مؤلف الكتاب، الباحث النروجي إرلنغ لورينتزن سوغه، هو أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوسلو، وله أبحاث عديدة حول الحركة الوطنية الفلسطينية بصفة خاصة، ودراسته هذه تعتبر رائدة لأنها تتعمق في قراءة الجوانب الاجتماعية والإثنوغرافية في مخيم عين الحلوة فتتميز بذلك عن الكتلة الأكبر من الأبحاث التي تناولت المخيم من زوايا سياسية وأمنية أو ضمن الأطر العريضة المألوفة لمقاربات اللجوء والشتات الفلسطيني عموماً. والكثير من الخلاصات في فصول الكتاب إنما استندت إلى جولات ميدانية قام بها المؤلف شخصياً في المخيم ومحيط مدينة صيدا سنة 2013، كما أجرى عشرات المقابلات مع ناشطات وناشطين مثّلوا القسط الأعظم من الخارطة السياسية والاجتماعية والفصائلية والعقائدية داخل المخيم.
وفي الكثير من الدراسات التي تناولت المخيم، انصبّ الاهتمام على أنشطة الأجنحة السياسية الفلسطينية وتبايناتها وصراعاتها، وهذا خيار مفهوم بالطبع وله مبرراته العديدة، غير أن سوغه يلحّ على ضرورة إيلاء أهمية مماثلة أو حتى أوسع نطاقاً للديناميات الداخلية ولأهدافها وعلاقاتها المتشابكة، ومدى صلتها بمجتمع المخيّم وسكّانه من جهة أولى، ثمّ العلاقة المعقدة مع منظمة التحرير عموماً ومع السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله خصوصاً، واستطراداً مع «فتح» والفصائل الأخرى في الضفة الغربية، وكذلك مع قيادات «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في غزّة. والكتاب، كما يتعهد المؤلف منذ المقدمة، سوف يقترح دراسة إثنوغرافية خصبة لمخيّم عين الحلوة، ليس بوصفه الأكبر ضمن 12 مخيماً فلسطينياً متواجدة على الأراضي اللبنانية فقط، ولكن أيضاً في الصورة التي بات يظهر عليها كـ»عاصمة الشتات» الفلسطيني الأكثر تمتعاً باستقلالية نسبية وحوكمة لامركزية، خاصة بعد تسعينيات القرن المنصرم وتوقيع اتفاقيات أوسلو وانتقال الكفاح المسلح الفلسطيني إلى صيغة سلطة وطنية.
والأسئلة التي يطرحها سوغه، ويسعى لاحقاً للإجابة عليها تباعاً، هي التالية:
1 ـ كيف يتوجب أن نفهم النضال السياسي الذي يُخاض في عين الحلوة خلال حقبة ما بعد اتفاقيات أوسلو؟
2 ـ أيّ الممثلين يستهدفون السيطرة على المخيم؟ كيف يفعلون ذلك، ولأيّ أسباب؟
3 ـ أي دور تلعبه قيادات الأجنحة في سياسة المنطقة، إذا كان لها دور؟
الخلفية المركزية
وفي نهاية المطاف، يكتب سوغه: «ما الذي يجعل مخيماً منهكاً بالفقر، جاثماً على هوامش المجتمع، محلّ نزاع متواصل من جانب ممثلين كثر في الحاضر؟».
والخلفية المركزية التي لا يهملها المؤلف هي أن ممارسات العصابات الصهيونية التي أسفرت عن تهجير وطرد نحو 700 ألف فلسطيني من بلداتهم وقراهم خلال نكبة 1947ـ1948، خلقت في الشتات الفلسطيني ما يشبه «الحدود» من حول، ولكن أيضاً في داخل، المخيمات الفلسطينية في لبنان وسوريا والأردن وحتى في الأراضي الفلسطينية ذاتها. وفي نموذج عين الحلوة، وبينما تتولى «اللجان الشعبية» التوسط في حلّ مشكلات سكان المخيم ونزاعاتهم خاصة حين تنشب على أسس فصائلية، فإن «قيادة الكفاح المسلح» اتخذت دور الشرطة العسكرية على امتداد المخيم. وأمّا زائر المخيم (على غرار سوغه نفسه) فيخال أنه يعبر من دولة إلى أخرى، وبالتالي يدخل إلى دولة ذات حدود، قياساً على كثرة حواجز السلطات العسكرية والأمنية اللبنانية والمجموعات المسلحة الفلسطينية ذاتها. ولا يخفى أنّ المخيم وقع أيضاً ضحية تمدد التنظيمات الإسلامية المتشددة والجهادية، والمجموعات السلفية، وتشابك التحالفات بين الفصائل الفلسطينية الإسلامية و«حزب الله»، فضلاً عن مفاعيل صعود «تنظيم الدولة».
وهناك في الكتاب فرضية محورية مفادها أن مخيمات الفلسطينيين في لبنان عموماً، ولكن مخيم عين الحلوة خصوصاً، ظلت ــ نظراً لاستقلالها الذاتي المحلي النسبي وغياب أي سلطة سياسية حاكمة فيها ــ بمثابة حواضن هامة للقيادات المنشقة والمعارضة لخطّ السلطة الفلسطينية الرسمي، ولهذا يستهل سوغه كتابه بعرض مشهد التنوّع السياسي والاجتماعي والمكاني داخل المخيم على النحو الذي يتكفل بصياغة فكرته عن «دولة فلسطينية في المنفى» يعكسها المخيم، مثلما يمثّل «عاصمة» لها أيضاً. هذا هو موضوع الفصل الأول، الذي يمهد لفصل ثان يتناول مكوّنات المخيم المتشابكة، لجهة مراكز القوى وتنويعاتها الاجتماعية والسياسية والديمغرافية والدينية، والتي في المحصلة لا تنأى كثيراً عن فسيفساء الشرق الأوسط عموماً. الفصل الثالث يتسم بحيوية خاصة من زاوية أنه يدقق في هوية قيادات المخيم من جانب أنها تنتمي إلى شريحة المنفى من جهة أولى، وأنها عانت وتعاني هذا المقدار أو ذاك من تهميش القيادات الفلسطينية الرسمية سواء في زمن ياسر عرفات والوجود السياسي والعسكري الفلسطيني على أرض لبنان، أو بعد اتفاقيات أوسلو وتأسيس السلطة الوطنية في رام الله.
الميليشيات والمفارز المسلحة
هذه أيضاً هي حال الميليشيات والمفارز المسلحة التي تتبع تلك القيادات، وتفترض مستويات مختلفة من السيطرة الإدارية أو البيروقراطية أو المالية، خاصة وأن المخيمات الفلسطينية على الأرض اللبنانية تخضع لقوانين متشددة حول البناء والتملك وإدخال البضائع والتوظيف وحيازة السلاح والذخائر. ولهذا فإن الكتاب يفرد وقفة خاصة لتطورات الحضور الفلسطيني المستعاد في لبنان مطلع الألفية، خاصة بالنسبة إلى «حماس» والإسلاميين الفلسطينيين ضمن تحالفاتهم مع «حزب الله»، وكذلك بتأثير الانسحاب العسكري للنظام السوري من لبنان. ولا يغفل سوغه مناقشة صراعات الكوادر داخل المخيم مع القيادات الرسمية حتى ضمن تنظيم عريق ومهيمن مثل «فتح»، الأمر الذي يتيح له فتح ملفات «الزبائنية» داخل مؤسسات السلطة، وتناقضات القواعد مع النخب، وكيفية حضور الصفوف القيادية الوسطى أو الدنيا في صياغة القرارات والتوجهات، والتأثيرات المتبادلة بين الملفات الفلسطينية والملفات اللبنانية والعربية والإقليمية، وسواها من موضوعات يتناولها الفصلان الرابع والخامس.
مفيد، إلى هذا، أن سوغه يرفد كتابه بمسرد/ لائحة للقوى الفلسطينية المتواجدة داخل المخيم، مبتدئاً من منظمة التحرير الفلسطينية التي تضم «فتح»، «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين»، «حزب الشعب الفلسطيني»، «الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني» ـ فدا، «جبهة التحرير الفلسطينية» ـ جناح أبو العباس، «جبهة النضال الشعبي الفلسطيني» ـ جناح سمير غوشة، «الجبهة العربية الفلسطينية»، و«جبهة التحرير العربية». من جانبها تضمّ مجموعة «تحالف القوى الفلسطينية في لبنان» المنظمات التالية: «حماس»، «الجهاد الإسلامي»، «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة»، «فتح الانتفاضة»، «الصاعقة»، «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» ـ جناح طلعت يعقوب، «جبهة النضال الشعبي الفلسطيني» ـ جناح خالد عبد المجيد، «الحزب الشيوعي الثوري الفلسطيني». هنالك أيضاً قوى إسلامية التوجه، بينها «عصبة الأنصار الإسلامية»، و«الحركة الإسلامية المجاهدة»؛ بالإضافة إلى تنظيمين لا يُعلن لهما انتماء، هما «أنصار الله» و«فتح ـ المجلس الثوري».
حكاية مخيم عين الحلوة
فرضية أخرى محورية في الكتاب هي أن حكاية مخيم عين الحلوة هي أيضاً حكاية لبنان، بمعنى انخراط فلسطينيي المخيم في صراعات القوّة بين الزعماء اللبنانيين إجمالاً، وخصوصاً أولئك الراغبين يضعون بسط السيطرة على مدينة صيدا في رأس أجنداتهم ويتطلعون إلى توظيف العامل الفلسطيني ضمن مقايضاتهم العربية والإقليمية. ذلك يستولد دينامية إضافية يلجأ خلالها الممثلون المحليون إلى تسخير الموارد الكفيلة بضبط السياسات داخل المخيم، وصولاً إلى تجييرها لصالح هذا الملف التنازعي أو ذاك القابل للمساومة. ويذكّر سوغه أن هذه الوضعية تفاقمت بصورة غير مسبوقة بعد الانتفاضة الشعبية في سوريا، ولم تقتصر آثارها على تدخل «حزب الله» عسكرياً في سوريا لصالح النظام، أو انتقال عمليات «تنظيم الدولة» إلى العمق اللبناني، ومعالجاته لهذه المسائل تنتقل من الفصل الخامس إلى الفصل السادس حين يتناول اصطفافات قوى المخيّم إلى جانب هذا الطرف أو ذاك، بالإضافة إلى مواجهة إشكاليات العلاقة مع الحكومة اللبنانية وأحزابها وقواها، وكذلك سلطة رام الله وغزّة في آن معاً.
وليس أقلّ فائدة حرص المؤلف على استعراض مبادرات المجتمع المدني الفلسطيني داخل المخيم، وخاصة في أوساط الشباب وعبر استخدام ذكي لوسائل التواصل الاجتماعي، على غرار فعاليات مجلة «قلم رصاص» التي تفرعت عنها مبادرة Nastopia واتخذت لها شعاراً طريفاً وجامعاً هو «من كل زاروبة قصة». وما يُعرض من حكايات وأحداث لا يخصّ شؤون المخيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية فقط، بل يهتم كذلك باللاجئين السوريين في مخيماتهم على الأراضي اللبنانية، وذلك بصرف النظر عن المضايقات الحكومية اللبنانية ومناخات العداء والممارسات العنصرية ضدّ اللجوء السوري تحديداً.
ويروي سوغه أنه، خلال إحدى المقابلات في بيروت، أطلع أحد القياديين في «فتح» على عزمه تأليف كتاب عن المخيم، فتلقى منه جواباً يفيد التالي: «في عين الحلوة هنالك واقع جديد كل يوم، وحين تبدأ في كتابة هذه الكلمات، فإن الواقع سيكون قد تغير». كان على حقّ، يعترف سوغه: «رغم أن الجوهري في الامر هو أن العوامل والديناميات التي تحرّك التوتر في المخيم ليست مرشحة للتبدّل، مع الأسف، في المستقبل المنظور، وأن الممثلين المشاركين في حال من التداول الدائم».
ولعله بسبب من هذا اليقين يختم كتابه بهذه الفقرة: «إذا كان هنالك بصيص أمل في هذه الحكاية بصدد العلاقة بين الحركة الوطنية الفلسطينية ومخيمات لبنان، فإنه يكمن لدى اللاجئين الشباب الذين يتمسكون بالحرص على التعلّم وتنمية الذات والاستلهام، وهم ــ بغضّ النظر عن انتماءاتهم السياسية أو الإيديولوجية ــ يرفضون بشدّة الدور الضيّق والرفضي الذي أسنده إليهم الجيل الأقدم».
Erling Lorentzen Sogge: “The Palestinian National Movement in Lebanon:
A Political History of the ‘Ayn al-Hilwe Camp”
I.B. Tauris, London 2021
273 pages.