إحياء درس التاريخ: من التلقين إلى التفاعل

تاريخ كل أمة خط متصل، وقد يصعد الخط ويهبط، وقد يدور حول نفسه أو ينحني ولكنه لا ينقطع. (محمد حسنين هيكل)
لا غرو أن التاريخ، ذاكرة حية للشعوب، بحيث يتقصى ويسجل المنتوج الإنساني على المستويين الفكري والجمالي، عبر المراحل والفترات المتقاطعة أو المتواصلة. البعد التاريخي، يستحضر في العملية التعليمية والتعلمية، لتمرير الموروث المستخلص من الماضي، حتى يتمثله المتلقي في فهم ومقاربة الواقع، فهذا الإرث بشقيه المادي واللامادي جسر تواصل ومعرفة، لكي نستشرف المستقبل لا بد من استقراء الماضي وغربلته، مع البحث والتنقيب عن كل ما هو مفيد ومغذٍ لتجارب الإنسانية.
إدراك التاريخ يسعفنا في تمثل الهويات الوطنية والثقافية لدى الأفراد والجماعات، لأن الأمة من دون تاريخ، لا ذاكرة لها ولا قيمة لحضورها بين الأمم والشعوب، بل كيف يسعى المرء لأن يكون له حاضر ومستقبل منشود، من دون أن يقف على أرضية صلبة لماضيه بإرهاصاته المختلفة والمتباينة، التاريخ إذن، يستبطن قصة الإنسان على الأرض بسرديات ميثولوجية وأسطورية ودينية وواقعية حرفية أو متخيلة، رحلة الإنسان مترابطة ومتشابكة في سائر المجالات المعيشية والحرفية والفلاحية والتجارية والحضارية بصفة عامة، فالتاريخ يحوي كل الأشياء التي حدثت في الماضي، فتروى بسرديات مختلفة المقاصد والتوجهات.
هل يا ترى يتعلم المرء من أخطاء حصلت في الماضي؟ بيد أن الصراعات والحروب تتناسل وتتراكم، كما لو أن المرء ينفض يديه من التاريخ، ولا يستفيد منه أبدا، ويعيد مرات ومرات اجتراح الأخطاء نفسها. ما أمس الحاجة لمراجعة التاريخ واستقرائه، وكيف نمتلك المعرفة والوعي الكاملين، من أجل توظيف التاريخ على الوجه الصحيح. دراسة التاريخ تجعل المتتبع والمتلقي أكثر وعيا وقربا من ثقافته وهويته وأنسيته، ليعمل على تعزيز التسامح والاحترام المتوخى من شعوب الأرض. قال تعالى «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير» (الحجرات 13). الملاحظة الرئيسية التي يمكن تسجيلها، تتجلى في تدريس مادة التاريخ بطرق تلقينية جافة ومنفرة، وبرتابة غير محفزة، ويبقى تراكم المعطيات الوفيرة في دائرة بنى وشيد وعاش سنة كذا، وتوفي سنة كذا، كما لو أن التاريخ مجرد سجل موتى، ليس إلا! في حين أن الوصول إلى مقاربة الدرس التاريخي من الأجدى أن تخضع لمدارج بيداغوجية وديداكتيكية مستندة إلى التكنولوجيا وصيغها الرقمية، لكي يحصل التمكن من الوصول إلى معلومات تاريخية وتنظيمها وتحليلها بشكل أكثر دقة وفاعلية، وقد تطاوعنا التكنولوجيا -ولاريب ـ لتداول المصادر التاريخية وقواعد البيانات والأرشيف، التي تتيح للباحث سهولة الوقوف على كثير من الجوانب المبحوث عنها، كما يمكن تجسيد هذه المعلومات والمعطيات بالتسريد القصصي أو الروائي وبواسطة المشهدية المسرحية والتوليفة السينمائية، وكذا توظيف الألعاب الإلكترونية الترفيهية، فالاشتغال على الفنون والتقنيات الرقمية بات أساسيا في تقديم مادة التاريخ وغيرها من المواد، ويكون لذلك أثر إيجابي في فهم وتذوق الدرس التاريخي بجاذبية ومتعة.
فما ندرسه منذ نعومة أظفارنا في المقررات التاريخية يتناول أحداثا وطنية على درجة كبيرة من الأهمية، ولكن تبقى في حدود استعراضية سطحية ولا يراد بها تأسيس معرفة تاريخية تشد الطالب المتلقي لقضايا وطنه ولعمق ارتباطاته التاريخية، فالكثير من زخم المعطيات ووفرة الأسماء والشخصيات قد لا يكون لها أي جدوى، ما خلا وجودها الشكلي والنمطي. فالاعتماد على الآليات والتقنيات الفنية والتكنولوجية يجعل المادة التاريخية ممتعة وجذابة تحفز المتلقي على الإقبال على المادة بمتعة وشغف زائدين. معرفة التاريخ تساعدنا على القرب والتماهي مع هويتنا، فالتاريخ ـ بصورة عامة ـ شريط ممتد، والأمم بشكل أو بآخر مرتبطة بالتاريخ، والرجوع للماضي ضروري لمعرفة الجذور من جهة ولبناء تصورات ومقاربات حول المستقبل. التاريخ يمدنا بنماذج إيجابية لمفكرين وكتاب وشعراء وفنانين وقادة وأبطال ومبدعين وفلاسفة وحكماء، هؤلاء أضافوا وأناروا السبل بعطاءاتهم الثرة، وقد قال عبد الرحمن بن خلدون مؤسس علم الاجتماع، «إن فن التاريخ الذي تتداوله الأمم والأجيال، هو في ظاهره لا يزيد على أخبار من الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، علم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، جدير بأن يعد في علومها خليق».
لكي نستشرف الآتي لا بد من دراسة ما فات: الانكباب على التاريخ وسبر حكمه والغوص في قضاياه، تدلك على أبعاده الثلاثة: الزمان والمكان والحدث، فالوقائع والمجريات التاريخية في تحول دائم، حسب أهواء السياسة والاقتصاد، وأحيانا أخرى حسب الكوارث الطبيعية وأهوال الحروب وغلبة القوي على الضعيف! تؤدي المعرفة العميقة بالأحداث التاريخية إلى إدراك المسببات التي تسرع في أفول حضارات وسطوع أخرى، ولعل أهم عوامل الانحدار الحضاري هو التخلي عن جوهر المبادئ والقيم المؤسسة لتلك الحضارات، ما يعجل في تقلصها أو زوالها تماما من سجلات التاريخ. أهمية دراسة التاريخ تتمثل في تعزيز الهوية الوطنية والثقافية من خلال معرفة بناء وكيفية تطور القيم والعادات بمرور الحقب والعصور والتمسك والحفاظ على الذات الجماعية، من خلال المحافظة على التراث، فقيمة الأمة تعرف من قيمة تاريخها وخصوبته.
التاريخ مادة متحركة وليست جامدة، كما يتخيل البعض، ولكن تلمس الوسائط الحديثة والمقاربات الفنية والجمالية، يحبب المادة عند المتعلم وذلك، بركوب المتخيل وما هو مسطر من قصص تاريخية وروايات، وقراءتها بإثارة وتشويق، بالإضافة إلى ذلك عرض مقاطع فيديو وعرض أفلام، وعلى الأستاذ الموجه أن يكون قد شاهد الفيديوهات والأفلام سلفا، ويركز أكثر فأكثر على الأهداف والأغراض المطلوبة، التمثيل والتشخيص المسرحي يلعب دورا كبيرا في تقريب المادة التاريخية وإشباعها بالنشاط والحيوية. وللرحلات الميدانية لمواقع الآثار والزيارات للمواقع التاريخية محفزات كبرى لتقريب المادة التاريخية وجعلها أكثر خصوبة وعطاء. الإبدلات الجديدة تجعل من مادة التاريخ مادة جذابة ومغرية وتفتح شهية التلميذ المتلقي على معرفة تاريخه وهويته، وهذا متروك للبحث العلمي التربوي المتساوق مع الذكاء الصناعي وما تقدمه التكنولوجيا المتقدمة من إمكانيات هائلة تحقق الأغراض المطلوبة.
في النهاية يبقى التاريخ أمهر وأبرع معلم عبر الزمن، لمن يحسن الإنصات لتحولات الزمن، فمن يعتبر من دروس التاريخ يتلافى الكثير من الأخطاء القاتلة، وعلينا أن نكون سباقين ومبادرين ومجتهدين لا مجرد مستهلكين مجترين، ومن لا يهتم بتاريخه لا يهتم بهويته، وما ينفك أن يكون مجرد مقلد، لما صنع غيره وإلى متى نردد مقولة عبد الرحمن بن خلدون التي تصف المنهزم بالسلبية والدونية «ما دام المغلوب مولوع باتباع الغالب»
العالم يتغير بإيقاعات سريعة وعميقة، وهل يا ترى نكتب التاريخ أم نبقى خارجه!

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية