بيروت – «القدس العربي»: رسالته عبر شاشة «أل بي سي أي» منتظرة في كل مساء. هو المراسل الميداني الذي يختار كلمات رسالته بدراية ودقة. ينقل الحدث الذي هو بصدده بعيداً عن التطويل والتكرار، وفي كل مرة يؤكد مهنيته العالية. إنه إدمون ساسين الذي بات وجهاً منتظراً لصدقيته، وإلتزامه بالمعلومة الصحيحة.
مع الزميل إدمون ساسين هذا الحوار:
□ بين اليوم الأول لحضورك على جبهة الجنوب والآن ما الذي تغير لدى ادمون ساسين؟
■ المتغيرات متعددة. في بدايات الحرب كان الخطر محصوراً بالشريط الحدودي، أي بين القرى الممتدة من الناقورة وصولاً إلى الخيام وعبر عمق يتراوح بين 4 و5 كيلومتر. بينما الخطر الآن يطال الفرق الصحافية في الأماكن كافة. توسّعت الاستهدافات، من الجنوب إلى جبل لبنان إلى بيروت وصولاً إلى الشمال. بات المراسل والمصوّر لا يدركان إن كانا في الطريق الصحيح. ونحن لا نعلم بما لدى الجيش الإسرائيلي من اهداف. إذاً المتغير أن دائرة الاهتمام توسّعت على المستوى الصحافي. بات المواطن يشعر فعلاً بالحرب، في حين كنّا كمراسلين نشعر بها من البداية. بعد الجنوب بتنا جميعنا كلبنانيين نشعر بالحرب. وباتت مسؤوليتنا أكبر كمراسلين مع توسع المساحات التي يشملها القصف والاغتيالات. إنها مسؤولية تأمين المعلومة الصحيحة، وعدم التورط بأخبار مغلوطة. ومع اتساع المهمة الصحافية اتسعت دائرة الخطر، وبات مفترضاً أن نكون على قدر العدوان الذي يشمل كل لبنان. إنها مسؤولية تأمين المعلومة الصحيحة للمشاهد والمستمع والقارئ رغم الضغط، حيث يبدأ اليوم بحدث ما وينتهي بحدث آخر.
□ كمراسل تغطي جبهات مختلفة مفتوحة على لبنان ما هو الحدث الأكبر الذي فاجأك؟
■ إنهما مشهدان على المستوى الصحافي والإنساني. ففي مثل هذا اليوم الذي احدّثك فيه من العام الماضي، وبالتحديد قبل نصف ساعة من الحوار الجاري بيننا استشهد زميلنا عصام عبد الله، وأصيبت كريستينا عاصي اصابة بالغة مع آخرين من الزملاء. فصلتنا عنهم عشرات الأمطار. إذ كان محتملا أن نكون جزءاً من الضحايا. وحتى الآن لم افهم لماذا تمّ الاستهداف، ولماذا حدث ما حدث؟ هو واحد من الأحداث البشعة والخطيرة والمفاجئة طالت الجسم الصحافي. وبالطبع استشهاد فرح عمر وربيع معماري كان من الأخبار السيئة جداً التي تلقيناها. وهما استشهدا في المكان نفسه الذي كنا كفريق نشغله قبل شهر. إنها أحداث صادمة ومؤلمة وحزينة للغاية. وبعيداً عن الجسم الصحافي عشت مشهد النزوح الكبير من الجنوب حيث علِقت الناس لساعات في السيارات. قد يكونوا دون طعام، واطفالهم دون ماء.
اقفل السير باتجاه بيروت. كنت بالطريق إلى صور وتابعت المشهد لأكثر من 10 ساعات. نعم تفاجأت ولم اتوقع نزوحاً بهذه السرعة مع توسع الضربات والتهديد الإسرائيلي. مشهد لن أنساه في حياتي.
□ في هذا العدوان المفتوح من غزّة إلى لبنان لاحظنا كمشاهدين للشاشات انعكاس الحرب بقوة على وجوه المراسلين. لماذا برأيك؟
■ طبيعي أن يتأثر المراسل بما يحيط به، فهو إنسان قبل أن يكون صحافياً. قد تكون عائلته نازحة أو موجودة في دائرة الخطر. إنه إنسان يشعر بمعاناة اهله وشعبه من نزوح وما يستتبعه من قهر ونوم في الطرقات ومراكز الإيواء. وكذلك الدمار المنهمر على رؤوس الأطفال والنساء. بالتأكيد سيترك ذلك أثراً على المراسلين والمراسلات، وعلى وجوههم، ومن الطبيعي أن تنهمر دموعهم. التأثّر الإنساني قائم لكن عليه أن يدفعنا لمزيد من الجهد والعمل والتضحية. وفي الوقت نفسه نقل الخبر بدقة وموضوعية، وبعيداً عن المشاعر الخاصة بنا. لمشاعرنا حريتها في أن تظهر علينا، والأهم هو نقل الخبر الصحيح.
□ ما هو الاختلاف بين المراسل الحربي والمواطن العادي عندما يكونان على مسافة قريبة من سقوط القنابل الارتجاجية؟
■ مع سقوط القنابل والصواريخ وأي نوع آخر من القصف لا فرق بين المراسل والمواطن إن كانا على مسافة قريبة. ومع استهداف بلدة ما للمواطن حرية النزوح، بينما المراسل كما العسكري سيتوجه إلى نقطة الخطر لنقل الحدث، والوقوف مع الدمار والركام وما خلّفه الاعتداء. وقد يكون في خطر إن تعرّض المكان مجدداً للاستهداف، او لوجود اجسام خطرة. هذا الخطر يداهم الفريق الصحافي جميعه من مصورين وتقنيين والمراسلين. مؤخراً بتنا نلحظ اعتداءات على المراسلين والمراسلات والفرق الإعلامية في بعض الأماكن، وهي ليست نتيجة قرار سياسي، بل غالباً نتيجة تصرفات فردية.
□ بعد استشهاد عصام عبد الله هل فكّرت بالانكفاء؟
■ بعد استشهاد عصام حدث ضغط كبير يصب في اتجاه ضرورة انسحاب المراسلين. وتكرر الضغط نفسه بعد استشهاد فرح وربيع. لم أفكر بالانكفاء، بل بكيفية تحديد تحركاتنا كفريق صحفي، وأن تكون لنا خطط بديلة بالابتعاد عن أماكن الخطر، والاستمرار بنقل المعلومة الصحيحة. إذاً تمت اعادة هيكلة تحركاتنا عندما نقصد منطقة ما. ليس مقبولاً أن يترك المراسلون عملهم بعد الاعتداء على زملاء لهم. ففي الانكفاء تكريس لقاعدة تتيح للمعتدي ضرب فريق صحافي فيرحل الجميع. نحن مستمرون والدليل أني أحادثك وأنا على طريق مرجعيون حاصبيا.
□ هل يغادر صوت القصف والمسيرات رأسك عندما تعود إلى منزلك إن افترضنا أنه ناءٍ عن الأمكنة المستهدفة؟
■ نعم يغادرني. اتمنى لدى انتهاء الحرب أن تكون لي مسافة من الراحة لأسبوع أو اسبوعين، أكون خلالها بعيداً عن ضجيج الأخبار برمتها. مساحة الراحة والسلام والهدوء ضرورية لتجديد الذات المهنية والاقلاع مجدداً. نعيش ضغطاً كبيراً منذ أكثر من سنة. وبرأي كان جيداً لو أمّنت المؤسسات الإعلامية دعماً نفسياً لكافة الفرق الإعلامية التي تغطي الحروب. صحيح نحن مستمرون في عملنا، إنما هناك تراكمات كثيرة تلتصق بالأذهان والمشاعر والذاكرة في الحروب. المراسل والمصور والتقني بشر يؤثر كل ما يعيشونه على ردّات أفعالهم، ولهذا يحتاجون للدعم النفسي.
□ لماذا اخترت أن تكون مراسلاً حربياً؟
■ إنه شغف داخلي يجذبني إلى هذه الأحداث، وأمنيتي ألا تحدث ضربة كف في أي مكان من العالم. بنيت علاقات عسكرية وأمنية، وامتلك معرفة بالجغرافيا من الضروري وجودها لدى المراسل الحربي والميداني. أحب التحدي. تعرضنا كفريق للقنص أكثر من مرة، ولسقوط قذائف وصواريخ. وإن حدث فأنا في صلب الموضوع مباشرة لنقل المعلومة والصورة من أقرب نقطة ممكنة، وأكثر نقطة يشملها الأمان.