إضافة عن تصدي حزب الله الفاشل لإسرائيل بعد الحادثة التي بادر إليها مؤخراً في “هار دوف”، وفضلاً عن الادعاءات التي ضده في أوساط الجمهور اللبناني على دوره في الانفجار الهائل الذي خرب قسماً كبيراً من بيروت، يفترض بالتنظيم أن يقف في الأيام القريبة المقبلة أمام اختبار صعب… هذه المرة أمام المحكمة الدولية في لاهاي.
إن المصيبة العظيمة التي شهدتها بيروت مع الانفجار الذي خلف وراءه قتلى وجرحى ونازحين كثيرين، دفع المحكمة لأن تؤجل عشرة أيام إصدار حكمها في التحقيق في اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري في شباط 2005. بالضغط الدولي، وكذا اللبناني الداخلي، تشكلت في حينه محكمة خاصة في لاهاي هدفها تحديد قاتل الحريري. فُحصت 3 آلاف وثيقة، وحقق مع 700 شاهد. كما نجحت المحكمة في استعادة مكالمات هاتفية بين وفيق صفا من استخبارات حزب الله، الذي أخفى في حينه، وعن عمد، معلومات عن المخطوفين الإسرائيليين ريغف وغولدفاسر، وبين رئيس الاستخبارات السورية رستم غزالة. كما اكتشفت المحكمة بأن السوريين، في لقاء بادروا إليه مع الحريري قبل الاغتيال، نجحوا في تعقب هاتفه النقال ومتابعة تحركاته. ورغم أن طواحين هواء المحكمة تطحن ببطء، فقد قضى المدعي العام الخاص قبل سنتين بأن حزب الله هو الذي يقف خلف الاغتيال وسوريا هي العرابة. ويفترض بقرار المحكمة الأسبوع القادم أن ينهي التحقيق.
يخشى حزب الله، كما أعلن نائب نصر الله، بأن التنظيم لا يعنى بالمسألة لأنها كلها سياسية، وترمي بزعمه إلى خدمة إسرائيل والولايات المتحدة. أما عملياً فقد مارس حزب الله الضغوط من خلف الكواليس في كل الاتجاهات كي لا يصل إلى قرار المحكمة، وفي مرحلة معينة، خيل أنه نجح – عندما أعلن الحريري الابن، الذي أصبح رئيس وزراء، بأنه لا يريد الثأر على اغتيال أبيه، وألمح بأن وجهته نحو المستقبل، وأنه لا يريد الصدام مع حزب الله. غير أن الوضع اليوم مختلف: الحريري في المعارضة، ولبنان يعاني أزمة من كورونا وتدهور اقتصادي خطير، والدولة تتمزق تحت المظاهرات العنيفة. في أعقاب كل هذا، غير الحريري موقفه، ويعتزم بشكل رمزي حضور إصدار الحكم الذي قد يفتح صندوق بندورا (صندوق المفاسد).
في خطابه الذي تنكر فيه من أي صلة بالانفجار، أشار نصر الله إلى أنه من الأفضل الامتناع عن إدانة تنظيمه، خشية أن يؤدي الأمر إلى توترات لا يمكن التحكم بها. وعليه، فإن لقرار المحكمة أهمية خاصة: هل ستراعي المحكمة، التي تجلس في هيئة قضائية دولية، المصاعب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يغرق فيها لبنان فتلطف شر القضاء، أم ستتمسك بقيمة طهارة المقاييس وتصدر الحكم وفقاً لأفضل ما لديها من نزاهة مهنية. في الحالة الأولى، سيتعزز حزب الله في الساحة الداخلية وسيسيطر على الدولة بلا قيود. في الحالة الثانية، سيصبح حزب الله تنظيماً إجرامياً، إضافة إلى التنظيم الإرهابي الذي قتل رئيس وزراء قائم. ومثل هذا الوضع، سيعطي ريح إسناد لكل معارضي حزب الله في لبنان وخارجه، وستمهد التربة للضغط على التنظيم لتغيير الاتجاه. إذا كان هذا ما سيحصل، فلا يمكن أن تستبعد إمكانية مغامرة لحزب الله تجاه إسرائيل، كي يخلص نفسه من ضائقته، ولكن الضغط المتواصل على التنظيم سيؤدي به إلى لجم نفسه، ويقلص نفوذه داخل لبنان، وربما يساعد في إنقاذ لبنان المنهار.
بقلم: إسحق ليفانون
سفير إسرائيل الأسبق في مصر وفي مؤسسات الأمم المتحدة في جنيف
يديعوت 12/8/2020