لا يخلو يوم إلا وتمارس فيه البحرية الإسرائيلية انتهاكاتها الخطيرة بحق الصيادين الذين يعملون في مساحة ضيقة داخل بحر غزة. ورغم التزامهم بالمساحة، إلا أن الاستفزازات الإسرائيلية المتعمدة تتواصل، من خلال إطلاق النار صوب الصيادين وقواربهم خلال رحلة عملهم، وتمزيق شباك الصيد الذي يكلف إصلاحه وحياكته جهدا ومبالغ كبيرة ومصادرة مراكبهم.
وتتذرع إسرائيل حاليا بانتهاكاتها اليومية بحق صيادي القطاع، بدعوى اختراقهم المساحات المحددة للصيد التي تتفاوت من منطقة إلى أخرى، وهي لا تتجاوز 30 كيلومترا، لكن الصيادين نفوا ادعاءات السلطات الإسرائيلية.
ولم تلتزم إسرائيل بحقوق الصيد في أعقاب توقيع اتفاقية أوسلو مع السلطة الفلسطينية عام 1993 والتي منحت الصيادين في غزة حق الصيد حتى عمق 20 ميلاً بحرياً، لكن منذ أكثر من 14 عاماً لم تسمح البحرية الإسرائيلية إلا بالدخول لمسافة 9 أميال، ويتم تضييق هذه المساحة مع التطورات الأمنية في غزة لتصل في معظم الأحيان إلى 6 أميال.
ووفق إحصائيات حقوقية، فإن البحرية الإسرائيلية ومنذ بداية العام الجاري ارتكبت أكثر من 120 انتهاكاً بحق الصيادين خلال عملهم في عرض البحر، حيث اعتقلت منذ بداية العام 150 منهم، وأصابت أكثر من 15 صياداً بجروح متفاوتة، ودمرت وصادرت عشرات المراكب ومعدات الصيد.
وأخضعت الحكومة الإسرائيلية مراكب الصيادين لمحاكمة عسكرية، بعد مصادرتها وجرها إلى ميناء أسدود القريب من ساحل غزة، وذلك وفق لائحة اتهام تعدها النيابة العامة بحق المركب ذاته مع فرض تصور للعقوبة للقارب والمالك، ومع تطبيق هذا القرار تحول بحر غزة من منطقة صيد للسمك إلى بؤرة للصيد البشري.
ومع تعمد إسرائيل ملاحقة الصيادين، وتهديد حياتهم وفقدان مصدر رزقهم وإصابة بعضهم بإعاقات مستدامة، اضطر عدد منهم إلى ترك المهنة، نتيجة حجم المخاطر التي يتعرضون لها وحول عدد منهم مراكبهم للسياحة المدرة للمال خلال فصل الصيف وترك مهنة الصيد، إذ تزيد الرحلات على شاطئ بحر غزة صيفا ويرغب المصطافون ركوب القوارب والتنزه في البحر.
ومع توجه عدد من الصيادين للعمل في المجال السياحي، أصبحت هذه المهنة منظمة بشروط صارمة من قبل قسم الوسائط البحرية التابع لوزارة النقل والمواصلات، وذلك لتفادي الحوادث البحرية والإصابات والضحايا، كما يشترط أن يكون المركب مرخصا ولديه تأمين ساري المفعول، وألا يبحر في ساعات الليل وفي الأجواء غير المستقرة التي تؤدي إلى ارتفاع الأمواج.
يقول الصياد محمد حرارة 35 عاماً إن مهنة الصيد في غزة لم تعد آمنة ومدرة للمال كما كانت في السابق، فممارسات البحرية الإسرائيلية بحق الصيادين خلال عملهم، تزداد بشكل يومي حتى خلال رحلة عملهم بالقرب من الشاطئ.
وبين لـ«القدس العربي» أن «القيادة الإسرائيلية ومن خلال ما نتعرض له بشكل مخيف خلال الصيد ليلاً، ربما أعطت الضوء الأخضر للبحرية الإسرائيلية برفع مستوى الانتهاكات، وإطلاق النار مباشرة علينا على غرار ما كان سابقاً، عندما كانت الطرادات الإسرائيلية تطلق النار داخل المياه، ولا تستهدف الصيادين وقواربهم إلا في حالات قليلة».
وأوضح أن هناك عددا من رفاقه الصيادين تركوا المهنة خوفاً على حياتهم، منهم من اتجه للعمل في مجال السياحة البحرية مع زيادة الطلب على ركوب القوارب خلال فصل الصيف، والبعض الآخر اتجه للعمل في مهن أخرى بعيداً عن مجال الصيد.
وتدرك إسرائيل قوة حماس البحرية، وهو ما جعل مئات الصيادين في دائرة الاستهداف للحصول على أي معلومات عن أنشطة المقاومة، حيث تحاول إسرائيل من وراء عمليات الاعتقال وملاحقة الصيادين، عرقلة محاولات المقاومة في غزة تهريب أي من المعدات العسكرية عبر البحر من الجانب المصري، كما تحاول الحصول على معلومات حول عمل المقاومة في غزة، من خلال الاعتقال المتزايد للصيادين بشكل يومي لساعات أو حتى لأيام ومن ثم تطلق سراحهم.
في سياق ذلك يقول نقيب الصيادين الفلسطينيين نزار عياش إن إسرائيل تجاوزت كافة الخطوط في ملاحقتها وعرقلتها لعمل الصيادين الذين يكافحون من أجل توفير رزقهم تحت وابل الرصاص والملاحقة اليومية داخل المساحة الضيقة من بحر غزة، بالتزامن مع الصمت العربي والدولي على هذه الانتهاكات الخطيرة.
وأشار عياش لـ«القدس العربي» إلى أن الصيادين ينتظرون بفارغ الصبر حلول فصل الصيف، الذي يعتبر موسما وفيرا ويشكل نحو 50 في المئة من حجم الصيد السنوي، ويعتمدون على هذا الموسم في سداد ديونهم وإصلاح معداتهم المتهالكة، لكن ما يحدث أن هناك محاولة واضحة من إسرائيل للسيطرة على مصادر الرزق، وحرمان الصيادين من الاستفادة من الموسم.
وأوضح أن الصيادين يعيشون واقعا اقتصاديا سيئا، بعد أن باتت المهنة غير مدرة للمال وخسائرها كبيرة، متعلقة بالمحروقات التي تحتاجها المحركات، إضافة إلى أجور العمال على المراكب عدا عن تراكم الديون عليهم.
وبين أن هناك عددا كبيرا من القوارب لا تزال محتجزة داخل ميناء أسدود الإسرائيلي، تمت مصادرتها مع العاملين عليها من داخل عرض البحر، وهذا الاحتجاز المستمر لقوارب الصيادين أدى إلى تراجع أعداد العاملين في المهنة، كون أن القارب الصغير يعمل عليه 5 صيادين، بينما الكبير يحمل 12 صيادا.