لا انتخابات بدونها
غزة-»القدس العربي»: من جديد أثبتت مدينة القدس المحتلة، ومسجدها الأقصى، أنها تمثل صلب عقدية الفلسطينيين، في نضالهم المشروع للتحرر من الاحتلال، وإقامة الدولة المستقلة، وأنهم لن يقبلوا مهما كلف الثمن، بتغيير الواقع الجغرافي الموجود في المدينة، حتى وهي خاضعة لسيطرة الاحتلال، وقد عبروا عن ذلك في الفعاليات الشعبية الغاضبة التي انفجرت في الضفة، ووصلت إلى غزة، ووصلت لحد إطلاق الصواريخ، كما أثبتت ذلك من خلال قرار تأجيل الانتخابات الفلسطينية، بسبب رفض الاحتلال شمولها المدينة المحتلة.
وإلى جانب الاعتداء الإسرائيلي ضد القدس وسكانها، من أجل تغيير الواقع السياسي، وما واجهه من تصد فلسطيني قوي لتلك الإجراءات، برزت أيضا قضية حرمان سكانها من المشاركة في الانتخابات الفلسطينية، والتي أدت إلى تأجيل الانتخابات بقرار اتخذته القيادة الفلسطينية، التي رفضت تمرير الانتخابات على حساب القدس، أحد الثوابت الوطنية، حيث رفضت إسرائيل عن طريق الرسائل المباشرة وتلك التي نقلها الوسطاء، أن تجرى الانتخابات في المدينة، وهو ما يرفضه الفلسطينيون، كونه يمهد الطريق نحو تطبيق بنود «صفقة القرن» التي تقوم على أساس أن المدينة المحتلة عاصمة موحدة للاحتلال.
وبدا الموقف السياسي الفلسطيني، المتمسك بالمدينة، ورفض تغيير طابعها ومكانتها السياسية والدينية، من خلال الموقف الفلسطيني رغم التباينات بين الفريق المؤيد لتأجيل الانتخابات، وبين الفريق المعارض، فالأول أيد التأجيل رفضا لتجاوز المدينة سياسيا، والآخر عارض التأجيل وطلب بفرض الانتخابات وانتزاع الحق في العاصمة من دون النظر لقرار الاحتلال.
وكلاهما أكد في مواقفه على أن القدس هي محور الصراع، وأن آراءهم حول الأمر، جاءت لأنهم لا يريدون أن يعطوا أي مبرر للاحتلال، لنزع المدينة من الخريطة السياسية والجغرافية الفلسطينية، وقد رفع الجميع شعار «لا انتخابات بدون القدس».
إلى ذلك فلم تكن أيام الأسبوع الماضي، عادية كباقي الأيام، فخلالها انفجر الفلسطينيون في الضفة وغزة، انتصارا للمقدسيين الذين يعانون من ويلات الاحتلال، الذي شدد من إجراءاته العسكرية، منذ مطلع شهر رمضان، والتي حرم بموجبها المقدسيين من أداء العبادات في رحاب المسجد الأقصى، ومن إقامة الفعاليات والأمسيات الدينية والثقافية في محيطه، ضمن المخطط المعد مسبقا لتهويد المدينة، وتقسيم المسجد مكانيا وزمانيا.
معركة باب العامود
معركة الفلسطينيين هذه المرة كان عنوانها «باب العامود» وهو أشهر بوابات الأقصى، وفي ساحته الواسعة اعتاد المقدسيون تنظيم أمسيات رمضانية، تؤكد على هوية المدينة الفلسطينية، وترفض بكل الأشكال هيمنة الاحتلال، ومحاولات خلقه وقائع جديدة على الأرض، من خلال أدواته التنفيذية المتمثلة في جماعات الاستيطان اليمينية المتطرفة، وكذلك بلدية الاحتلال، التي ما انقطعت عن تنفيذ عمليات هدم المباني وطرد السكان الأصليين.
ففي تلك الساحة، وضعت سلطات الاحتلال حواجز جديدة، كما نشرت قواتها بشكل كبير في محيط الأقصى، وفي الطرق المؤدية إليه، فعلاوة عن حرمان السكان بالحواجز من التواجد ليلا في ساحة العامود، أغلقت منذ بدايات الشهر الفضيل، مرات عدة بوابات الأقصى، كما قامت بقطع أسلاك مكبرات الصوت التي تصدح بالآذان وبأصوات القرآن خلال صلوات رمضان الليلية، المغرب والعشاء والتراويح، وحرمت المقدسيين الذين اعتادوا على تناول إفطارهم في رحاب المسجد، من القيام بذلك، بعد أن منعت دخول وجبات الإفطار إليهم.
كل ذلك أيضا ترافق مع حملات اعتقال وضرب مبرح، قام بها جنود الاحتلال ضد المقدسيين، منذ اليوم الأول لشهر رمضان، علاوة عن هجمات مماثلة نفذتها جماعات استيطانية متطرفة، حين دعت أنصارها للهجوم على الأحياء الفلسطينية في القدس، وترويع سكانها، فكان ذلك دافعا لسكان المدينة، لإعلان النفير العام، والانفجار في وجه الاحتلال، من خلال هبة شعبية، اندلعت في كل حواري وشوارع وأزقة وبلدات ومخيمات القدس المحتلة، في بداية الأسبوع الثاني من شهر رمضان، لتمتد هذه الهبة كالنار في الهشيم، إلى باقي المناطق الفلسطينية، حين أوصل الفلسطينيون لإسرائيل رسالة أن القدس تعتبر واحدة من أهم الثوابت التي يدافعون عنها، بما في ذلك حقهم بأن تكون عاصمتهم، مشاركة بأهلها في أي انتخابات فلسطينية مقبلة، ترشحا وانتخابا، على أن يكون ذلك الأمر بمدلولات سياسية لا رمزية.
غضب وصواريخ
ففي الضفة الغربية نزل الفلسطينيون عند مناطق التماس، في نابلس وجنين وطولكرم وفي رام الله وبيت لحم والخليل، وانخرطوا في مواجهات شعبية حامية الوطيس، وتحدوا رغم ظروف الصوم، آلة الحرب الإسرائيلية والرصاص وقنابل الغاز المسيل للدموع، وبطش جنود الاحتلال، ما أدى إلى وقوع عشرات الإصابات، فيما ذهب آخرون للتصدي لهجمات إرهابية للمستوطنين، طالت مناطق نائية، بحماية جنود الاحتلال، الذين استخدموا القوة ضد من يدافع عن نفسه من المدنيين الفلسطينيين.
وعلى غرار الضفة، انتفض السكان في قطاع غزة، الخاضع لحصار قاتل، فنزلوا إلى الشوارع والميادين العامة، وهتفوا ضد الاحتلال، وأكدوا أن القدس ستبقى العاصمة، وأن كل خياراتهم ستكون حاضرة للدفاع عن المدينة، لتنقل بشكل سريع تلك الفعاليات، إلى مناطق الحدود، حيث كانت تقام «مخيمات العودة» التي هجرتها الفعاليات الشعبية منذ أكثر من عام ونصف، فأعادتها القدس من جديد، وهناك انخرط الشبان في مواجهات شعبية مع جنود الاحتلال المتمركزين في ثكنات عسكرية محصنة، فلم يأبه المشاركون بالرصاص ولا بقنابل الغاز التي تساقطت عليهم كالمطر، وتمكنوا من الوصول إلى السياج الحدودي، وقطعوا أجزاء منه، ولوحوا بالعودة لاستخدام «الأدوات الخشنة» التي توقفت منذ أشهر، والمتمثلة في «البالونات الحارقة» التي تطلق صوب المستوطنات القريبة من الحدود، وكل ذلك كان من أجل القدس والمسجد الأقصى.
وبالتوازي مع ذلك، كانت فرق من المقاومة الفلسطينية، ترد على الاعتداء العنيف ضد المقدسيين، برشقات صاروخية تجاه المستوطنات، بددت فيها حالة الهدوء القائمة، وأربكت حسابات المستوطنين وحكومة الاحتلال، وأكدت أن كل السيناريوهات والوسائل ستكون حاضرة في معركة الدفاع عن القدس.
ولم ترتهن عملية إطلاق تلك الرشقات بوقت، حيث استمرت على مدار عدة أيام، بعد أن رفضت الفصائل صيغ التهديد الإسرائيلية، وأكدت أن الهدوء يتطلب وقف الاعتداءات على القدس، كما لم تخف تهديدات إسرائيل باستهداف غزة بشكل قاس المقاومة، وقد جرى إبلاغ ذلك للوسطاء، وقال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، إنه «لا هدوء مع الاحتلال إذا استمر بالعدوان على مدينة القدس». كما أبلغ مسؤولون في حركة فتح والسلطة، الوسطاء بأن مفتاح التهدئة والحل يكمن في القدس أولا، وأن على إسرائيل أن تغير سياستها القمعية، وإلا فإن الأمر سيذهب لمزيد من التصعيد.
وقد دفعت مجمل تلك التطورات في القدس المحتلة وفي الضفة وغزة، حكومة الاحتلال، للتراجع عن قرارات التشديد الممنهجة ضد المقدسيين، وأعطت أوامر بالتهدئة، ورفع الحواجز العسكرية في القدس، وعدم التضييق كما كان الوضع على المصلين، وهو ما اعتبره الفلسطينيون انتصارا لإرادتهم على المحتل.
وفي خضم الأحداث، أكد الرئيس محمود عباس، إن «القدس خط أحمر» وأنه لن يتم القبول بالمساس بها، كما حمل رئيس الوزراء محمد اشتية، الحكومة الإسرائيلية مسؤولية ما يجري في القدس واعتداءات المستوطنين تجاه المقدسيين، وندد بمحاولات طمس هوية المدينة، ومحاولات بسط السيطرة الإسرائيلية عليها، وقال إن «المشاهد الطالعة من هناك خلال الأيام الماضية، تثبت أن القدس كانت وما زالت عربية القلب واللسان».
تلويح بالتصعيد
وفي السباق، أكد الناطق باسم فتح أسامة القواسمي، أن المواجهة في القدس وشعابِها مع الاحتلال «لن تكون مواجهة عابرة في بحر النضال الوطني، بل هي مواجهة بين العدل والظلم، وبين الحق والباطل» مؤكدا أن حركة فتح تقف إلى جانب المقدسيين بكل ما تملك ومهما كان الثمن، وأضاف «لن نتراجع خطوة للخلف من أجل الانتصار».
وقد دعت حركة حماس سكان الضفة ومناطق الـ 48 إلى شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك، وأداء الصلوات أمام الحواجز العسكرية التي تحول دون وصولهم إلى مدينة القدس، كما دعت بسبب الأحداث للإسراع في تشكيل لجان الحراسة الليلية في الأماكن الفلسطينية كافة، وللحذر من غدر المستوطنين، وشددت على ضرورة مواصلة حالة الإرباك الليلي في الأحياء الصهيونية والمناطق القريبة من المستوطنات والشوارع المؤدية إليها، «حتى يدفع المعتدون الثمن غالياً جراء عدوانهم» كما دعت المقاومة في غزة لأن «تُبقي أصبعها على الزناد، وأن تهيئ صواريخها لتكون على أهبة الاستعداد في استهداف معاقل العدو ومنشآته العسكرية والحيوية».
وقال رئيس المكتب السياسي لحماس، إسماعيل هنية، إن «القدس ليست وحدها في هذه المواجهة، وأن غزة حاضرة بمقاومتها الباسلة لحماية أهلنا في القدس المحتلة» مشددا على أنه لن يكون هناك هدوء إذا استمر الاحتلال بهذه السياسة في القدس.
أما حركة الجهاد الإسلامي فقد أكدت، أن المقاومة في غزة سترد على أي اعتداء بالمثل وستحمي الشعب الفلسطيني «ولن تسمح للعدو بتجاوز قواعد الاشتباك مطلقًا» وأكدت أن وحدة وتلاحم الشعب الفلسطيني «ستكسر شوكة العدو وتفشل مخططاته العدوانية» مشددة على أن «المسجد الأقصى خط أحمر». وفي دلالة على إطلاق الصواريخ من غزة نصرة للقدس قال القيادي في الجهاد أحمد المدلل «ان الرسالة من قطاع غزة قد وصلت، بأن غزة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الاعتداءات المستمرة في القدس المحتلة».
كما دعت لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية في قطاع غزة، إلى تصعيد «هبة القدس» وتشكيل قيادة موحدة للمقاومة الشعبية، وقالت في بيان لها «إننا مطالبون اليوم وأكثر من أي وقت مضى للعمل الموحد في مواجهة الاحتلال، وهذا يتطلب منا جميعاً أن نعمل جاهدين لإطلاق القيادة الموحدة» مشددة على أن الوقت الآن للمعركة مع الاحتلال وضد سياساته، وطالبت اللجنة، الأمتين العربية والإسلامية وقوى الحرية والسلام كافة وأحرار العالم بالتعبير عن رفضهم للاحتلال وسياساته، ودعت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لتوفير الحماية للشعب الفلسطيني، ومعاقبة مجرمي الحرب الاسرائيليين جيشاً وحكومة.
وقالت وزارة الخارجية والمغتربين، إن المقدسيين أعادوا رمزية باب العامود في المكان والتاريخ والجغرافيا والسياسة، وحققوا انتصارا آخر في معركة المواجهة المستمرة من أجل القدس، لافتة إلى أن حراكهم انسجم مع موقف القيادة الفلسطينية، وهو جزء لا يتجزأ من معركتها لتثبيت الهوية الوطنية الفلسطينية العربية للمدينة المقدسة، وقالت في بيان لها «لم تخفهم الاعتقالات ولا الضرب ولا التهديدات بالموت، بقدر ما شعروا بنشوة انتصاراتهم».
وقالت حركة فتح إن تراجع قوات الاحتلال أمام صمود وثبات الفلسطينيين «دليل آخر بأن الحق سينتصر على الباطل المتمثل بدولة الاحتلال ومستوطنيها» من جهتها قالت حركة الجهاد الإسلامي، إن المقدسيين حققوا إنجازاً في مواجهة الاحتلال الغاصب بعد أن أجبرته انتفاضتهم على إزالة الحواجز من منطقة باب العامود، وأضافت «هذا التراجع الصهيوني ما كان ليتم لولا إرادة الصمود والمواجهة وإصرار الشباب المقدسي على تحدي القرارات العسكرية والتصدي لها».