إدوارد هوبر: أوبرا من وحي لوحات الشعور بالوحدة

للرسام الأمريكي إدوارد هوبر، لغة فنية واضحة تفهمها العين بسهولة، وفي كل لوحة من لوحاته موقف درامي، يتصل بقصة لم يروها كاملة، ولم يذكر منها سوى تلك اللحظة التي أوقفها زمنياً، وعبّر عنها برسمه، تاركاً للمتلقي مساحة هائلة من الخيال، يهيم فيها حُراً، ويُكمل الناقص من بداية القصة ونهايتها، كما توحي له اللوحة.
ويختلف هذا الوحي من فرد لآخر بطبيعة الحال، فلكلٍ تلقيه الخاص، ومواطن الشعور التي تُثيرها اللوحة عنده، والارتباطات التي تتخلق لديه عند النظر إليها. ولوحات هوبر من طراز فريد ومميز، تدل على مبدعها مباشرة بلا أي خلط أو تردد، وتتكئ هذه اللوحات في أغلبها على مواضيع العزلة والشعور بالوحدة، سواء كان الفرد وحيداً بالفعل، منعزلاً في مكان يخلو من الآخرين، أو كان محاطاً بعدد من الناس، لكنه يشعر بالوحدة، بسبب انعدام التواصل الحقيقي بينه وبينهم.
يُركز هوبر على الفرد، ويخاطب جمهوره بشكل فردي أيضاً، واعتماده على العنصر البشري في لوحاته، يقربها كثيراً إلى المتلقي، خصوصاً أنه يرسم الإنسان بشكله الواقعي، بلا تغييرات في مقاييس الجسد وملامح الوجه، وهو في رسمه كالمؤلف، يجعل لكل لوحة بطلاً، وأحياناً أكثر من بطل في لوحة واحدة. هذه الشخوص التي رسمها هوبر في النصف الأول من القرن العشرين، كانت وحيدة، غارقة في وحدتها. يتعلق الخيال بلوحات هوبر، ويستريح إليها، فألوانه درجات من المشاعر والأحاسيس، وشخصياته الوحيدة المنفردة، هي من أبلغ عناصره التي تدعو المتلقي إلى إطالة النظر إليها، وتأملها جيداً. فهو يصور دخائل هذه الشخصيات دون إفصاح كامل، وقد ألهمته الحياة الأمريكية أغلب مواضيع لوحاته، وتحديداً الحياة في مدينة نيويورك. فكان فنه أمريكياً في شكله وصورته، إنسانياً في جوهره ومعناه. ورسوماته هي نوع من البيان، وفيها سرد صامت يجذب المتلقي، وبينما هو مشتبك مع هذا السرد، يستظهر بعض جماليات اللوحة، ويكتشف ملكات هوبر وطبعه الفني.

يعطي هوبر الانطباع بأنه كان يحب شخصياته، ويتعهدها بالرعاية، ويتعاطف معها ويدرك مدى شعورها بالوحدة، ويفهم تلك الأحاسيس ويتقن التعبير عنها. وعادة تكون شخصيات هوبر موجودة في مكان ما وحدها، كغرفة في منزل أو في فندق، أو داخل عربة قطار، وقد تكون في مقهى أو ردهة فندق، أو مسرح لم يمتلئ بعد بالجمهور. وكثيراً ما توجد النافذة، التي تلعب دوراً مهماً في اللوحة، لأنها تُظهر العالم الخارجي المنعزل عنه البطل، وفي أحيان أخرى يكون المتلقي في الخارج، يرى البطل عن بعد من خلال نافذة غرفته، بشكل غير كامل، فربما يرى جزءاً من جسد البطل أو البطلة فقط. كان هوبر يرسم النساء كثيراً، ويبدو مأخوذاً بغموضهن، وأسرارهن الخفية، والمشاعر الكامنة في قلب كل امرأة. والحكايات الكثيرة التي يمكن أن يجدها المرء، وراء امرأة تجلس وحيدة صامتة، في مقهى أو عربة قطار، فالوحدة هي الموضوع الفني الأول والأساسي عند هوبر، ورغم تكرر هذا الموضوع في رسوماته، لا يشعر المتلقي بأنه قد استهلك هذه الثيمة. وهناك من أبطال لوحاته، من يبدو كأنه يستثقل الوحدة، ويتجرعها رغماً عنه، وهناك من لا يبدو كارهاً لها متبرماً بها، وكأنها مصدر الأمان الذي يحرص عليه.
من وحي لوحات هوبر، استلهمت أوبرا أمريكية حديثة من فصل واحد، بعنوان «في وقت لاحق من المساء نفسه» Later the Same Evening، وقد حاول مؤلف نصها الغنائي، أن يترجم بطريقته ما يختلج في نفوس شخوصها، وأن يمنحها أسماء ويتصل بمشاعرها، ويصنع من حولها أحداثاُ، ويتخيل كل ما لم يقله هوبر، ولم يكشف عنه في رسمه. وخلال ساعة وربع الساعة تقريباً، تعبر كل شخصية عن نفسها وتروي حكايتها المتخيلة، في الأوبرا تخرج الشخصيات من لوحات هوبر، مرتدية ملابسها المصممة بدقة، بشكل مماثل لما رسمه الفنان، وتتخذ أجسادها أوضاعاً مقاربة للأوضاع ذاتها الموجودة في اللوحات، في لحظات معينة من العرض الأوبرالي، لتبدو كنسخ أخرى من اللوحات بالفعل. وبعد ذلك تتحرك الشخصيات وتتكلم وتغني، وما تغنيه كل شخصية يخبر عن حياتها، وقصتها، والمشكلة التي تواجهها، وما جعلها تظهر في اللوحة على ذلك الوضع.

وتعتمد الأوبرا على خمس لوحات فقط من بين أعمال هوبر الكثيرة، هي، «غرفة في نيويورك» «نافذة الفندق» «غرفة الفندق» «اثنان على الممر» و»لوحة أوتومات». وأغلب أبطال هذه اللوحات من النساء، فلا يوجد سوى رجل واحد مع امرأة في لوحة «غرفة في نيويورك» ورجل آخر مع امرأتين في لوحة «اثنان على الممر» أما بقية اللوحات فأبطالها نساء وحيدات، وعلى المسرح تكون اللوحات الخمس، معلقة إلى جوار بعضها بعضا، وظاهرة في الخلفية طوال الوقت، عندما تغني كل شخصية حكايتها، وكذلك عندما تجتمع الشخصيات كلها في النهاية، وتبدأ الأوبرا بلوحة «غرفة في نيويورك» وفيها رجل يقرأ الجريدة، وامرأة تلتفت إلى البيانو، وتضع يدها على مضاربه دون أن تعزف بشكل حقيقي، ويبدو عليها الملل العميق. توحي هذه اللوحة للبعض بزواج بارد، وحياة تخلو من التواصل. وهكذا كان تصور مؤلف الأوبرا الذي وضع على لسان بطلي اللوحة، حواراً يصف زواجهما المنهار. وتغني الزوجة أغلب المقاطع، وكان تفسير المؤلف لوضعهما في لوحة هوبر، حيث تشيح الزوجة بوجهها عن الزوج، وتتكئ على البيانو وتقترب منه بشكل كبير، كأنها تلتمس لديه الصحبة والحنان، فهي تحاول أن تتواصل مع الزوج دون جدوى، وتسعى إلى كسر الصمت وإضفاء الحياة على زواجهما، لكنها لا تستطيع فعل ذلك وحدها، فهو لا يريد أن يشاركها في أي شيء، ويعتذر عن الذهاب معها إلى غنائية من غنائيات برودواي، فتذهب وحدها إلى المسرح.

أما لوحة «نافذة الفندق» التي رسم فيها هوبر امرأة تجلس وحيدة تتطلع عبر النافذة، فقد جعلها مؤلف الأوبرا أرملة في منتصف العمر أو أزيد قليلاً، تنتظر عشيقها، وتغني عن مشاعرها الغريبة المختلطة، فهي لم تكن تتوقع أن تواعد أحداً وهي في هذا العمر.

أما لوحة «نافذة الفندق» التي رسم فيها هوبر امرأة تجلس وحيدة تتطلع عبر النافذة، فقد جعلها مؤلف الأوبرا أرملة في منتصف العمر أو أزيد قليلاً، تنتظر عشيقها، وتغني عن مشاعرها الغريبة المختلطة، فهي لم تكن تتوقع أن تواعد أحداً وهي في هذا العمر. كما تشعر بأن زوجها المتوفى يراقبها من الأعلى. تنتقل الأوبرا بعد ذلك إلى لوحة «غرفة الفندق» التي رسم فيها هوبر امرأة تجلس على السرير، في وضع يبدو حزيناً، تمسك بورقة هي رسالة على الأرجح، تلقتها أو ستتركها لأحد. وإلى جوارها حقائب مغلقة، فهي إما على وشك المغادرة، أو أنها وصلت للتو ولم تقم بعد بفتح الحقائب. وقد أوحت بطلة هذه اللوحة لمؤلف الأوبرا بأنها راقصة باليه، أتت إلى نيويورك حالمة بالنجاح والشهرة، لكنها انهزمت أمام قسوة هذه المدينة، وصعوبة المنافسة واقتناص الفرص. وتغني عن كل ذلك، وعن حبيبها أيضاً الذي لن تودعه، إلا برسالة ستتركها له، لأنها لن تستطيع أن تواجهه بقرار عودتها إلى بلدتها الصغيرة، لتعيش حياة عادية كأي امرأة هناك. تجتمع الشخصيات في النهاية داخل المسرح، حيث تُعرض غنائية برودواي، ومن ضمنهم السيدة التي تجلس وحيدة في المقهى في لوحة أوتومات، وعندئذ تنتقل الأوبرا إلى لوحة «اثنان على الممر» وهي لوحة فضاؤها مسرح لم يكتمل فيه الحضور بعد، ولا يوجد سوى رجل وامرأته، وامرأة أخرى تجلس بعيداً عنهما. حاولت هذه الأوبرا التعبير عن الجوانب الخفية في لوحات هوبر، وفق خيال مؤلفها الخاص، وإحضار هذه الشخصيات إلى الحياة، لتتحرك وتنطق وتغني، لكن في نهاية الأمر، تبدو الشخصيات أجمل داخل لوحات هوبر عندما تكون ساكنة وصامتة ووحيدة.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية