من عمليات التهجير عام 1948
الناصرة- “القدس العربي”: لم تتوقف الصهيونية عن ارتكاب مجازر بحق الفلسطينيين حتى بعد قيام إسرائيل في مايو/أيار غداة نكبة 1948 حيث استكملت الأخيرة عمليات التطهير العرقي وفي مثل هذا اليوم كان قد تم تهجير المدينتين الشقيقتين الجارتين اللد والرملة سبقته مجزرة مروعة اقترفها جنود الهغاناه داخل مسجد دهمش ضمن “عملية داني”.
وقد بلغ عدد ضحايا تلك المجزرة أكثر من 400 شخص، بينما اضطر الناجون إلى اللجوء خارج مدينتهم وكانت مأساة المدينتين وطوابير المهجرين النازفين في الطرقات إلى الضفة الغربية خاصة رام الله ملهمة لعدة نتاجات أدبية وفنية لكتاب وفنانين فلسطينيين وعرب. وكانت الهدنة الأولى التي أُعلنت في فلسطين في 11 حزيران/ يونيو 1948 لمدة شهر فرصة للإسرائيليين لاستكمال مخططات احتلال المدن والقرى الفلسطينية وتهجير سكانها، وكانت مدينتا اللد والرملة الهدف القادم.
بين انتهاء الهدنة الأولى في 9 تموز/ يوليو وبداية الثانية في 18 تموز، وقعت مذبحة اللد فأُضيفت إلى سلسلة المذابح التي حفلت بها حرب فلسطين. واللافت وقوع المذبحة على مرحلتين: الأولى عند احتلال المدينة، والثانية خلال عملية الطرد الجماعي والتي تعتبر من أكبر عمليات التطهير العرقي (“الترانسفير”) التي نفذها الإسرائيليون.
اقترن اسم اللد بمدينة الرملة، فهما توأمان، تقعان في وسط فلسطين تقريبا، وتبعد الواحدة عن الأُخرى نحو 3 كم فقط وبحسب قرار التقسيم كانت منطقة اللد – الرملة ضمن الدولة العربية. وقد واجهت المدينتان مصيرا مشتركا في تموز/ يوليو 1948 عندما احتلتهما القوات الصهيونية ويؤكد المؤرخون الإسرائيليون الجدد أيضا الرواية الفلسطينية حول التطهير ومن أبرزهم المؤرخ بيني موريس الذي يورد في كتابه “حرب 1948“ كيف أمر بن غوريون بالإشارة لإسحق رابين ويغئال يادين بعدم الاكتفاء باحتلال اللد والرملة والعمل لطرد سكانهما.
وتشير مؤسسة الدراسات الفلسطينية في هذا المضمار أنه بين أواخر نيسان/ أبريل ومنتصف أيار/ مايو سقطت مدينة يافا وقراها وهُجر سكانها فلجأ آلاف منهم إلى اللد ما أدى إلى اكتظاظ اللد والرملة بالمهجرين. وتوضح أن استشهاد حسن سلامة قائد قوات جيش الجهاد المقدس في المنطقة، في معركة رأس العين في أواخر نيسان/ أبريل ترك أثرا سلبيا في معنويات السكان فبعد احتلال رأس العين، تم عزل منطقة اللد – الرملة عن المثلث الفلسطيني، وإغلاق الطريق أمام الإمدادات الغذائية.
بعد دخول الجيوش العربية إلى فلسطين لدى انتهاء الانتداب البريطاني في 15 أيار/ مايو، تمركزت سرية من الجيش الأردني في منطقة بين اللد والرملة، وتبين لقائد السرية أن المدينتين لا يمكنهما الصمود أمام هجمات الصهيونيين بالدبابات والمدفعية إلا فترة زمنية محدودة، بالإضافة إلى النقص في التنظيم والتدريب وهكذا انسحبت السرية عند بدء الهجوم الإسرائيلي على اللد في تموز/ يوليو.
في المقابل كان أهالي اللد يستعدون لمواجهة الهجوم الإسرائيلي، فألفوا لجنة قومية، وأُخرى عسكرية، وصحية، ولجنة من تجار المدينة. في إطار تخفيف الضغط عن مدينة القدس شبه المحاصرة عن طريق تأمين طريق تل أبيب – القدس، قررت القيادة الإسرائيلية أنه لا بد من احتلال اللد والرملة واللطرون والمرتفعات شمالي الطريق بما فيها رام الله، فوضعت أكثر من خطة في سبيل ذلك. ومنها خطة داني، تيمنا باسم ضابط في “القوى الضاربة” لـ”الهغاناه”(البالماح) قُتل في كانون الثاني/ يناير 1948، وهي الخطة الأخيرة التي جرى تبنيها وحُددت ليلة 9-10 تموز تاريخا لانطلاقها من مستعمرة بن شيمن.
في صباح 11 تموز ألقت الطائرات الإسرائيلية منشورات دعت الأهالي إلى التسليم ومغادرة المدينة قبل أن تسقط على رؤوسهم، وظهرا بدأ الإسرائيليون هجومهم على اللد من الناحية الشرقية عند قرية دانيال، وتمكن المدافعون عن المدينة من صد الهجوم بعد معركة عنيفة. ورغم الخسائر الكبيرة التي ألحقها المدافعون بالقوات المعادية، فإن عتادهم القليل نفد، الأمر الذي مكن الصهيونيين من شن هجوم جديد بدعم من المدرعات ودخول المدينة مساء، فبدأوا بإطلاق النار عشوائيا.
وفي اليوم الثاني للهجوم في 12 تموز، تمركز الإسرائيليون حول وسط المدينة. ومع أن اللد لم تستسلم، وأن عمليات المقاومة المتفرقة بإمكانات متواضعة استمرت، إلا إن الإسرائيليين تمكنوا من السيطرة على المدينة، فاحتجزوا عشرات المدنيين ودعوا السكان الذكور إلى التجمع في الجامع الكبير وفي جامع دهمش والكنائس وفرضوا حظر تجول في المدينة.
وكانت المفارقة عندما أرسلت القيادة الأردنية قوة مدرعات للتثبت من حقيقة الموقف في اللد، فظن الأهالي أنها مقدمة لقوة أكبر قادمة لشن هجوم معاكس وإنقاذ المدينة، فتشجعوا وراحوا يهاجمون القوات الصهيونية ولا سيما من الناحية الشمالية حيث دخلت المدرعات الأردنية. لكن المفاجأة كانت في انسحاب المدرعات الأردنية بعد وقت قصير، فاضطر المقاومون الذين تحصنوا في مركز الشرطة إلى الانسحاب نحو الجبال، بعد أن نفدت ذخيرتهم، فكانت النتيجة زيادة في بطش الإسرائيليين الذين راحوا ينتقمون من سكان المدينة متذرعين بالرد على مقتل عدد من جنودهم.
لم تقتصر مأساة اللد على عمليات القتل العشوائي ومذبحة المسجد، إذ في اليوم نفسه، 12 تموز، اتخذ قرار إسرائيلي، بحسب المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس، بطرد جميع السكان من مدينة اللد. فلدى سؤال وجهه قائد البلماخ يغآل ألون إلى دافيد بن–غوريون عن مصير سكان اللد والرملة، أجاب الأخير، مع إشارة مزدرية وحازمة من يده، “اطردوهم”. ومباشرة بعد ذلك، قام يتسحاق رابين، قائد عملية داني، بتوقيع أمر عسكري تضمن الآتي: “يجب طرد سكان اللد بسرعة دون الالتفات إلى السن”.
وفي اليوم التالي، في 13 تموز، أجبر الجنود الإسرائيليون سكان اللد (والبلدات المجاورة بما فيها الرملة) البالغ عددهم نحو 70 ألفا على الخروج من المدينة خلال نصف ساعة وسلوك طريق وعرة للوصول إلى رام الله، فقضى المئات في الطريق بسبب العطش والجفاف والتعب إذ كانت رحلة الخروج شديدة القسوة والهول.
فقد مشى الفلسطينيون في طريق الموت في صف طويل، بينما كانت طائرة عسكرية إسرائيلية صغيرة تحلق فوق رؤوسهم على علو منخفض لإرغامهم على مواصلة الرحيل. ويورد موريس، على لسان ضابط المخابرات شماريا غوتمان: “أعداد غفيرة من السكان يمشون الواحد تلو الآخر. النساء مثقلات بأحمال على رؤوسهن، والأمهات يجررن أطفالهن، وبين حين وآخر تُسمع أصوات طلقات تحذيرية، وبين حين وآخر تواجهك نظرة خارقة من أحد الشبان في الطابور، نظرة تقول: لم نستسلم بعد، سنعود لنقاتلكم”.
وتختصر شهادات فلسطينية مشهد المأساة، منها ثلاث تعود إلى شخصيات سيكون لها شأن على المستوى الوطني: إسماعيل شموط، الفنان التشكيلي؛ رجائي بوصيلة، الأستاذ الجامعي في الولايات المتحدة؛ جورج حبش، الذي قاد حركة القوميين العرب ثم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فترة طويلة.
يروي إسماعيل شموط، الذي كان في الثامنة عشرة عندما نزح مع أهله من اللد، قصة معاناته في طابور الموت (حيث توفي أخوه عطشا) أُجبر الآلاف على المسير تحت شمس تموز الحارقة، لا يعرفون إلى أين هم ذاهبون، لكن العطش كان قاسما مشتركا بينهم جميعا. وربما كان محظوظا عندما رأى بعض الماء، فهرع ليملأ وعاء كان يحمله. وفي تلك اللحظة يظهر جيب عسكري على متنه ثلاثة جنود. أحدهم، ضابط، يصوب بندقيته إلى رأسه ويأمره بوضع الماء جانبا ولم يكن أمامه من خيار سوى الطاعة. لكنه يتمكن في النهاية من الحصول على بعض الماء بعيدا عن أعين الجنود. رغم أن الماء كان قذرا وملوثا، فإنه يشرب بعضا منه، ويبلل ثيابه بهذا السائل الشبيه بالماء. وعندما يحاول اللحاق بعائلته، تتبعه مجموعة من العطشى أملا في الحصول على السائل الثمين، حتى أن إحدى النسوة تعصر قميصه المبلل لتحصل على بعض قطرات. ولن ينسَ شموط مشهد الآلاف وهم يمضغون الحشائش للحصول على السوائل، بينما يضطر آخرون إلى شرب البول. وعلى جانب الطريق نساء حوامل يلدن أطفالا لم تكن لديهم أية فرصة في النجاة، فيكتفي الناس بتغطية الجثث بالأعشاب وتركها خلفهم.
معتمدا على حاسة السمع يحكي رجائي بصيلة، الفتى الضرير، قصة الخروج من اللد: كان اليهود متمركزين هنا وهناك مزودين بمكبرات الصوت والبنادق المعمرة والجاهزة. أحد هذه المكبرات كان يكرر أنه من الأفضل لنا أن نرحل كي نتفادى ما جرى في المسجد…. ثم وجهونا بسرعة خارج الطريق الرئيسي، وأمرونا بالسير في طريق، إذا صحت هذه التسمية…. في الواقع، كان هذا طريقا مرة، ومسارا مرة أُخرى، ثم لا شيء سوى صخور وحجر وتلال ووديان وأدغال وشوك…. ولفترة طويلة، لم نكن نعلم إلى أين نتجه…. لكن الحركة العامة للناس كانت في اتجاه الشرق ونحو أراضٍ أكثر ارتفاعا. أما الجنود اليهود، فقد انتشروا على مسافة ساعتين من المدينة ليتأكدوا من أن الموكب يواصل تحركه، وكانوا يطلقون النار معظم الوقت في الهواء….، الأمر الذي كان يزيد ويسرع في وتيرة خوفنا وهلعنا.
ويتابع في شهادته المروعة “من حين إلى آخر، كانوا يلجأون إلى أعقاب البنادق مطلقين الشتائم بالعربية، ثم يقومون بالتفتيش والسرقة، وقد وجدوا الكثير، نقودا وذهبا وجواهر وساعات وأقلام حبر. لقد سمعت في ذاك النهار ولاحقا روايات كثيرة… عن شحمات آذان قُطعت مع الأقراط، وأصابع بُترت مع الخواتم، وأيادٍ وحتى أذرع مع الأساور. وسمعت عن شبان دفعوا حياتهم ببساطة لأنهم يملكون وسامة الشكل، أو لأنهم يتمتعون بطول القامة أو قوة العضلات”.
أما جورج حبش، طالب الطب العائد من الجامعة الأمريكية في بيروت ليكون مع عائلته في اللد، فيتذكر المشهد بالقول: “كنا نمشي، كان يوما حارا، من أيام شهر رمضان، كان بعض من حولنا يقول هذا هو يوم القيامة، وآخرون يقولون: هذه جهنم. وصلنا إلى آخر البلدة حيث أُقيم مركز يهودي كبير لتفتيش المغادرين، لم يكن معنا أي سلاح، ويبدو أن ابن جارنا واسمه أمين حنحن كان يخبئ بعض المال فلم يقبل أن يفتشوه. عندها أطلق جندي صهيوني النار عليه أمامنا فقتله. واندفعت والدته وشقيقته نحوه وقد علا نحيبهما. ستشكل هذه المعاناة نقطة تحول في حياته. لم أنسَ، وأقسمت يومها على الانتقام لمأساة شعبي”.