إدلب وحماة من مناطق خفض تصعيد إلى ساحة حرب

حسام محمد
حجم الخط
0

لم يتوقف النظام السوري وحليفاه الروسي والإيراني عن استهداف مواقع المعارضة السورية والأحياء السكنية وأسواق وسط وشمال سوريا منذ دخولها اتفاق خفض التصعيد وخلال جولاتها التفاوضية، فيما يبدو أن حرمان المنطقة من الاستقرار العسكري كان أبرز أهداف الدول المساندة للأسد.
ففي الحملة الأخيرة نجح جيش النظام السوري والميليشيات الإيرانية بغطاء جوي روسي في قضم مدن وبلدات في أرياف حماة وإدلب، الحدث الذي رأى فيه مراقبون للشأن السوري بوادر خلافات حادة بين الأطراف الضامنة لمسار أستانة، وعودة للحل العسكري ضمن المساعي الروسية لتحجيم آخر مناطق خفض التصعيد على غرار ما فعلت من قبل في بقية المناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة السورية.
التقدم العسكري على الأرض للنظام وحلفاؤه، انعكس بانتقاد محلي سوري على الصمت التركي وعدم تحرك نقاط مراقبة جبشها لإيقاف الهجمات، فيما رأى مركز «عمران للدراسات الاستراتيجية» أن تركيا رفعت «الفيتو» عن المعركة، معتبراً وجود تغير في أولويات أنقرة بعد التقارب مع واشنطن حول المنطقة الآمنة، باتجاه تأمين الشريط الحدودي مع سوريا بدون الحاجة للتوغل في العمق.
لا يشير الصمت التركي عن التصعيد العسكري الأخير لروسيا والنظام وفق مركز الدراسات إلى وجود صفقة مقايضة (منطقة مقابل منطقة) بقدر ما يشير إلى رفع الفيتو التركي (غض طرف) عن عمل عسكري روسي يحقق ما لم تنجزه أنقرة على عدة مستويات، أما المعارضة التي لا تزال تخوض معارك لصد الهجمات، فقد بدت التطورات بأنها ليست جزءاً من التفاهم التركي الروسي، فيما يبدو موقف هيئة «تحرير الشام» القوة الأكبر غامضاً حتى الساعة.
المعارضة السياسية السورية، وموقفها من الحملة العسكرية على ريفي إدلب وحماة بقيادة روسية، جسده المتحدث الرسمي باسم هيئة التفاوض بالقول: «الحل العسكري هو منهجية أساسية لروسيا والنظام السوري، وحتى المناكفات السياسية تنفذها موسكو بأدوات عسكرية، رغبة منها في تطويل أمد الأزمة، لتحقيق أهدافهم الأوسع من سوريا والتي تحمل طابعا خلافيا مع المجتمع الدولي».
علاوة على مساعي روسيا لتقديم أوراق الاعتماد للغرب بشقيه الأوروبي والأمريكي، وحتى أن السياسة الروسية استخدمت الممر الإسرائيلي لكسب الاعتماد المطلوب.

استغلال الوقت والتوقيت

وقال د. يحيى العريضي: المنهجية العسكرية للروس اليوم هدفها كسب آخر جرعة قوة ميدانية ميليشياوية على الأرض لقضم المزيد من الجغرافية السورية عبر الميليشيات الإيرانية التي تعتقد بإزاحتها من سوريا مستقبلاً، وهو غير كاره لزوالها كونها تحولت إلى منافس لمصالحه في المنطقة.
أما بشار الأسد الذي يعاني أزمات معيشية واقتصادية علاوة على الأخلاقية، فلا يوجد أمامه سوى الاستمرار بالتوتر والحل العسكري، محاولا رد الاعتبار بعد قرار ترامب بضم الجولان السوري لإسرائيل، وقانون سيزر، والعقوبات، فيسلك الخط العسكري للتهرب من الحالة المزرية التي آلت إليها مناطقه، ضارباً بعرض الحائط أي قيمة إنسانية أو أي احترام لسوريا وإنسانها وأرضها وقيمها، متخذا منحى وسلوك العصابات.
وقال المسؤول المعارض لـ «القدس العربي»: أما على صعيد الأطراف الضامنة لاتفاق أستانة، فكل دولة منها ترمي اللوم على الآخر، وخاصة في اتفاق سوتشي وما سبقه من منطقة منزوعة الأسلحة الثقيلة، وما يسمى «إنهاء مسألة الإرهاب» وهنا المقصود حالة «جبهة النصرة» إذ ترى موسكو عدم تلبية أنقرة لهذا الملف، ولكن طبيعة هذا الكلام جائر وكذب، وكلما صرح لافروف أكثر يكذب أكثر.

البدعة الروسية

كما اتهم المسؤول المعارض، روسيا بعرقلة ولادة اللجنة الدستورية، وهم من اخترعوا هذه «البدعة» رغم وجودها بالقرار الدولي، فهم يرمون من ذلك لمحاولة إجهاض القرار الدولي المتوافق عليه في 2254 والقرارات السابقة له، من خلال اجتزاء مضمونه الحقيقي، ومن هنا قاموا بوقف إطلاق النار المتفق عليه بشكل أساسي في القرار الدولي، ومن ثم تحويلها إلى أستانة وبعد ذلك دهسوها دون أي مراعاة لها.
وما يجري اليوم في إدلب، يكن اعتباره مزيجاً بين عدة مسائل اقتصادية والضغط وإعادة تأهيل الأسد، ولكن المفارقة العجيبة في السياسة الروسية، أن موسكو تدعو السوريين للعودة، وفي ذات الوقت تقوم طائراتها بتهجير عشرات آلاف المدنيين منهم في الشمال السوري اليوم.

أكبر من جغرافيا

العريضي اعتبر أن المسألة اليوم ليست قضية جغرافية، فالنظام كانت في يده كل سوريا، ولم تكن سوريا للسوريين، بل كانت سوريا الأسد، والآن لم تعد سوريا للأسد، هي ليست للسوريين اليوم نعم بسبب ما جلبه من احتلالات ولكنها أيضا لم تعد له، ونحن في طريق اشتداد للأزمة أكثر، ولكن مهما حاول بوتين فلن ينجح في إعادة تأهيل هذا النظام، ولن يفلح في إبقاء حالة التوتر على هذا الشكل.
كما اعتبر، أن الأتراك ليسوا بضعفاء في الملف السوري، فتحالفهم التاريخي مع الولايات المتحدة الأمريكية وتحالفهم الحديث مع روسيا يحمل الصفة الاضطرارية، ولكن الأكثر اضطراريا هو مع موسكو، والمستجدات في الموضوع التركي هو تحمسهم اتجاه إيران، وتصريحاتهم الأخيرة تصب بهذا الاتجاه. صحيح أن لكل دول مصالح مشتركة، ولكن هذه الدولة هي المسؤولة عن تقويض الاستقرار في سوريا.
لم يعد خافيا على المتابعين والمهتمين بالشأن السوري الأسلوب الروسي في التعاطي مع الأطراف والضغوط الدولية، وذلك من خلال اللعب على أوتار الحل في القضية السورية، تارة من خلال الهرولة السياسية وأخرى من خلال التصعيد العسكري.

النغمة القديمة

وقال القيادي في المعارضة السورية المسلحة، العقيد فاتح حسون لـ «القدس العربي»: بعد تعثر المفاوضات السياسة في اجتماع أستانة الأخير مع الجانب التركي والتي تكللت بتعثر الحل باتجاه الاتفاق على أعضاء اللجنة الدستورية، وسبق ذلك ظهور ملامح توافق تركي أمريكي على مسألة شرق الفرات وعدة مسائل أخرى، بدأ الروس باستخدام الحجة المعتادة، والتي تقول بأن الأتراك لم ينجحوا في الالتزام بتنفيذ تفاهمات قمة سوتشي حول إدلب، وعاد الروس للحديث عن هيئة تحرير الشام وخطرها المحدق، ليتذرعوا بها للقيام بحملة عسكرية برية وجوية على عدة مناطق في الشمال السوري، والتي أخذت على الأرض طابع الكر والفر، في محاولة لتشكيل ضغط على المجتمع الدولي عامة وتركيا خاصة.
وفي محاولة للمحافظة على الشريك الإيراني وكسبه من جديد من خلال التصريحات المعارضة للعقوبات الأمريكية، كونه يشكل الثقل العسكري على الأرض من خلال الميليشيات الطائفية التي يدعمها، وذلك بالرغم من تنازع السلطة بينهما في الملف السوري.

التمسك بالأرض

يحاول الروس، وفق حسون الاستمرار في سياسة القضم للمناطق بالتزامن مع استمرار المسار السياسي المنفصل تماما بوعوده ومقرراته عما يجري على الأرض، فيما استطاع الجيش السوري الحر خلال الهجمة الشرسة الجوية والبرية المحافظة على ترتيب الدفاع لديه، ورغم خسارة بعض المناطق الجغرافية في بداية المعركة إلا انه استعاد بعضها التي خسرها خلال اليومين الماضيين.
الأمر الذي يعكس جاهزية الفصائل العاملة في الجيش الحر على إدارة المعركة وقدرتها على الحسم أيضا والمعركة لا تزال في بدايتها، وتأخذ طابع عدم الثبات الجغرافي، وحاليا لا نزال في طور المعركة الدفاعية وفي حال استمرت هذه الهجمة لن يبقى الجيش الحر في هذه الوضعية، بل سيكون هناك ترتيب آخر، ولا خيار للجيش الحر سوى التمسك بالأرض.
من ناحية أخرى تطمح روسيا في الوصول للطرق الرئيسية في محاولة لفتحها إذ من شأنها أن تخفف من العبء الاقتصادي وتكسر العقوبات الأمريكية والحصار الشبه مطبق على النظام وموارده، الأمر الذي أصبح ثقلا مضاعفا على الروس المطالبين بإدارة الحرب في سوريا وتحمل التكاليف المادية، وهي تعلم حقيقة أن استمرار المعركة ليس في صالحها، فلا مكان بعد إدلب لمن حمل السلاح، إلا ضمن أراضيه.
بالتالي سيعني هذا فتح جبهات جديدة مهما كان الثمن، ولا مكان للنازحين بعد إدلب ما يعني موجات نزوح جديدة تستهدف أوروبا، ولا مكان للمعتدلين بعد إدلب، فبعدها سينتشر خطر التطرف الذي يصنعه الظلم الروسي في كل مكان.
فإن كان المجتمع الدولي لا يريد مزيدا من الحرب وموجات اللجوء والتطرف فعليه لجم روسيا وأذنابها، الجيش الحر هو التشكيل الأساسي الذي ينفذ الأعمال القتالية الدفاعية والهجومية في أرياف حماة، وفصائله ضمن الجبهة الوطنية للتحرير لا تدخر جهدا في ذلك، وفي الوقت نفسه فهو موجود ضمن الجيش الوطني الذي ينسق مع الجبهة الوطنية في كافة أعمالها. وفق القيادي في المعارضة المسلحة.

ملفات غير محسومة

لا يمكن التكهن بمستقبل الشمال السوري، فهناك سيولة كبيرة ويومية في الأحداث، لكن ما يمكن قوله إن لا شيء محسوما حول مصيره ولا يوجد حتى يومنا هذا ما يدل على وجود اتفاق دولي حوله.
وقال الباحث المعارض فراس فحام نلاحظ اليوم أن واشنطن دخلت على خط الضغط على روسيا وبدأت تطالبها بوقف الحملة، بينما في الأمس كانت تبدو الأمور وكأنها محسومة.
مستبعداً أن مطلب الثوار بسوريا حرة قد انتهى، وفكرة تجمعهم في إدلب جاءت نتيجة التدخل الروسي، وروسيا هي دولة كبرى ولها ثقل سياسي وعسكري كبير أدى للنتائج الحالية، لكن في اعتقادي أن التغيير قد حصل منذ خروج المتظاهرين للشوارع قبل 8 أعوام ولا يمكن إعادة عقارب الساعة للخلف، والثورة السورية قد غيرت الكثير من المعطيات على الصعيدين الدولي والمحلي.
لا يوجد طرح محدد حاليا يدل على مسألة قبول المعارضة بالاندماج مع النظام، والأخير لا يقبل أيضا إلا بما يسميه تسوية وضع والعودة لطاعته، وعلينا التفريق بين المعارضة وبين الثوار، فهناك من يندرج تحت مسمى المعارضة وسقفه مختلف عن مطالب الشارع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية