من بين رثاءات كثيرة للأديب الراحل وليد إخلاصي كان لافتاً رثاء شاعر سوري معارض: «معلمي، ومرشدي، وأبي الروحي، مضى اليوم في رحلته النهائية. في عام 1978 مدّ لي وليد إخلاصي يداً بيضاء واسعة، ولم يسحبها أبداً. الوداع أيها المعلم، حلب تبكيك».
ومن بين الفيديوهات المستعادة للمناسبة، جاء لافتاً، وإن كان غير مفاجئ، حوار لـ «الإخبارية السورية» قال فيه إخلاصي: «لم يحدث في حياتي ما يعادل وسام الاستحقاق الذي مُنحنا من قبل الرئيس، ليس لأنه رئيس فقط، إنما هو إنسان حقيقي، وسوري حقيقي، من أسفل القدم إلى أعلى الرأس. هذا الرجل المهم، الرئيس، لم أَكُنْ أكِنُّ له فقط الاحترام، بل أحمل له محبة لا حدود لها».
الكاتب السوري تحدث عن عودته للكتابة، بعد توقف أثناء سنوات الحرب، مع رواية تحمل اسم «مول الشرق الأوسط» قال هي «رواية أكتبها وتتحدث عن المول المحدث ما بين حلب وحدود تركيا، والذي ساهمت فيه السعودية وقطر، وساهمت فيه خيانات سورية».
إخلاصي ليس لافوازيه، أبو الكيمياء الفرنسي، الذي قصلته الثورة الفرنسية، ككثيرين سواه أكلتهم المقصلة من دون أي تقدير لجهود علمية أو منجزات. لا هو أبو كيمياء ولا فيزياء لنقول إن منجزاته باقية رغماً عنا، أياً كان موقفه.
وختم «لا أستطيع أن أنسى محبة الرئيس بشار الأسد لهذه المدينة. على الأقل أقول إن رجلاً كبيراً أشاركه في محبتي لهذا الوطن ولسوريا».
ما يدعو للرثاء في مرثية الشاعر السوري لمواطنه الحلبيّ، كما في مراثي المعارضين الكثيرة والمفاجئة، أن الرجل إما لا يعرف معلمه، ومرشده، وأباه الروحي حق المعرفة، أو أنه يعرف، من دون أن يكون لتلك المعرفة أي مفاعيل.
إخلاصي ليس لافوازيه، أبو الكيمياء الفرنسي، الذي قصلته الثورة الفرنسية، ككثيرين سواه أكلتهم المقصلة من دون أي تقدير لجهود علمية أو منجزات. لا هو أبو كيمياء ولا فيزياء لنقول إن منجزاته باقية رغماً عنا، أياً كان موقفه، بل حتى في مجال الأدب لا يبدو أن الراثين له يحفظون له جملة مفيدة، ومن عجب أن غليونه تلقى المدائح أكثر من أيّ من أعماله الأدبية.
«يده البيضاء الواسعة» تمجدّ بشار الأسد من أسفل قدمه حتى الرأس. الرأس نفسه الذي يستمر باعتقال ثلاثة، على الأقل، من أقرب المقربين إليك، من دون أي خبر عنهم منذ عشر سنوات.
أخي الشاعر، لربما وجب الانتباه، فقد يحشر المرء مع من أحبّ يوم القيامة.
مفاجئ تماماً أن يظهرمعتز «باب الحارة» في حارة غير حارته ، بل في الحارة الأبعد تماماً: بريطانيا. المفاجأة ليست في ارتباط صاحب الدور في مخيلتنا بالحارة الشامية، فالمشاهد من النضج بحيث يعرف أن الحكاية تمثيل بتمثيل.
كل يوم تقريباً هناك فيديو لمعتز (الممثل وائل شرف) فارغ تماماً، من دون أي معنى، والأهم أن محور هذه الفيديوهات شخص الممثل وجولاته المكوكية بين رفوف السلع الغذائية، غالباً ما يمرّ عليها سلعة سلعة، في صورة مخصصة كأنما لأهل الشام.
يصرّ معتز «باب الحارة» على الظهور شبه اليومي ملوحاً لجمهور المحرومين بصور السلع وماكينات القهوة الفاخرة وأعياد الميلاد ونار الشيمينيه المشتهاة وأضواء المدن وخضرتها.
للشاب كل الحق في أن يعرض على صفحته وقناته ما يريد، من نحن لنحاسبه، وقبل ذلك من هو لنعتب عليه، إنه ممثل في دراما محلية وحسب، فيها ألف مصيبة ومصيبة، ومع ذلك لولا شهرة ذلك المسلسل (التي يمكن أن نحيلها هي الأخرى لألف سبب وسبب غير الجودة) لما سمع به أحد.
الشيء الوحيد المستفز في فيديوهات معتز هو أن من المستحيل معها نسيان ذلك الفيديو الذي ظهر فيها مروجاً لانتخابات بشار الأسد، ابتسامته الفخورة حينذاك وهو يقول «أنا نازل إنتخب» لا تنسى. في كل ظهور جديد له مع السلع البريطانية الفاخرة يتساءل المرء لماذا يورط الناس بانتخاب مجرم يعدّ على الناس أنفاسهم ثم يتسلل بعيداً عن المكان، ولا يكتفي بالتسلل والتخفي، بل يصرّ على الظهور شبه اليومي ملوحاً لجمهور المنتخبين بصور السلع وماكينات القهوة الفاخرة وأعياد الميلاد ونار الشيمينيه المشتهاة وأضواء المدن وخضرتها.
يوتيوبر سوري يحمل الجنسية البريطانية يعود إلى دمشق ويظهر في فيديو حاملاً رزماً من الأوراق النقدية يوزعها على محتاجين في الشوارع، غالباً بعد أدعية وتوسلات ومحاولات تقبيل البعض ليد أو رجل السيد يوتيوبر، وهو بدوره سيتصنّع التواضع، مستغفراً الله أن يترك المحتاج يقبل يده.
هل يتقصد نظام «أنا سوري آه يا نيالي» أن يهين الناس ويذلهم إلى هذا الحدّ؟ هل الإذلال ممنهج فعلاً؟! ماذا يريد نظام بشار الأسد أن يفعل أكثر؟!
يأتي اليوتوبر السوري بملابس خليجية تقليدية، مع حراس شخصيين وسيارة فارهة (صورة نمطية لوضعية ليست يد النظام بريئة منها) وبالعودة إلى فيديوهات سابقة في أوروبا ستجد أنه يتصرف على هذا النحو كما لو يكمل مشروعه مع الكاميرا الخفية، مع تبديل لغرض الضحك إلى الإشفاق أو بكاء المشاهد على حال الناس. هو نفسه بدا مبهوراً بتجمهر الناس من حوله إلى هذا الحدّ، واضح أن هذه «مكرمات» فرق العملة، وواضح أن النظام الذي لا تخفى عنه خافية، تركَ لكاميرا الإذلال المجال كلّه للتصوير وحرية التحرك، تركَ للشاب الصفيق أن يفعل ما يريد، هل يتقصد نظام «أنا سوري آه يا نيالي» أن يهين الناس ويذلهم إلى هذا الحدّ؟ هل الإذلال ممنهج فعلاً؟!
ماذا يريد نظام بشار الأسد أن يفعل أكثر؟!
٭ كاتب فلسطيني سوري