعلى المستوى الرسمي لا يختلف الحال كثيرا، فمنذ إعلان اكتشاف المرض حرصت الحكومة ووزارة الصحة على إصدار بيانات صحافية حول الفيروس، وطرق الوقاية منه، والإعلان عن الحالات التي يتم اكتشافها، بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، التي عقدت مؤتمرين صحافيين في القاهرة للحديث عن تطور انتشار فيروس كوفيد- 19. لكن هذه البيانات الرسمية والحملات الإعلامية، قوبلت بحملات مضادة ورسائل صوتية وتحذيرات ملأت الفضاء الإلكتروني، ومجموعات الدردشة، تنوعت بين التشكيك في صحة الأرقام والبيانات التي تعلنها الدولة، حتى إن كانت مدعومة بشهادة مؤسسة دولية مثل منظمة الصحة العالمية، وصولا إلى السخرية من أي محاولة تسعى من خلالها الدولة لإثبات جاهزيتها للتعامل مع الفيروس حال انتشاره، والأغرب من ذلك كله هو حالة الفرحة التي رافقت إعلان وزارة الصحة عن 12 حالة لمصريين حاملين للفيروس، ولا أفهم سر هذه السعادة بالكورونا.. هل هي رغبة في مشاركة العالم كوارثه؟ أم أننا مازلنا نعتقد أن الكورونا شوكولاته؟ أيا كانت التفسيرات، فالحقائق المؤكدة حتى الآن أن الفيروس أصاب عدة دول حول العالم، بغض النظر عن درجة تقدمها أو استعداداتها الطبية، وأنه أثر وسيؤثر على الاقتصاد والسياحة على مستوى العالم. وبعيدا عن الحقائق والتأثيرات العلمية والعالمية، فأزمة الكورونا أعادت فتح جراح، والتأكيد على رسائل تحدثنا عنها سرا وعلانية، أولاها أنه لا توجد وسيلة إعلامية مصرية خاصة كانت أو حكومية تحظى بالمصداقية لدى المواطن المصري قبل العربي، وأن كل محاولات التطوير التي نسمع عنها، أو نشاهد بعض ملامحها لم تنجح في استعادة تلك المصداقية المفقودة، والرسالة الثانية هي انعدام الثقة في ما يصدر من بيانات عن مؤسسات الدولة الرسمية، مهما بلغت دقتها، أما الرسالة الثالثة، فإنه رغم التحذيرات مما يسمى حروب الجيل الرابع، فإننا لم نستطع حتى الآن ابتكار أدوات ناجحة لمواجهتها والحد من تأثيرها. وهذه ليست المرة الأولى التي نقف فيها عاجزين عن مواجهة أزمة المعلومات، بلا أي وسيلة للتأثير في الرأي العام، ولن تكون الأخيرة بالتأكيد، لو استمر الوضع كما هو، ولم نستجب لأجراس الإنذار التي تدق مع كل أزمة، وتطالبنا باستعادة المصداقية عبر توفير المعلومات بدقة وسرعة ووضوح وبدون تحيز، وهي عملية طويلة تتطلب صبرا وجهدا، فاستعادة الثقة أصعب بكثير من خسارتها، لكن لا بد أن نبدأ حتى لا نخسر المزيد».
الوعي لا الهلع
التجارب التي قدمتها الدول في مواجهة كورونا، لا بد أن تتم دراستها جيدا والاستفادة منها بصورة تجعلنا أكثر قدرة على مواجهة المرض، وإحكام السيطرة عليه، يقول محمد أحمد طنطاوي في «اليوم السابع»، وقد كان أحد أهم أسباب زيارة وزيرة الصحة إلى الصين تبادل الخبرات والوثائق الخاصة بمواجهة المرض وأساليب العلاج وطرق العزل، ومراحل انتشار الفيروس، والبروتوكولات المتبعة للتعامل مع الحالات الحرجة، وكيف تتم مكافحة العدوى داخل المستشفيات ووسائل المواصلات العامة والشوارع. مواجهة كورونا تحتاج إلى تحرك سريع وقوي يؤمن بخطورة هذا الفيروس على الإنسانية بصورة عامة، وليس بلدا بعينه، فتقريبا معدلات الإصابة انتشرت فى أغلب دول العالم، لذلك علينا أن نكون أكثر وعيا وقدرة على التعامل مع الفيروس، ونحرص على مواجهته والقضاء عليه بصورة علمية ممنهجة، وهذا يحتاج أولا وعيا بالموقف العام للمرض، وكيف أن حالة الذعر والقلق، يمكن أن تقود إلى المزيد من النتائج الكارثية. لا يمكن في أي حال أن يكون عزل الناس في منازلهم حلا لمواجهة الفيروس، إلا إذا كانوا مصابين فعلا وظهرت عليهم الأعراض، لكن الدعوة لأن يقبع الجميع في بيوتهم وترك العمل والإنتاج والسعي والتعليم، بالطبع ليست حلا عمليا للمواجهة، يجب أن تكون أسلحتنا فى مواجهة الفيروس هي الوعي. وسائل الإعلام يجب أن تكون لديها مسؤولية اجتماعية كبيرة في كل ما يتعلق بفيروس كورونا والسيطرة عليه، ويجب ألا تقدم السبق والخبر على مصلحة المجتمع، وكرة اللهب المتوهجة الآن قد تمتد وتزيد قوتها يوما بعد الآخر، لذلك يجب أن نكون على قدر المسؤولية، ونتعامل مع الموقف باعتباره أهمية قصوى، وندعم ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، التي قطعا تبذل ما في وسعها للسيطرة على الفيروس، وتحد من انتشاره خلال الفترة المقبلة، وما أقوله يجب عدم تفسيره باعتباره توجها نحو التعتيم وإخفاء الحقائق، أو عدم تناول أي جديد عن «كورونا»، لكن يجب أن يكون كل ما يكتب فى إطار الحقائق المعلنة لا التهويل أو التهوين، إلى جانب التوعية ثم التوعية، خاصة أن المجتمع المصري مازالت نسب الأمية فيه مرتفعة جدا، وتزيد عن 25٪، بما يجعل هناك ضرورة أن تخصص كل وسيلة إعلامية جزءا من خريطة برامجها اليومية عن التوعية بفيروس كورونا المستجد، حتى تتم السيطرة عليه بصورة واضحة خلال الفترة المقبلة. جزء من رسالة التوعية التي يجب أن تهتم بها وسائل الإعلام خلال الوقت الراهن، تتمثل في التركيز على العادات السلبية المرتبطة بالعطس في الأماكن المغلقة، والسعال، والبصق في الطرقات والشوارع، واستعمال أدوات النظافة الشخصية الخاصة بالغير، فيجب أن يتم تدعيم مواجهة هذه العادات بصورة فعالة، كجزء من الحفاظ على الصحة العامة، وعلى الأسرة والمدرسة والجامعة أن تقوم بهذا الدور أولا، ثم تستكمل وسائل الإعلام برامج التوعية».
إعادة الثقة
وفي «الأخبار» أبدى حازم الحديدي إعجابه بحكومة بلاده وقال عنها: «بعد طول غياب وانتظار وصل إلى أرض الوطن فيروس كورونا، كفانا الله وكفاكم شره وشر كل من كان يؤكد انه موجود، وكأن السلطات متحفظة عليه في خزائن أسرارها لتضلل الناس وتضحك عليهم. ورغم أن كورونا شر إلا أن خير ما فيه أنه أعاد الثقة بين الناس والحكومة، ليتأكدوا أنها لا تخدعهم وأن الفيروس موجود في مخ كل من يعتقد أن أي حكومة في العالم لديها القدرة على إخفاء كورونا».
الاستعدادات والجاهزية
وزيادة في الاطمئنان نشرت «الدستور» حديثا مع محمد عبد المقصود رئيس قطاع مواجهة الأزمات والكوارث في مجلس الوزراء أجراه معه محمد إبراهيم قال فيه: «الوضع في مصر مستقر، ونحن جاهزون للتعامل مع الفيروس، ولدينا الفكر والوعي والرؤية والخطط المعدة مسبقا، التي يجري تنفيذها على الأرض بمعرفة كل مؤسسات الدولة، وليس وزارة الصحة فقط لضمان عدم تأثر الأوضاع الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو الصحية. أما عن المستوى الثاني فهو المستوي الخاص باللجنة القومية لإدارة الأزمات والكوارث، ويرأسها رئيس مركز المعلومات، ودعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة الوزراء، وممثلة فيها كل الوزارات وكل المحافظات وجميع أعضائها على تواصل مستمر مع رئيس اللجنة، لاستقبال التعليمات والتقارير، في ما يتعلق بالتعامل مع تطورات انتشار هذا الفيروس في كل مكان ويجري التواصل من خلال تقنية «الفيديو كونفرانس» وذلك على مدار الساعة».
عمل تحاليل للمسافرين
وإذا كانت الحكومة تبذل كل هذه الجهود فإنها لم تنس الاستفادة منها، بعد أن زادت أعداد الذين يأتون إلى المعامل المركزية لوزارة الصحة للفحص ففرضت رسوما عليهم وقالت «الشروق» في تحقيق لها أعدته منى زيدان وإسلام عبد المعبود: «وكانت رئيسة الإدارة المركزية للمعامل في وزارة الصحة والسكان الدكتورة نانسي الجندي، قد أعلنت أمس البدء في عمل تحاليل واستخراج شهادة الخلو من فيروس كورونا للراغبين في السفر للسعودية، وعدد من الدول العربية، وقالت الدكتورة نانسي الجندي، إن الوزارة ستوفر تحليل فيروس كورونا في مقر المعامل المركزية موضحة أن سعر التحليل 1000 جنيه للمصري و70 دولارا للأجانب».
«على الوش»
في مصر حديث عن الإصلاح، ولكنه حديث على «الوش» كما يرى ذلك عمرو الشوبكي في «المصري اليوم»، يأخذ الرتوش ولا ينفذ للجوهر، فهناك حديث دائم عن تغليظ عقوبة المخالفين للقوانين، نسمع عن ذلك في قوانين المرور والبناء وكل شيء تقريبا، ولكن ولا مرة عن تطبيق القانون أو تفعيل ما هو موجود، لأنه يتطلب جهدا حقيقيّا لمعرفة أسباب عدم تطبيق القوانين، أما تغليظ العقوبة فهو مجرد شعار، لأن مآل التغليظ مثل «قبل التغليظ»، لا تطبيق له على أرض الواقع. صحيح أن هناك بعض الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الدولة، في ما يتعلق بتحرير سعر الصرف، أو رفع الدعم لم تكن «على الوش» وكانت في المضمون والجوهر، ومع ذلك ظل المعتمد في معظم المجالات الأخرى خطوات تحرص على اللقطة والصورة، لا المضمون. الحديث اليومي عن إصلاح الإعلام لم يتجاوز كثيرا تغيير «الوشوش» والديكور والإيقاع، ولم يصل إلى الجوهر. ماذا يعني إعلام الدولة أو إعلام الخدمة العامة؟ وهل تطوير ماسبيرو يعني البحث عن جمهور القنوات الخاصة نفسه، بحوار مثلا مع محمد رمضان سعيا وراء نسب مشاهدة من الوعاء نفسه، بدون أي محاولة لتأسيس نموذج جديد يحول التلفزيون الحكومي إلى تلفزيون يقدم خدمة عامة، ويحرص على وجود نشرة مهنية عالمية قادرة على المنافسة والتأثير داخليا وخارجيا، وتطوير القنوات المتخصصة، بتقديم مواد ذات مضمون ثقافي رفيع تختلف عما يقدم في القنوات الخاصة؟ جانب آخر من صور الإصلاح «على الوش»، ما يجري على الطرق وفي نظامنا المروري، فهناك عشرات الكباري التي شيدت، وهناك طرق سريعة تتمتع «برصف حريري» غير معتاد في معظم شوارعنا، ومع ذلك تتفاقم كل يوم أزمة المرور ويسقط كل عام الآلاف من ضحايا الطرق. كيف يمكن أن تتعامل الدولة بهذا البرود مع مشاهد السرعة الجنونية والفوضى والعشوائية والسير عكس الاتجاه في الطرق السريعة، مَن يحمي الميكروباص والتوكتوك؟ ومن أعطى حصانة فوق القانون لسيارات خاصة وعامة؟ ومن أجاز الزجاج الداكن للبعض، ومنعه عن البعض الآخر؟ ومن سمح بوجود «بادج» يعلن وظيفة صاحب السيارة، رغم أن القانون يمنعه؟ المطلوب ليس كلاما على الوش يغلظ عقوبة المخالفين، ولا يطبقها في أرض الواقع، على طريقة دهان المؤسسات الحكومية، أو بناء مبانٍ شاهقة فخمة، بدون أي حرص على تطوير أدائها وتحسين تعاملها مع الجمهور. نحتاج إلى تعامل مع المضمون لا الشكل حتى نعرف أسباب التعثر، فالإعلام يحتاج قواعد منظمة لا قيودا تفرض عليه، والمرور والطرق لا تحتاج لتغليظ العقوبات إنما إلى تنفيذ القوانين الموجودة، ومؤسساتنا الحكومية تحتاج إلى إصلاح جذري ينطلق من وضعية البشر لا شكل الحجر، وهي أمور لن تتحقق إذا استمررنا في التحرك «على الوش».
كنوز مصر المستباحة
أما حسين منصور في «الوفد» فيكتب في مقاله عن: «الشارع الممتد بجوار مديرية أمن القاهرة وصولا لبوابة المتولى ـ باب زويلة ـ معروف باسم تحت الربع سابقا، وشارع الدرب الأحمر حاليا، وهو شارع يتراوح اتساعه أو عرضه ما بين أربعة أمتار وخمسة أمتار اختناقا واتساعا، وامتداده هو شارع التبانة ثم شارع باب الوزير وصولا إلى سكة المحجر، أو شارع المحجر، في تتابع مثير يحوي كنوز مصر من الآثار والثراث المملوكي في أغلبه، وهي كنوز شهيرة عالميا، وليس مصريا أو إسلاميا وحسب، فكنوز جامع المرداني إلى الجامع الأزرق إلى خاير بك الشهير بخاين بك- لخيانته طومان باي لحساب العثمانيين- ومساجد أبوحريبة جقماق الإسحاقي، المطبوع على ورقة الخمسين جنيها، ومسجد أحمد الماهمندار، وزاوية الهنود، وسبيل إبراهيم مستحفظان، وجامع أم السلطان شعبان الرائعة الأثرية، وبيت أحمد الرزاز وقبة أبوسيفين.. إلخ، من الربوع والبيوت والأسبلة، وبالطبع رمز مدينة القاهرة بوابة زويلة بمئذنتيها الشاهقتين لجامع المؤيد وجامع الصالح طلائع الفاطمي المكتمل، عندما يشاء حظك التعيس أن تسير في شارع الدرب الأحمر وصولا إلى باب الوزير، تجد نفسك تطاردك التكاتك في الاتجاهين مارة بسرعة الريح بجوارك، تكاد تطيح بالأفراد المشاة، وتحتك بهم في سرعة جنونية، فضلا عن سيارات نصف نقل ذات أطوال 4 أمتار تخترق العباب محملة بالبضائع، أضف إليها سيارات الملاكي وهي تحاور التكاتك في مناورات جنونية تفتك بالسائرين، كل هذا يدور وقد افترش الباعة الجائلون وأصحاب الدكاكين مساحات معتبرة من اتساع الشارع، فأصبح السير لأهل الدرب الأحمر، أو زائريه مغامرة بالغة المخاطر، في شارع تحول لسباق جنوني، وشارع تغمره المخلفات والمطبات والإشغالات وكل أشكال الاعتداء على الطريق العام، ولا يخفى بالطبع احتلال ربع من الربوع الأثرية، وبوابة قديمة وما تحتها في مهزلة مستمرة، عبر أكثر من ستة عقود تهدم فيها ما تهدم، واستبيح فيها ما استبيح، وتم اغتصابه من آثار ومنشآت مميزة، فضلا عما أصاب الروائع الباقية بأمراض الإهمال والتلوث البيئي، والانهيارات التي تزحف عليها جراء الاعتداء المستمر بلا رادع، الأمر بوضوح تام يحتاج إلى توجيه تنمية مستدامة للمنطقة كمبان وبشر، وتحويل المكان إلى ثروة وطنية، تحوي الصناعات الحرفية وورشها بصورة منظمة بدقة صارمة، وإلى تخطيط أماكن الانتظار والباعة بمربعات محددة، وتنظيم اتجاهات المرور وحظر دخول التكاتك في الشارع، وتحديد مواعيد ثابتة لخروج ودخول البضائع، وتطبيق كل هذا في التزام كامل وتطبيق اللوائح والقوانين على الجميع بعيدا عن الارتشاء والإصرار على تجاوز اللوائح وشراء الذمم، والأمر المدهش أن تصر الدولة على تجاهل هذا الأمر، وثروة الدرب الأحمر المحمية بالأمم المتحدة، حال كونها تراثا إنسانيا بالغ الأهمية والروعة، وحكومتنا غافلة في سلوك بائس ومستهجن، والحكومات المصرية تضم كبار المهندسين وخبراء الآثار والتاريخ، وثروتنا القومية في الدرب الأحمر ليست أمرا سريا أو خفيا، ومعالجة شأنها ليست مسألة غامضة أو معقدة، بل هي إرادة سياسية ورؤية اقتصادية وهندسية واجتماعية وسياحية. وفي كل الأحوال يبقى الحي والمحليات والتخاذل المستمر في القيام بالمهام والواجبات المعنية بهما من تنظيم وتطبيق القانون، وليس غض البصر والتسلط لأهداف شخصية ومصالح فردية، فتجاوزات الارتفاعات في البنايات السكنية تصل إلى عشرة أدوار في شوارع وأزقة داخلية، والأمر متروك لمن يملك القدرة والبلطجة، والمخلفات تحتل الحواري والشوارع والاحتلالات المختلفة مستمرة في عرض مشين للاستهانة بالقانون واحترام القوة والقهر».
حشد الرأي العام العالمي
وإلى الأزمة مع إثيوبيا بشأن قواعد ملء خزان سد النهضة وتهربها من حضور محادثات واشنطن ومراوغتها في استهلاك الوقت، حتى تضع مصر أمام واقع تضطرها فيه للقبول به، وهو ما حذر منه في «الأهرام» مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير هاني خلاف، الذي انتقد موقف مصر السابق في تمكين إثيوبيا من استهلاك الوقت وطالبها باللجوء إلى المنظمات الدولية والسلاح، إذا اقتضى الأمر وقال: «إن هناك ولاية قضائية لمحكمة العدل الدولية للبت في ما يعرض عليها من نزاعات بين الدول، في ما يتعلق بالشؤون البحرية والبيئية، ونزاعات الحدود ومشكلات السيادة على الموارد الطبيعية، وغير ذلك بشرط توافر رضا الأطراف المتنازعة بعرض قضاياها مع هذا المحفل القضائي الدولي، فهل قمنا في مصر باستطلاع إمكانية اللجوء إلى القضاء في موضوع سد النهضة، وإذا كانت إثيوبيا تمتنع عن الذهاب إلى المحكمة الدولية، خشية صدور حكم قضائي لمصلحة مصر، فلماذا لا تستخدم مصر الاختصاص الثاني للمحكمة، وذلك بطلب إصدار فتوى قانونية غير ملزمة للإفادة في تحركاتنا من أجل حشد رأي عام عالمي وإقليمي، يتفهم صحة موقفنا وعدالة طلباتنا، ومن ناحية أخرى لوحظ أن مصر لم تستثمر حتى الآن علاقاتها العربية الجيدة، وأدوارها الإيجابية داخل منظومة العمل العربي المشترك في اتجاه الضغط على الحكومة الإثيوبية وإقناعها بتعديل مواقفها المتشددة».
إحذروا هذا التكتيك
حتى لا تغرقنا إثيوبيا في «المصيدة الإسرائيلية» يحذر عماد الدين حسين في «الشروق»، الفريق المصري في مفاوضات سد النهضة قائلا، إحذروا التكتيك الإثيوبي في المفاوضات على الطريقة الإسرائيلية. هم تمكنوا حتى الآن من المماطلة والتسويف لمدة تسع سنوات، ويخططون لاستهلاك ما بقي من وقت حتى يضعونا أمام أمر واقع لا فكاك منه. لن نناقش الآن سؤال: هل كان مفروضا أن نصبر عليهم كل هذا الوقت أم لا؟ أو حتى سؤال: هل كانت في أيدينا أوراق ضغط لم نستخدمها جيدا أم لا؟ السؤال الجوهري الآن هو: كيف نتجنب كل الفخاخ الإثيوبية التي تحاول ملاعبتنا على الطريقة الإسرائيلية؟ نتذكر أنه عندما ضغط الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، على رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير وأرييل شارون للمشاركة في مفاوضات مدريد، وفاء بالوعد الذي قطعه بوش للدول العربية للمشاركة معه في تحرير الكويت من غزو صدام حسين، وقتها ذهب الإسرائيليون مضطرين إلى المفاوضات حتى لا يخاطروا بخسارة الراعي الرسمي الأمريكي، الذي كان وقتها قادرا على إجبارهم على عدم معارضة ما يخص المصالح الأمريكية العليا. أرييل شارون أطلق وقتها عبارة تفيد ما معناه: «سوف نستنزف العرب والفلسطينيين في مفاوضات عقيمة قد تستمر لمدة عشرة أعوام أو خمسة عشر عاما». الذين استمعوا لكلام شارون ومعه شامير، استغربوا، وظنوا أنهما يعيشان في عالم الخيال، ولم يكن أحد يتصور وقتها أن هناك مفاوضات يمكن أن تستمر 10 أو 15 عاما. لكن ما فعله الإسرائيليون على أرض الواقع، فاق كل أنواع الخيال، وهكذا مانزال من يومها وحتى هذه اللحظة ونحن نتحدث عن المفاوضات أو «عملية السلام». صار الأصل هو «التفاوض»، أو استمرار «العملية»، وليس الوصول إلى حل عادل أو شبه عادل. تتغير أماكن المفاوضات مثل كامب ديفيد أو «واي ريفر» أو «واي بلانتشين» أو طابا أو أوسلو أو مدريد، لكن الجوهر واحد، وهو المماطلة والتسويف وتضييع الوقت لفرض الأمر الواقع. في لعبة المفاوضات على الطريقة الإسرائيلية، وفي كل مرة يتم الاقتراب من الحل أو بوادر الحل. تظهر مشكلة في إسرائيل تنسف كل شىيء وتعيده إلى المربع صفر… إنني ألمح وأشم رغبة إثيوبية شديدة في تكرار هذا النموذج، في الأيام الأخيرة، خصوصا بعد أن هربت إثيوبيا من توقيع الاتفاق الإطاري في واشنطن بشأن سد النهضة.
سمعنا البعض يقول إن إثيوبيا لا يمكنها التوقيع على الاتفاق الآن، لأن لديها انتخابات عامة في مايو/أيار المقبل، ولديها خلافات داخلية وعرقية كثيرة، وعلى مصر الصبر حتى تمر هذه الفترة، وبعدها يتم حل كل المشكلات. إذا قالوا لنا ذلك علينا ألا نصدقهم، لأنهم يتصرفون طبقا للطريقة الإسرائيلية، وإذا صدقناهم، فقد نتفاجأ بتغيرات درامية في النخبة الحاكمة، تقول لنا نحن غير ملزمين بما تم التوصل إليه من تفاهمات أو مفاوضات سابقة، ونريد أن نبدأ من جديد. تذكروا أننا نتفاوض معهم من سنوات. حتى قبل ثورة يناير/كانون الثــــاني 2011، بشأن اتفاق عنتيبي وبعد الثورة، ومنذ لقاء عصام شـــرف مع ميليس زيناوي، جلسنا معهم وتفاوضنا مئات المرات، وفي كل مرة كنا نعود للمربع صفر، ابتسموا لنا كثيرا وأقسموا على المصاحف والأناجيل بأنهم لن يضرونا، ثم كشفوا عن وجههم الحقيقي قبل أيام. نقطة البدء الأساسية هي أنه يجب علينا الإصرار ألا نجلس إلى أي مائدة تفاوض معهم، إلا إذا قبلت إثيوبيا عدم البدء في ملء السد، إلا بعد التوصل لاتفاق نهائي، وأن تصل لأديس أبابا رسالة قاطعة، بأنها ستدفع ثمنا كبيرا إذا أصرت على طريقتها الحالية».
انعقاد اللجنة العليا لمياه النيل
واتضح أن الحكومة كلها منتبهة لهذه التطورات ولذلك نشرت الصحف المصرية ومنها «الأهرام» والأخبار» و«اليوم السابع» وغيرها الخبر التالي: «عقدت اللجنة العليا لمياه النيل اجتماعا اليوم برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، وبمشاركة وزير الموارد المائية والري وممثلي وزارات الدفاع والخارجية والموارد المائية والري والمخابرات العامة، جاء ذلك لتقييم الموقف الحالي لمفاوضات سد النهضة، على ضوء المواقف الإثيوبية غير المبررة وتغيب الجانب الإثيوبي عن اجتماع واشنطن، الذي كان محددا يومي 27 و28 فبراير/شباط 2020، وكان يتعلق بالاتفاق الذي تم إعداده بناء على جولات المفاوضات التي تمت برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، وشارك فيها البنك الدولي على مدى الأشهر الأربعة الماضية، ووفقا للبيان الرسمي الصادر عن مجلس الوزراء بشأن الاجتماع، فقد ناقشت اللجنة خطة التحرك المصري في هذا الشأن؛ لأجل تأمين المصالح المائية المصرية وحقوق مصر في مياه النيل، وأشار مجلس الوزراء إلى أن اللجنة العليا لمياه النيل ستظل في انعقاد دائم؛ لمناقشة تطورات هذا الملف واتخاذ ما يلزم حياله من إجراءات».
آفاق التعاون
ومقابل المحذرين والمتشائمين من موقف إثيوبيا هناك متفائلان أولهما في «الأخبار» وهو جلال عارف الذي قال: «ورغم كل شيء أمامنا اتفاق عادل ومتوازن، ومازال هناك بعض الوقت للتوافق، وهناك حقيقة أساسية واحدة ونرجو أن تستوعبها إثيوبيا جيدا لن يكون هناك حل إلا ما يضمن الحقوق ويحقق مصالح الأطراف الثلاثة ويفتح آفاق التعاون بينها».
بطولات زائفة
والثاني كان رئيس تحرير جريدة «روز اليوسف» أحمد باشا الذي يوقع باسم رشدي أباظة وقوله: «يبدو أن الموقف الانتخابي المعقد لأبي أحمد يدفعه لإضافة أوهام بطولات زائفة لبرنامجه الانتخابي هو يخدع الشعب الإثيوبي ويدعوه للالتفاف الانتخابي المؤقت حوله لحين تمرير الانتخابات، وهو يعلم أنه سيخضع في النهاية لقواعد القانون الدولي مرغما، كما يراهن على الزمن مع مصر فإنه يستخدم نفس الخدعة الزمنية مع الشعب الإثيوبي، أملا في السطو على إرادته الانتخابية بالتزييف، وهو على يقين أنه بعد الانتخابات سيجلس إلى طاولة التوقيع وليس التفاوض».
ثمن رفع العقوبات
ولا يزال موقف السودان يثير الشكوك في قيادته، بسبب موقفها المؤيد لإثيوبيا في قضية سد النهضة، والعمل ضد مصالح مصر بدون أن ينتبه لخطورة هذا الطريق على روابطه مع مصر والعرب، وإنه نتيجة لمقابلة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لنتنياهو في أوغندا، حيث قال سليمان جودة في «المصري اليوم»: «أربط من جانبي بين لقاء أوغندا والتحفظ في الجامعة ليس على سبيل الإيمان بنظرية المؤامرة، ولكن على سبيل الإشارة إلى أن السودان مندفع إلى تحقيق مصالحه بغير أن ينتبه إلى تداعيات اندفاعه، وبغير أن ينتبه إلى أنه يمكن جدا أن يحقق مصالحه كاملة بدون أن يتحلل من روابطه العربية مرة، أو روابطه المصرية مرة أخرى، وإذا كان لقاء أوغندا هو الثمن الذي لا بد من دفعه في مقابل رفع الاسم من لائحة الإرهاب، فأخشى أن يكون التحفظ في الجامعة هو الثمن، الذي لا بد كذلك من دفعه مقابل رفع عقوبات اقتصادية فرضتها الولايات المتحدة على الخرطوم أيام البشير، أخشى هذا وأفكر فيه أتصور أن البرهان يستطيع رفع اسم بلاده من اللائحة، بدون أن يفرط في التزام فلسطيني في عنقه لا سبيل إلى الهرب منه، ويستطيع البحث عن مصالح له مع إثيوبيا، أو مع غيرها، بدون أن يدوس فوق روابط مصرية سودانية عميقة، عاشت قبله وسوف تعيش بعده. إذا كان البرهان قد راعى حساب السياسة في لقاء أوغندا وفي التحفظ على قرار الجامعة فلقد سقط منه حساب التاريخ».
بيان وزارة الخارجية
وقد ردت وزارة الخارجية على هجوم وزارة الخارجية السودانية على انتقادها لبيانها عن تحفظ السودان على قرارات مجلس جامعة الدول العربية بدعم موقف مصر ونشرت الصحف المصرية البيان التالي: «أعرب المستشار أحمد حافظ المُتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية عن أسفه لما ورد في البيان الصادر عن وزارة الخارجية السودانية بشأن تحفظ السودان على القرار العربي حول سد النهضة. وأكد حافظ على أن مصر وافت المندوبية الدائمة للسودان لدى جامعة الدول العربية بمشروع القرار منذ أول مارس/آذار، وتلقت ما يؤكد استلام النص وقد حرصت وزارة الخارجية خلال الأيام التالية على استمرار التواصل مع الجانب السوداني لتلقي تعليقات، وهو ما لم يرد. وقال المتحدث الرسمي باسم الخارجية إن الوفد المصري قد استجاب إلى طلب السودان بحذف اسمه من مشروع القرار، إلا أن التعديلات اللاحقة التي اقترحها السودان جاءت لتفرغ النص من مضمونه والإضعاف من أثر القرار، وأضاف: «كما أن القرار الصادر عن الاجتماع الوزاري العربي لم يتضمن إلا التضامن مع حقوق مصر المائية والتأكيد على قواعد القانون الدولي والدعوة للتوقيع على الاتفاق المُعَد».
كاريكاتير
أما الرسام الموهوب عمرو سليم في «المصري اليوم» فأخبرنا أنه شاهد رجلا يقرأ في صحيفة عن أزمة سد النهضة وأمامه رجل آخر يقف على رأسه فقال: بحاول أفهم موقف السودان.