إذا لم تستطع الضحك… يجوز لك البكاء!

الضحك والفكاهة وسيلة لإمتاع النفس والدخول في مزاج جيِّد يدفع الإنسان دفعا لمواصلة حياته وتفريغ عقله من الشحنات السلبية، التي يتلقَّاها من صدمات الحياة. وبعد دراسات مستفيضة، يؤكِّد علماء النفس أنه من فوائد الضحك، التي لا حصر لها ولا عدد، القدرة على القضاء على أعتى حالات الاكتئاب. ولا يعني هذا أن الضحك يجب أن يكون نابعا من الوجدان وحقيقيا، فربما يصبح الاستغراق في الضحك أداة ميكانيكية؛ بحيث يحاول الإنسان بعقله الواعي تصَنع الضحك، حتى لو كان دون أي سبب يذكر. ومن أشهر الأمثلة على ذلك، جلسات ونصائح المعالجين النفسيين التي تنقلها البرامج، وفيها يبدأ المعالج بالتدرُّج في الضحك إلى أن يصل لمرحلة القهقهة؛ فلقد ثُبِت علميا أن عقل الإنسان الذي لا يكف عن التفكير والتحليل، يمكن خداعه بسهولة لتغيير مزاج الإنسان من نقيض إلى نقيض آخر، باتباع أسلوب «تصنَّع الأمر حتى تجيده» Fake it until you make it.
وعلى هذا، فإن جميع الأعمال التراجيدية الشديدة الجدَّية والعنف النفسي، سواء قديما أو حتى في العصر الحالي، تحتوي على مشاهد كوميدية، يطلق عليها فواصل كوميدية، والهدف منها تخفيف ذروة انفعال المُتفرِّج وإعطاؤه دفعة لمواصلة مشاهدة أكثر الأعمال مأساة وعُنفا. وعلى الرغم من فوائد الكوميديا، فقد وصفها أفلاطون بأنها محاكاة لإنسان أسوأ من الشخص العادي، في حين وصف الدراما بأنها محاكاة لإنسان أفضل من الشخص العادي؛ فالأحداث القاسية هي شأن العظماء، ولهذا كانت الفواصل الكوميدية يقوم بها المهرجون أو الطبقات الاجتماعية الدُّنيا. وشخصيات الفواصل الكوميدية سخيفة وتتميَّز بالتفاهة؛ لاعتبار وجودها تشويها لعظمة الألم، وأن وجودها في حد ذاته بشاعة، لكنها لا تتسبب في إيلام أو إيذاء الآخرين.
وبمرور العصور، ظهرت المسرحية الكوميدية، والغريب أن الفارق الوحيد بينها وبين الأعمال الدرامية المأساوية، تبعا لتعريفها في الدراما الإغريقية، أن العمل الكوميدي نهايته سعيدة، على الرغم من احتمال وجود مواقف شديدة العنف والجدية قد تثير البكاء أو حتى الذعر، كما هو الحال في مسرحية «تاجر البندقية» لوليم شكسبير حينما كان يحدّ التاجر سكِّينه لتقطيع لحم من تاجر لم يفِ دَيْنه. ثمَّ، تطوَّر مفهوم الكوميديا ليشمل بعض الأشعار ذات النهاية السعيدة، مثل «الكوميديا الإلهية» التي ألَّفها دانتي في العصور الوسطى. وتطوَّر استخدام الكوميديا في ما بعد إلى أن صارت تحتوي على مواقف تثير الضحك، وليس مواقف سخيفة.
وقد عمل «النحويون السَّكندريون» (وهم جماعة من علماء اللغة والحضارة في حقبة الإسكندرية الهيلينية» Alexandrine Grammarians، وعلى الأرجح كان هذا بفضل الباحث والناقد وعالم اللغة أرسطوفانيس البيزنطي Aristophanes of Byzantium بتقسيم الكوميديا الإغريقية لثلاثة عصور: القديمة والوسطى والحديثة، وإن كان يعتبر هذا التقسيم عشوائيا بعض الشيء. وبالإمعان في الأمر، يلاحظ أن التقسيم يفسِّر تطوُّر كوميديا العصور القديمة، التي تفرَّعت إلى ألوان عدَّة منذ القِدم وصولا للعصر الحالي. وكوميديا العصر القديم عبارة عن أعمال الغرض منها هجاء الوضع السياسي وإن كانت تنطوي على تلميحات بذيئة لإثارة الضحك. والأكثر من هذا، كما في الوقت الحالي، تعمد تلك الأعمال إلى السخرية من كبار شخصيات ومؤسسات ذاك العصر، كما حدث عندما سخر أرسطوفانيس من سقراط في مسرحية «السُّحب» The Cloud حينما صوره كمهرِّج.

وأمَّا كوميديا العصور الوسطى، فقد تخلَّت عن الكثير من العناصر التي كانت تزخر بها الكوميديا القديمة وأهمها، عزوف الكتَّاب عن السخرية من الشخصيات الاجتماعية البارزة. وبعد موت الإسكندر الأكبر، ظهرت الكوميديا الحديثة التي لا تسعى للهجاء السياسي، بل تركِّز على مواقف هزلية في الحياة العادية، تحدث لأفراد عاديين؛ أي أن الكوميديا ابتعدت عن النقد الهادف للوضع السياسي.

وقد تأثَّر بالكوميديا القديمة كبار المؤلفين الأوروبيين الذي خلَّد التاريخ أسماءهم؛ من أمثال: فولتير ورابيليه وجوناثان سويفت وسيرفانتس، وجميعهم لجأوا لحيلة تصوير الشخصيات السياسية الكبرى كمهرجين لتسهيل الهجاء. ولعل أشهر مثال يعيش معنا حتى الوقت الحالي رواية «رحلات جليفر» Gulliver’s Travels التي عمد فيها الكاتب الساخر جوناثان سويفت إلى تصوير الحالة السياسية في بلاده من خلال رحلات جليفر الأربع. وقد ركَّزت الكوميديا القديمة على الإبداع ومحاولة إعمال العقل في كل مشهد، وليس فقط إثارة ضحك هزلي من أجل الضحك.
وأمَّا كوميديا العصور الوسطى، فقد تخلَّت عن الكثير من العناصر التي كانت تزخر بها الكوميديا القديمة وأهمها، عزوف الكتَّاب عن السخرية من الشخصيات الاجتماعية البارزة. وبعد موت الإسكندر الأكبر، ظهرت الكوميديا الحديثة التي لا تسعى للهجاء السياسي، بل تركِّز على مواقف هزلية في الحياة العادية، تحدث لأفراد عاديين؛ أي أن الكوميديا ابتعدت عن النقد الهادف للوضع السياسي.
وبالنظر إلى القطب الآخر للعالم القديم، ألا وهو الإمبراطورية البيزنطية، يلاحظ أن المسرح، بوجه عام، والمسرح الكوميدي، بوجه خاص، لم يكن ذا تأثير على الإطلاق. ولهذا السبب اندثرت تقريبا جميع المسرحيات الكوميدية لهذا العصر، التي كانت تتمحور حول حبكات واهية لشخصيات نمطية لا تتغيَّر. وكانت تدور أحداث جميع المسرحيات حول ابن مراهق أو غير متزوِّج يبحث عن الحب في مطاردة النساء، حتى لو كانوا خادمات، وأب يعارض ذاك الحب وأم ومعشوقة. وبسبب تشابه الحبكات، لم يكن لأي من تلك المسرحيات تأثير يذكر، وإن كانت أهم ميزاتها هو الحوار الرائع الذي يحتوي على عبارات شديدة الحصافة والذكاء، وإن كان الغرض منها إثارة الضحك الهزلي. بيد أن هذا النوع من الضحك الجاذب، عمل على تطويره بعض الكتاب الغربيين، واستفادت منه صناعة السينما حتى في العصر الحديث. ولعل سلسلة أفلام «قابل والديّ» Meet the Parents وبطلها روبرت دنيرو وبن ستيلر أبرز مثال على الكوميديا البيزنطية التي تدور حول موضوعات الحب والزواج واعتراض الأب على الزواج، ومصدر الكوميديا فيها الحوار الحصيف، الذي لا يفشل أبدا في إثارة ضحك الجمهور. وتجدر الإشارة إلى أن تلك السلسلة حققت نجاحا عالميا صارخا.
لكن هذا الصنف من الكوميديا تنطفئ جذوته سريعا، على عكس الكوميديا الإغريقية التي تدعو إلى إعمال العقل، فلقد طالها التطوُّر وتفرَّعت إلى أنواع عدَّة سواء في العصر القديم أو العصر الحالي. وتجدر الإشارة إلى أن الأعمال الهزلية الساخرة توجد جنبا إلى جنب مع الأعمال الكوميدية الهادفة التي تنقد مواطن الضعف في الوضع السياسي والاجتماعي، والتي يتم تغليف الهجاء والشكوى المستترة بالضحك حتى بغرض التواتر دون أدنى تعقيد.
وقد التقطت الثقافات عالميا الغرض الخفي الكامن في الكوميديا، وتدبَّر المبدعون توظيف عناصرها على نحو مقتضب خلَّاق عند إلقاء النكات؛ فالنكتة عادة تعبِّر عن موقف ساخر يوجِّه نقدا لاذعا للمجتمع، أو الوضع السياسي، أو حتى الجوانب السلبية في المجتمع، ولهذا أصبحت مهمة كاتب الكوميديا في العصر الحديث شاقة، فهو يحمل على عاتقه مهمة إصلاح المجتمع والارتقاء بالفكر، حتى لو استلزم الأمر المساس بقضايا حساسة تثير شجون المجتمع وتجعله يضحك حتى يتلافى البكاء.

كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية