أكرم سكالا، عضو مجلس بلدية اللد، يأتي في كل يومين أو ثلاثة أيام إلى حي “رمات اشكول” وهو يحمل كومة ثقيلة من اللافتات الصفراء المكتوب عليها بالعبرية والعربية “مش خاتم”. دس في جيوبه الخلفية منشورات تشرح معنى اللافتات الصفراء ورزمة الأصفاد الصغيرة. قبل شهر تقريباً، قرر المرور على كل مبنى لإقناع السكان العرب بمعارضة مشروع التحديث البلدي الذي تقوده البلدية في منطقتهم، البلدة القديمة. ستطبق المعارضة المأمولة في مرحلتين، في البداية تعليق اللافتة على نافذة واجهة البيت، وبعد ذلك رفض التوقيع على اتفاق الإخلاء – بناء. هكذا يعتقد سكالا بأنه سيضمن بقاء السكان العرب في الحي المتنازع عليه في اللد.
يجب الاعتراف بأن “رمات اشكول” بحاجة إلى تحديث بلدي بشكل مستعجل. مباني القطار التي يتكون كل منها من أربعة طوابق بالية ومهملة. الأطفال يركضون في بيت الدرج القذر واللزج، ويصعدون وينزلون من البيت المكتظ إلى الطابق السفلي المهمل ويعودون ثانية. وإذا لم يكن هذا كافياً. حي فقير يضم 64 في المئة عرباً و36 في المئة يهوداً. “هناك هدوء متوتر في اللد، قد يتوقف في أي لحظة”، قال رئيس البلدية يئير رفيفو داخل الكنيست هذا الشهر. “كل خيمة هدمت في عيد العرش قد تشعل المدينة، وكل رمي حجر من فوق الجسور قد يشعل المدينة”.
رغم كل ذلك، فإن مستقبل اللد واعد. هذا ليس تصريحاً متفائلاً للشخصيات الكبيرة في البلدية، بل هو موقف رسمي لدولة إسرائيل. بعد عقد من اللجان التي عقدت، ارتبطت البلدية بشكل جيد بالجهات الحكومية، ومعهم ومن الميزانيات. في العام 2017 تم التوقيع على اتفاق استراتيجي لتطوير البلدية بين الحكومة والبلدية بمبلغ 6.9 مليار شيكل. “اللد مدينة يريد الجميع الخير لها، سواء اليهود أو العرب”، قال مصدر مطلع على مخططات الحكومة. “لا أحد سيعارض أن يكون الوضع في هذه المدينة أفضل”.
حسب معطيات الشركة الاقتصادية “اللد”، فإن 80 في المئة من المباني السكنية في المدينة يتم شملها في خطط تحديث البلدية التي تمت المصادقة عليها. المنطقة الأبرز إزاء وضعها الحالي هي “رمات اشكول” والبلدة القديمة (342 دونماً). ضمن الخطة المعدة لهذه المنطقة التي صادقت عليها وزارة المالية قبل سنتين تقريباً، من المتوقع أن تزيد عدد الشقق بصورة دراماتيكية، من 2200 إلى 5200 شقة، وسيتم هدم مباني القطار، لتبنى مبان متعددة الطوابق (حتى 25 طابقاً)، والتي ستجذب للمدينة والحي سكاناً جدداً.
يخاف سكالا من ذلك بالتحديد. الفائدة التي يأملها رئيس البلدية تعتبر لعنة بالنسبة له. وحسب قوله، بالنسبة لـ 99 في المئة من سكان الحي العرب. “لماذا يحضرون آخرين إلى هنا؟ لماذا لا يعززون الموجودين هنا قبل أي شيء؟”، قال سكالا. “لن يأتي العرب إلى هنا. هل سمعتم ذات يوم عن أي عرب نقلوا مكان سكنهم بالآلاف؟ العربي يبقى حيثما ولد. هم (البلدية) يعرفون أن كل مبنى متعدد الطوابق سيتحول في نهاية الأمر إلى مستوطنة صغيرة”.
إنك في الحقيقة تريد منهم البقاء في ظروف حياتهم الحالية لئلا يأتي سكان لا تريدونهم.
“لا. لن يبقى السكان في هذا الوضع بعد مئة سنة. ستكون لهم فرصة أفضل لتحسين المبنى في القريب، لا ليصبح 20 طابقاً بل 8 طوابق تناسب طابع البلدة القديمة، وسيكون حق الأولوية لكل ساكن في المبنى. ببساطة، لا ثقة بأن سيكون المشروع الحالي لصالح الناس. لقد سمعنا الكثير من الوعود في حياتنا، ولم يتم الوفاء في الكثير منها. وبعد الاضطرابات فتحنا عيوننا”.
كل شخصية كبيرة في البلدية تحدثت معها “هآرتس” حول الموضوع، نفت هذه الادعاءات كلياً. وأشارت هذه الشخصيات الكبيرة إلى أنه -حسب القانون- لا يمكن منع شخص من بيع أو شراء شقة. بالعكس، كل يهودي يختار ذلك يمكنه شراء شقة بدون أن يكون للسلطات أي تدخل. مع ذلك، قالت البلدية “في كل منشأة هناك بيع مسبق لسكان المكان بشروط تفضيلية بهدف تمكين العائلات الأصلية من تحسين مستوى حياتها”. المعنى هو أن “رمات اشكول” ستبقى مختلطة حتى بعد المشروع. ولكن من المرجح أن يؤدي المشروع بالضرورة إلى تغيير التركيبة السكانية وستصبح أكثرية يهودية على مر السنين.
“لم أعد أصدق شيئاً”
حتى لو علق على عدد غير قليل من المباني في الحي لافتات “مش خاتم”، فإن محادثة مع عابر طريق عربي في “رمات اشكول” تثير الشك فيما يتعلق بالمركزية التي يحظى بها هذا الاحتجاج. معظمهم سمعوا عنه وعن المشروع، لكنهم غير مطلعين على التفاصيل. آخرون لم يسمعوا عنه. من يعارضون الاحتجاج يعتبرونه دليلاً على هامشيته، لكن البلدية ترفض إعطاء أي معلومات تؤيد هذا الادعاء. قال قادة الاحتجاج بأنه -حسب تسجيلاتهم- تبدو الاستجابة “شبه مطلقة”. ويرفضون إعطاء أي بيانات. الطرفان يعدان بأن تجنيد الناس، سواء للتوقيع أو الاحتجاج، ما زال في بدايته.
في اثنين من المباني على الأقل قرب بعضهما، طلبوا عدم إعطاء عنوانهما، يبدو أن هناك موقفاً رافضاً صلباً يتبلور. وصلت إليهم عقب تعليق اللافتات، وسرعان ما تجمع السكان على مدخل المبنيين وبدأوا التحدث. “إذا شكلنا يداً قوية فسنبقى هنا”، قال أحد السكان. “لا تعرف ماذا سيكون هنا؟ إذا وقع 80 في المئة من السكان (نسبة الموافقة المطلوبة في القانون لصالح إخلاء – بناء)، فإن رفيفوا سيهتم بأن يتراجع الـ 20 في المئة أيضاً. رافي يكيتوئيلي، من مواليد الحي والمسؤول عن مجال التطوير البلدية في البلدية، قال مؤخراً بأنه كان قد تحدث مع وزير الإسكان زئيف الكين، وطلب منه خفض نسبة الموافقة إلى 50 في المئة بسبب “بيروقراطية فظيعة من رافضي التوقيع”.
لكن رئيس البلدية قال مؤخراً بأن العرب لن يغادروا اللد، واليهود أيضاً. هل تصدقون ذلك؟
“لا، على الإطلاق، لا نصدق. إنما يتلاعب بنا. واضح أنه يريد تهويد الحي”، قالت ساكنة كانت تحمل أكياساً. “سترى أن لا أحد سيوقع سوى العملاء”. وحسب قولها، فهي وقعت في البداية ولكنها ندمت وسحبت توقيعها. “لم أعد أصدق شيئاً. إذا خرجنا من البيوت فلن يعيدونا إليها“، قالت. أضاف أحد السكان: “لمن يريدون الترميم؟ لنا؟ اتركني وشأني، بربك”.
خيبة الأمل في أوساط كبار موظفي البلدية واضحة. اهارون ايتياس، رئيس البلدية والمدير العام السابق لنواة التوراة، أجاب على صفحته في “فيسبوك” على ادعاءات السكان، وكتب: “عندما نطلق مشروعاً مهماً جداً يمكّن السكان من تحسين حياتهم، يحاربون ذلك”. وأضاف ايتياس بأنه “يحتاج التطوير إلى ثقة بين الطرفين”. “قبل تبني المباني، عليك بناء العلاقات”، قال سكالا. “يجب بناء الثقة وإعطاء الناس الشعور بأن هذه هي بلدية الجميع، وليست بلدية أشخاص معينين”.
هذا الاحتجاج دليل على عدم الثقة بين سكان المدينة العرب والبلدية. بالنسبة لكثيرين على جانبي المتراس، فإن شبكة العلاقات هذه لم تعد قابلة للإصلاح بعد الاضطرابات. “لم أشعر قط بالعنصرية مثلما هي الآن”، قالت امرأة عربية من سكان الحي. “في اليوم الذي حدثت هنا اضطرابات، نسينا الجيران (اليهود). بعد ذلك طلبوا منا العفو على تجاهلهم لنا”.
حيثما وجد علم على النافذة فثمة مستوطنون
في كل مرة قبل الصعود إلى المبنى التالي، كان سكالا يتوقف ويرفع رأسه. “هل ترى؟”، أشار إلى نوافذ الشقق. “حيثما يوجد علم إسرائيل أدرك أنه لا يجب عليّ طرق الباب. لأنه حيثما وجد علم فالبيت يقطنه مستوطنون، يعلقونه وكأنهم في موقع عسكري“. “احذر، وراء الباب الأبيض المقابل مستوطنون”، قالت ساكنة عربية. وبعد ثوان تفتح الباب وترحب بشاب يهودي جاء إليها.
“لا مشكلة في أن يعيش اليهود هنا ويشترون البيوت”، قال. “مشكلتنا مع المستوطنين الذين يأتون مع أيديولوجيتهم بهدف إخراجنا من البلدة القديمة، كما قال رئيس البلدية ذات مرة (عندما كان المدير العام للبلدية): هتنحلود (استيطان اللد). حسب قوله، جاء نضالنا “لصالح كل من يعيش هنا الآن، يهوداً وعرباً؛ لأن المجموعتين فقيرتان في معظمهما، وستضطران في نهاية الأمر للمغادرة بسبب ارتفاع غلاء المعيشة. طلبت البلدية من كل مقاول في المشروع ضمان أن تكون رسوم صيانة المبنى منخفضة مدة عشر سنوات. ولكن سكالا قال: “في العشر سنوات الأولى يمكن أن يكون الوضع جيداً، لكني أنظر خمسين سنة إلى الأمام. أخجل من قول ذلك، لكن ثمة أشخاص غير قادرين على دفع رسوم الكهرباء والمياه. فهل سيدفعون أيضاً للجنة المبنى؟”.
وردت بلدية اللد على ذلك: “في الوقت الحالي، نشهد انهيار مبان قديمة وتفككها في أرجاء البلاد. ومنذ سنوات، ندفع قدماً بحلول حقيقية قابلة للتنفيذ لضمان أن تجري العملية بشكل منظم ولصالح سكان المدينة. البلدية ترافق جميع الإجراءات وتهتم بالسكان. عملية التوقيع تتقدم بشكل كبير، وكل الخطط يتابعها عاملون اجتماعيون يساعدون أصحاب الشقق والسكان على استنفاد حقوقهم في كل مراحل العملية.
“نحن متيقظون لخطاب جهات لها مصالح وتحاول الدفع قدماً بأجندتها الشخصية على ظهر السكان الذين يعيشون في شقق قديمة ومتهالكة، في حين أنهم يعيشون في فيلات واسعة في مناطق أخرى في المدينة. جميع الادعاءات التي تطرح من فم هذه الجهات لا أساس لها من الصحة، وهي كاذبة وتضر بسكان هذه المباني القديمة. تدفع البلدية قدماً بمخططات إخلاء – بناء، التي ستوفر شققاً جديدة للسكان. المعنى هو أن أصحاب الشقق الجديدة سينتقلون من شققهم مباشرة إلى هذه الشقق التي سيتم بناؤها قريباً منهم على أيدي المقاوم الذي سيتم اختياره”.
بقلم: ران شمعوني
هآرتس 18/10/2021