من المشروع القول إن هذا الكتاب يتكامل في أكثر من مبحث مع كتاب سابق للمؤرخ المصري البارز خالد فهمي، أستاذ التاريخ في جامعات أكسفورد وبرنستون ونيويورك والأمريكية في القاهرة، وكان قد صدر بالإنكليزية تحت عنوان «الجسد والحداثة: الطب والقانون في مصر الحديثة»، ونقله إلى العربية شريف يونس، 2006. كذلك في الوسع الافتراض بأنّ الكتابَين يتابعان المسار الذي اعتمده فهمي لجهة التأريخ لمصر الخديوية، كما يحبّ أن يصف السنوات 1805 وحتى 1979، وعلى نحو أكثر تحديداً مصر محمد علي باشا الذي حكم من 1805 وحتى 1848، وذلك في كتابه الرائد «كلّ رجال الباشا: محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة»، 1997، بترجمة شريف يونس أيضاً.
وابتداء من مقدمة الكتاب يتناول فهمي إشكالية الجسد من زاوية تدريس الطبّ والتشريح التعليمي، والتي واجهها مع مشايخ مصر الطبيب الفرنسي أنطوان بارتليمي كلو، أو كلوت بك كما سيُعرف لاحقاً في مصر، بعد أن كلفه محمد علي باشا بتأسيس مدرسة للطب كي تخدم جيشه الناشئ، فكان أن ألقى أول درس للتشريح البشري داخل قاعة التشريح في مستشفى أبو زعبل، بتاريخ 20 تشرين الأول/أكتوبر 1827. وتلك واقعة تجمع الطرافة إلى الأبعاد الدينية والثقافية، إذْ لم يحرّم المشايخ وحدهم تشريح الجثث (بدعوى أنها تتألم أيضاً)، بل حظرها الباشا نفسه ووضع حراسة مشددة على المدرج الذي اعتاد كلوت بك التدريس فيه، بالنظر أيضاً إلى تعرّض الأخير لاعتداء بسكّين من جانب أحد الطلاب.
كتاب فهمي يثير تساؤلات كثيرة، تمهد لمنهجيته في قراءة تاريخ تلك الحقبة، والإطلال أيضاً على قراءات أخرى ذات طبيعة فارقة، مثل كتاب لويس عوض «تاريخ الفكر المصري الحديث: من الحملة الفرنسية إلى عصر إسماعيل» الذي صدر في جزئين سنة 1969، وصاغ في رأي فهمي لعقود طويلة ملامح التناول المصري للحملة الفرنسية وكامل التاريخ الفكري والثقافي المصري الحديث، وتميز بتفضيل تحليل خطاب النصوص على دراسة تاريخ المؤسسات أو التطورات الاجتماعية والاقتصادية. يتوقف فهمي أيضاً عند المدرسة التاريخية الأكاديمية كما مثّلتها كتابات رءوف عباس حول التاريخ الثقافي والتنوير بين مصر واليابان، ومقالته اللافتة «قدوم الغرب: بداية النهضة أم إجهاض لها؟ّ»، التي تعيد التشديد على أفكاره بصدد ما يسميه «عصور الظلام العثمانية» وما جلبته من «تخلف حضاري» و«عزلة تامة بين العالم العربي والعالم الخارجي».
بين تلك التساؤلات هذه الطائفة: من كان الدكتور كلوت بك؟ وكيف انتهى به المطاف في مصر؟ لماذا أوكل إليه محمد علي مهمة إنشاء مدرسة للطب؟ وإذا كان الهدف هو إنشاء فيلق طبي للجيش الحديث الذي أنشأه الباشا، أفلم يكن من الأيسر والأقل تكلفة أن يدعو كلوت بك بعضاً من أبناء بلده فرنسا، للانضمام إليه في مصر؟ هل كان كلوت بك على حق في رؤيته أن معارضة نظرائه المصريين للتشريح التعليمي كانت تقوم على أساس الدين والعقيدة؟ هل آمن المشايخ الذين تواصل معهم حقاً أنّ الجثث تشعر بالألم، أم أنه كانت لديهم أسباب أخرى لمعارضة التشريح التعليمي؟ وفي ضوء أنّ دروس التشريح تلك لم تكن حدثاً طارئاً وإنما كانت دروساً تُلقى بانتظام في مدرسة طب كان فيها بالتأكيد أساتذة آخرون يدرّسون فروعاً أخرى من علوم الطب، فمن كان أولئك الأساتذة الآخرون؟ هل شاركوا كلوت بك إيمانه بـ«مهمته التنويرية»؟ وهل كان الطلاب يوافقون أستاذهم في إيمانه بأنّ العلم والدين يمثلان مجالي فكر مختلفين ومتمايزين، أم أنهم كانوا في صفّ الأطباء الإغريق والمسلمين الذين نُقشت أسماؤهم في جدران مدرج مدرسة الطب (جالينوس وجابر بن حيان وأبقراط وابن البيطار) في رفضهم لهذا التمييز الثنائي؟
وهكذا فإن كتاب فهمي يحاول الرد على تلك الأسئلة بأن «يجعل الجسد الإنساني بؤرة لتركيزه ووحدة لتحليله»، ويتساءل: «كيف يمكن دراسة عمليتي التشريح التعليمي والتشريح الجنائي كوسيلة لإعادة النظر في كامل مفهوم الحداثة عندما يتجلى في سياق غير غربي؟». لهذا فإنّ الكتاب ينطلق «من تاريخ الجسد إلى تاريخ مشروع التحديث في القرن التاسع عشر المعروف باسم النهضة، ويدرس عمليات التشريح التعليمي والتشريح الجنائي والكشف على الأموات وإجراءات الدفن، والحجر الصحي، والتطعيم ضد الجدري، والتعذيب القانوني، كسُبل لفهم كيف رأى عامة المصريين تلك النهضة وكيف تعاملوا وتفاعلوا معها».
وبالعودة إلى مدارس التأريخ المصرية، يشير فهمي إلى مدرسة ترى أن محمد علي كان يطمح لبناء جسور تصل مصر بأوروبا، وأنه كان ينفذ خطة طموح مدروسة غايتها اللحاق بأوروبا لتحقيق هدف التجديد القومي. لكن تلك الخطة أجهضتها المؤامرات الإمبريالية الغربية، ووقعت كذلك ضحية خطئها القاتل المتمثل في أسلوب التحديث «من أعلى»، والذي أدى عملياً إلى استبعاد المواطنين من الحكم، وقصر هدف الإصلاحات التعليمية وغيرها على تخريج الموظفين والتكنوقراط الذين تحتاجهم الحكومة لتسيير أعمالها. وبالتالي فإن طَرق الغرب لأبواب مصر للمرة الثانية لم يؤدّ ــ خلافاً للمرّة الأولى مع حملة بونابرت في نهاية القرن الثامن عشر ــ إلى نهضة وطنية، وذلك «لغياب قاعدة اجتماعية ذات مصلحة حقيقة في الدفاع عن إصلاحات محمد علي».
والكتاب، استطراداً، يولي اهتماماً كبيراً لدراسة دوافع محمد علي باشا لإنشاء مدرسة طبية في مصر، ويتمعن مدققاً في كتابات كلوت بك وتلاميذه المصريين، لكن فهمي ــ خلافاً لتلك المدرسة التأريخية ــ يجعل بؤرة تركيزه تنصب على متابعة رد فعل المصريين، من كل مناحي الحياة، على الابتكارات العديدة التي شهدها مجتمعهم خلال العقود الوسيطة من القرن التاسع عشر. ومن خلال التركيز على الإصلاحات الطبية والقانونية والإصلاحات المتصلة بالصحة العامة، يطرح الكتاب تساؤلات عن الفهم الراهن للحداثة المصرية، وكيف يمكن أن يتغير هذا الفهم لو دُرست تلك الحداثة عن طريق «إلقاء نظرة متفحصة على المدافن والسلخانات والمستنقعات بدلاً من التركيز على المدارس والصحف والمطبوعات».
فصول الكتاب الخمسة تحمل عناوين لا يخلو بعضها من طرافة، مثل «الأنف تروي قصة مدينة»، الفصل الذي يستعيد حكاية حاسة الشمّ لدى كلب عثر على جنين مدفون في التراب، وأطلق سيرورة طبية وقضائية معقدة. ولا يتردد فهمي في تسجيل التعليق التالي على الواقعة: «لقد اعتاد مؤرخو القاهرة الحديثة، بإعلائهم شأن حاسة البصر وإعطائها مكانة متفوقة على شمّ الروائح، على نفي أي دور لحاسة الشمّ والروائح الكريهة التي اتسمت بها المدينة التي يكتبون عنها في سردياتهم العديدة». والحكاية ذاتها توفّر للمؤرّخ الحصيف فرصة استعراض تحليلي ونقدي للمقارنات البصرية والمعمارية بين القاهرة وباريس، عند أمثال رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك (صاحب الوصف الشهير لمجاري باريس كما خطط لها هوسمان)، خلال عهد الخديوي إسماعيل الذي حكم من 1863 إلى 1879 حين خلعه السلطان العثماني بضغط كل من إنكلترا وفرنسا.
وبين ألمع سجالات فهمي في كتابه هذا أنه يناقش أطروحة «الطبّ الكولونيالي» وطبيعة اقترانها مع، أو انفصامها عن، فكرة التفوق الأوروبي. فالسردية التاريخية المصرية تصوّر كلوت بك ومحمد علي باشا كرجلين «يدفعهما حماس إنساني نبيل لوضع حدّ للجهل والشعوذة والجمود التي التي عاشتها مصر لقرون طويلة». ذلك يثير عند فهمي تساؤلاً عما إذا كان وصف مشفى قصر العيني بأنه «مؤسسة طبية كولونيالية» وصفاً دقيقاً، والتساؤل أيضاً إذا كان من الصواب النظر إلى كلوت بك كـ»مسؤول كولونيالي»، أو وصف الطبّ الذي استحدثه في مصر بأنه «طبّ كولونيالي». والمؤرّخ الحصيف يفضّل العودة إلى التكنولوجيا، والطبّ في عدادها، وكيف كانت إحدى أهمّ الأدوات في نجاح الغزو الأوروبي لمناطق واسعة من العالم في القرن التاسع عشر.
ويبقى أن الخيارات المنهجية في كتاب فهمي تميل إلى وضع التحولات الفكرية والمفاهيمية في سياقها المؤسسي، خاصة وأنّ إحدى الفرضيات الأساسية للكتاب هي أن تطورات مصر في القرن التاسع عشر لا يمكن فهمها إذا اقتصر الاهتمام بها على دراسة علاقة مصر بأوروبا، بل يجب التمعن أيضاً في السياق العثماني الأوسع الذي شهد الكثير من تلك الإصلاحات.
خالد فهمي: «السعي للعدالة»
ترجمة حسام فخر
دار الشروق، القاهرة 2022
539 صفحة.