إخفاقات كيري المتكررة

حجم الخط
0

وجد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أن يقوم بزيارة للمنطقة ومحاولة جلب الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى طاولة المفاوضات، في الوقت الذي يثور فيه الشعب المصري ضدّ النظام القائم ويطالب باستقالة الرئيس محمد مرسي، وفي نفس الوقت يتهم الشعب المصري حكومته ورئيس جمهوريته بتقديم الخدمات للأمريكيين.
ففي هذه الحالة، يستطيع كل من كيري ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، استغلال الوضع، بحيث يضعان ضغطا نفسانيا على الجانب الفلسطيني، مؤكدا بصورة غير مباشرة أن مصر لن تتخذ موقفا لا ترضى عنه الولايات المتحدة، التي تنسق خطواتها بالنسبة للحل مع إسرائيل. ومن ناحية أخرى يرى رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أن الأمور تسير في اتجاه مصالح إسرائيل، ولذا فإنه ليس على عجل في اتخاذ أية قرارات قد تؤثر على شعبيته. وبالتالي فإن موقف نظام الإخوان في مصر بخير طالما أنه يرضي السياسة الأمريكية ـ الإسرائيلية.
ولكن الذي فات السيد كيري هو النظر الى مجريات الأحداث في المنطقة ككل، حيث نرى تساقط السياسة الأمريكية فيها، من دون تحقيق أي من أهدافها الأساسية، بما في ذلك ما خططته لمصر. ويظهر ذلك جليا في التناقضات الصادرة عن مسؤولين كبار في إدارة الرئيس باراك أوباما. وأكبر فشل واجهته هذه السياسة كان فشل العقوبات التي فرضت على إيران، وفشل في إسقاط النظام في سورية وحرب طائفية في لبنان ودعم النظام في تركيا، وغيرها من التحركات الأمريكية ـ الإسرائيلية، وهذا الفشل ساعد في فشل مهمة كيري الخامسة في المنطقة، منذ توليه منصب وزير الخارجية في شهر شباط/ فبراير2013.
وعندما وصل السيد كيري إلى المنطقة في رحلته الأخيرة، أطلق تصريحا مفاده أنه يجب على الأطراف ‘اتخاذ القرارات الصعبة’، من أجل الوصول إلى حالة سلام. وجاء الرد الإسرائيلي سريعا، حيث أصدر مكتب رئيس الوزراء بيانا يقول انه قد تقرر بناء 68 وحدة سكنية على الأراضي المحتلة. وخيم الصمت على السيد كيري. فبالنسبة لنتنياهو فإن قراره هذا يصب في عداد القرارات الصعبة، إنه تحد ليس للفلسطينيين فحسب، بل تحد سافر للولايات المتحدة ولرئيسها باراك أوباماوباما ، والرأي العام العالمي، ربما قرار صعب لنتنياهو ولكنه لا يؤدي إلى سلام أو حل بين الطرفين، بل يؤدي إلى مزيد من الكراهية والحقد ومن ثم الحروب.
ويعرف الوزير الأمريكي أن البناء الاستعماري على الأراضي الفلسطينية هو حجر العثرة الحقيقي لأي تقدم في مباحثات السلام بين الطرفين، وأن الفلسطينيين اتخذوا القرار، وهو ان إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين ووقف البناء الاستعماري هما الأساس لتجديد المباحثات، على الرغم من أن معظم دول العالم تعارض بناء المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية، وتعتبرها غير شرعية، حيث يبلغ عدد هذه المستعمرات حوالي 120 مستعمرة.
فعندما يصرح كيري بأنه يجب على الطرفين أن يتخذا القرارات الصعبة من أجل السلام، يطرح السؤال البديهي نفسه: هل يريد كيري من كل طرف أن يتخذ القرارات الصعبة بنفسه، أي أن يتنازل الفلسطينيون عن مطالبهم القومية، وتتنازل إسرائيل عن استمرارها في البناء على الأراضي الفلسطينية؟ وتصدر الإدارة الأمريكية التصريح وراء الآخر حول عملية بناء المستعمرات اليهودية، ولكن بدون اتخاذ تحركات عملية، وقد كان آخرها (حتى كتابة هذه السطور) بيان البيت الأبيض يوم 30 /6/2013، الذي جاء فيه أن ‘أعمال البناء التي تقوم بها إسرائيل وراء الخط الأخضر تعرقل عملية السلام وتقوض الجهود التي تُبذل من أجل تحريكها من جديد’.
لقد برهن تاريخ إسرائيل منذ قيامها على أنها تضرب عرض الحائط بكل، ليس فقط ما تطلبه أمريكا، بل ما تقره الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، وتنجح عادة بتحقيق مبتغاها. فالقرارات الصعبة يجب أن تواكبها قوة تجبر الأطراف على تنفيذها أو مساعدتها على تنفيذها، فهل في استطاعة كيري القيام بهذه المهمة؟
وعندما يسرب وزير الخارجية كيري خبرا يقول انه يحمل في جعبته مشروعا جديدا لكسر الجمود القائم بين الطرفين، تكشف صحيفة ‘واشنطن بوست’ (1/7/2013) عن لب هذا المشروع الذي يتلخص في أن ‘الولايات المتحدة تدفع في اتجاه تركيز على أمن إسرائيل’. فهل الترتيبات الأمنية هذه ستعطي الفلسطينيين تحت الاحتلال حصة تحفظ أمنهم؟ وأمن إسرائيل يعني، بمفهومه العريض ضمان أمن المستعمرات اليهودية غير الشرعية التي أقيمت على الأراضي التي احتلت في عام 1967؟ هذا المشروع الذي في جعبة كيري هدفه نشر غبار لتعطيل السلام وليس العكس.
لقد استطاعت السياسة الأمريكية في المنطقة إدخال معظم القادة العرب في غيبوبة، والفصل بين مطالب شعوبها والسلطة الحاكمة، وتسييرها حسب مصالح ومتطلبات القوة الموجهة. هكذا بقي مبارك في الحكم أربعين سنة وزين العابدين بن علي والقذافي وغيرهم. ومن ناحية أخرى فتحت الدول الغربية، وفي مقدمتها أمريكا خطا مباشرا مع الإخوان المسلمين لتهيئتهم لاستلام السلطة في عدد من الدول العربية. ولكن الأمور لا تسير كما يهوى الغرب، فسقط القناع عن وجه الإخوان الحقيقي، وها هي أكبر دولة عربية تسير نحو حرب أهلية تخدم الغرب وإسرائيل.

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية