إسرائيل إزاء “حزام” الضفة الغربية.. بين عباس “اللطيف” و”حماستان”

حجم الخط
5

تحولت دولة إسرائيل في العقود الأخيرة، وهذا ليس سراً، إلى دولة يمينية. التغيير الأساسي الذي أدى إلى ذلك هو تجذر نظرية “لا يوجد شريك”، أي أنه لا توجد فرصة لإجراء مفاوضات للسلام، لأن الطرف الآخر لا يريد السلام. هذه النظرية ليست من نصيب اليمين فقط، بل اليسار أيضاً يؤمن بذلك. وحتى رئيس الحكومة، يئير لبيد، في خطابه في الأمم المتحدة، الخطاب الذي يظهر للوهلة الأولى بأنه متسامح ويسعى للسلام، قال أموراً بهذه الروحية. “الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين تؤيد حلم حل الدولتين. أنا أحدهم. لنا شرط واحد، وهو أن تكون الدولة الفلسطينية المستقبلية محبة السلام، بحيث ألا تتحول إلى قاعدة أخرى للإرهاب يهددون من خلالها سلامة إسرائيل ووجودها”. أي أن لبيد عاد وشكك في قدرتنا على التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين لأنهم ليسوا صادقين ولا يريدون السلام. عملياً، هو حافظ على فرضية “لا يوجد شريك”.
إن تخيل “لا يوجد شريك” يعكس خيبة أمل إسرائيل من اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين الذي أدى إلى اندلاع الانتفاضة الثانية، وخيبة أمل من الانسحاب من غزة الذي أدى إلى صعود حماس والهجمات المتكررة على دولة إسرائيل. وثمة خوف أن أي اتفاق سلام يشمل الانسحاب من “المناطق” [الضفة الغربية] سيؤدي بالضرورة إلى إقامة دولة “حماستان”، التي ستهاجم مدن إسرائيل بالصواريخ. أثبت الفلسطينيون أنفسهم بأنهم غير موثوقين وكارهين لإسرائيل، وبعد مرتين من إعطائهم الفرصة، لا سبب لإعطائهم الثالثة.
في مقولة بين قوسين، ثمة مغالطة أساسية لهذا الادعاء. فإذا رفضت إسرائيل التفاوض مع الفلسطينيين لأنهم غير شركاء فلن يكونوا بالتأكيد شركاء في يوم الأيام. وهذه نبوءة تجسد نفسها. هذا الفشل يصرخ بشكل خاص في حالة محمود عباس، الذي أثبت خلال عقدين من وجوده كرئيس للسلطة الفلسطينية، بأنه شريك جدي، بالتعاون الأمني لأجهزة السلطة مع إسرائيل ومعارضته للعنف ضدنا. صحيح أن عباس ينكر الكارثة ويدعم عائلات الإرهابيين، وصحيح أن مدارس “المناطق” تواصل التعليم ضد دولة إسرائيل، فلا شك أن محمود عباس غير لطيف، لكن يجب التذكر بأن السلام يصنع مع الأعداء، غير اللطيفين، فلو كانوا لطيفين لما كانوا أعداءنا.
بعد خيبات الأمل القوية أمام الفلسطينيين، علينا مواجهة إمكانية أنه لا يوجد شريك حقاً، وأن الفلسطينيين لن يكونوا ناضجين للاعتراف بوجود دولة إسرائيل. هذا ليس واقعاً جديداً بالنسبة لإسرائيل. فمنذ إقامة الدولة وحتى التوقيع على اتفاق السلام مع مصر في العام 1979 وإسرائيل تتصرف في واقع “عدم وجود شريك”. إن مواجهتها مع هذا الواقع طوال هذه السنين كانت من أجل الدفاع عن نفسها عن طريق الحروب. وكانت الانعطافة في 1967 عندما ولدت سياسة جديدة تتمثل بحزام أمني: الدفاع عن أنفسنا بواسطة احتلال مناطق الأعداء.
عملياً، التحليل التاريخي سيعلمنا بأن إسرائيل دافعت عن نفسها من حدود دول أخرى. فقد فعلت ذلك في 1948 عند احتلال مناطق الدولة الفلسطينية التي كانت في خطة التقسيم. وقد كررت ذلك في 1956 عند احتلال شبه جزيرة سيناء في عملية “كديش”. وفي 1967 تم احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان. في 1982 تم احتلال جنوب لبنان، كانت هذه المرة الأولى التي حددنا فيها استراتيجية الدفاع بواسطة الاحتلال، واستراتيجية الحزام الأمني.

بالاجمال، قمنا باحتلال ستة أحزمة أمنية خلال هذه السنين، لكننا تنازلنا عن خمسة منها. في العام 1948 قمنا بالخطوة الديمقراطية المطلوبة، وقمنا بضم مناطق خطة التقسيم لدولة إسرائيل وحولنا الفلسطينيين المحتلين إلى مواطنين في دولة إسرائيل. انسحبنا من الحزام الأمني في سيناء مرتين، مرة بدون اتفاق (1956) ومرة مقابل اتفاق السلام مع مصر (1982). في هضبة الجولان تحركنا وقدمنا اقتراحاً لإعطاء الحقوق المدنية للدروز الذين يعيشون هناك. وانسحبنا من الأحزمة الأمنية في قطاع غزة ولبنان بدون اتفاق، مع المخاطرة باندلاع حرب، وهذا ما حدث بالفعل.
اتفاق السلام مع مصر كان الحالة الوحيدة التي نجحت فيها استراتيجية الحزام الأمني، وحصلنا على السلام مقابل مناطق محتلة. في الحالات الأخرى، أدركت إسرائيل أن هذه الاستراتيجية غير ناجحة وتنازلت عنها. في جميع هذه الحالات، حدث أن إسرائيل فهمت حدود قوتها. في لبنان وغزة كان ذلك حدود القوة العسكرية، تبين أن الاحتلال يجبي منا ثمناً أمنياً باهظاً، وفضلنا العودة إلى التكتيك القديم والجيد للدفاع عن أنفسنا من حدودنا بواسطة الحروب.
في خطة التقسيم، أيضاً في هضبة الجولان، كان هذا استيعاباً أعمق للحدود التي تسري على دولة ديمقراطية، والتي لا يمكنها ببساطة التصرف كدولة محتلة. إن ضم نحو 150 – 200 ألف فلسطيني لدولة كان عدد سكانها نحو 600 ألف يهودي فقط، كان بالتأكيد خطوة تنطوي عليها مخاطرة كبيرة، لكن دافيد بن غوريون لم يخطر بباله إقامة إسرائيل كدولة محتلة. كان من الواضح له أن على إسرائيل أن تكون دولة ديمقراطية، كل مواطنيها متساوون (حل هذه المعضلة بالنسبة له كان فرض الحكم العسكري على عرب إسرائيل وليس الاحتلال).
من جميع الأحزمة الأمنية بقي حزام “المناطق”، وقد يستمر. في نهاية المطاف، لا ننوي الانسحاب من “المناطق” ما دام الفلسطينيون غير شركاء، ولأننا لا نؤمن بأنهم قادرون على أن يكونوا شركاء (حتى نحن لا نحاول إجراء مفاوضات معهم لاختبار ذلك)، وفي نهاية المطاف لن نبقى في “المناطق” إلى الأبد.
هناك تفسيران محتملان حول “لماذا يعد الحزام الأمني لـ”المناطق” تحديداً هو الذي يهدد بالبقاء وإلى الأبد؟ التفسير الأول هو أن “المناطق”، خلافاً للأحزمة الأمنية الأخرى التي قمنا باحتلالها، ليست حزاماً أمنياً بل جزء من أرض إسرائيل. وكما هو معروف، فان أرض إسرائيل وتوراة إسرائيل هي لشعب إسرائيل. لذلك، المناطق ليست “مناطق”، بل هي “يهودا والسامرة”، وهي لم يتم احتلالها بل تم تحريرها. ولكن السياسة المنبثقة عن هذا التفسير هي الإعلان عن مناطق “يهودا والسامرة” كجزء من دولة إسرائيل، وضمها كما فعلنا في 1948؛ إما أن تعود “يهودا والسامرة” لنا وعندها يجب أن تكون جزءاً من دولة إسرائيل، أو أنها لا تعود لنا وعندها ليس لنا ما نبحث عنه هناك. على أي حال، أن نبقى في “المناطق” بذريعة أنها جزء من أرض إسرائيل الكاملة، ولكن الامتناع عن توسيع البلاد، فهذا أمر مستحيل وسخيف.
التفسير الثاني هو أن الحزام الأمني لـ”المناطق” هو الأكثر أهمية من ناحية أمنية بسبب المكانة الجغرافية في وسط إسرائيل. أي أننا لا نستطيع المخاطرة بالانسحاب الذي سينتهي بحرب كما حدث في شبه جزيرة سيناء (1956) وفي قطاع غزة ولبنان. هذا تفسير مهم، لكن يصعب الاقتناع بأن جيب “المناطق”، المحاط بدولة إسرائيل وبدولة عربية لنا معها اتفاق سلام ثابت (الأردن)، قد يعرض إسرائيل للخطر أكثر من مئات آلاف الصواريخ التي بحوزة “حزب الله”. لا ريب أن حرباً دائمة أمام “المناطق”، كما نراه في حالة غزة، ما هو إلا سيناريو سيئ جداً. ولكن هناك شك إذا كان هذا هو السيناريو الذي يعرض وجود دولة إسرائيل للخطر. عشنا مع سيناريو مشابه حتى 1967، ويمكننا العيش مع مثل هذا السيناريو الآن، في وقت نحن فيه أقوى بكثير، ولنا اتفاقات سلام مع دول عربية.
عملياً، يوجد مكان للشك بأن العكس هو الصحيح؛ فالحزام الأمني في “المناطق” يهدد بالبقاء إلى الأبد؛ ليس لأن الخطر الأمني للانسحاب منه هو الأكبر، بل لأنه الخطر الأصغر. في لبنان وغزة دفعنا ثمناً باهظاً للاحتلال، حتى تعلمنا بأن تكون محتلاً فهذا أمر غير مريح، وانسحبنا. في المناطق المحتلة يعد هذا أمراً سهلاً، لا يجبي منا ثمناً أمنياً باهظاً، سياسياً أو اقتصادياً. لذلك، من الأسهل لنا مواصلة الاحتلال. وهذا يفسر لماذا تعلن “الصهيونية الدينية” عن “يهودا والسامرة “بأنها جزء من أرض إسرائيل الكاملة، لكنها لا تعمل على ضم هذه المناطق لدولة إسرائيل مع إعطاء حقوق المواطنة للفلسطينيين. إذا كان يمكن السيطرة وعدم إعطاء المواطنة، فلماذا نكلف أنفسنا عناء ذلك؟
الحقيقة الصعبة هي أن الحزام الأمني في “المناطق” ما زال موجوداً منذ 55 سنة، ويبدو أنه باق إلى الأبد؛ فهو المريح لنا. هذا هو السبب بأن ادعاء “لا يوجد شريك” أصبح ادعاء مشروعاً جدا، وجر كل إسرائيل نحو اليمين؛ لأنه الذريعة المثالية لمواصلة الاحتلال المريح. ما دام الاحتلال مريحاً فلن يتغير أيضاً. عملياً، نحن نقرب الفلسطينيين من البدء بانتفاضة ثالثة، لأن إسرائيل إذا دفعت ثمناً للاحتلال، كما دفعت في لبنان، فسوف تعيد النظر في هذه الاستراتيجية. اليهود، كما يبدو، لا يفهمون سوى لغة القوة. ورؤية “لا يوجد شريك” هي خطأ استراتيجي وجودي لإسرائيل، ليس لأنها غير صحيحة. أولاً، هذا الادعاء يحث الفلسطينيين على استخدام العنف ضدنا. ثانياً، بهذه الذريعة، نرتكب الخطأ الاستراتيجي الأصعب الذي تجنبه بن غوريون في 1948: دولة محتلة لا يمكن أن تعتبر ديمقراطية، وإذا كنا ننوي البقاء في “المناطق” [الضفة الغربية] إلى الأبد، فلن نكون أكثر ديمقراطية.
البدائل التي شاهدها بن غوريون أمام ناظريه في 1948 لم تتغير، ودولة إسرائيل نفسها أدركت ذلك في الأحزمة الأمنية الخمسة السابقة: دولة ديمقراطية تدافع عن نفسها بواسطة الضم أو بواسطة حروب من داخل حدودها. وحقيقة عدم وجود شريك لا تؤثر بأي شكل من الأشكال على الحاجة إلى هذين البديلين، فهما كانا وسيبقيان البديلين الصحيحين.
بقلم: ميراف ارلوزوروف
هآرتس 1/11/2022

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية