تبادل اللكمات اللفظية بين إسرائيل و”حزب الله”، والتحذيرات والتهديدات والتوتر، كلها تذكر بالحوار الذي جرى بين إسرائيل وهذا التنظيم في تموز من العام الماضي. حينئذ، فإن إطلاق مسيرات الثلاث (التي تم اعتراضها) باتجاه حقل الغاز كاريش الواقع أمام شواطئ إسرائيل ولبنان، كان هو الخلفية لذلك. في تلك الأيام، هدد “حزب الله” بأنه لا يمكن لإسرائيل تشغيل حقل كاريش إذا لم تستجب لمطالب لبنان. اليوم هذه هي الخيمة الكبيرة و”الوقاحة” التي يبديها جنود “حزب الله” وهم يحاولون اقتحام الجدران، والوقوف على خط الحدود، وأيضاً خرق قرار الأمم المتحدة 1701، الذي اتخذ مع انتهاء حرب لبنان الثانية.
الخرق الأخير وقع السبت عندما تسلقت مجموعة من شبان يحملون علم “حزب الله”، الجدران التي تغلق الطريق ما بين قرية العباسية ونهر الوزان، والذي يمر من تحت قرية الغجر –مقطع الطريق الذي أغلقته قوة مراقبي الأمم المتحدة “اليونيفيل”، في سنة 2006 ومنذ ذلك الحين، حظر على سكان لبنان المرور فيها.
في تقرير لشبكة “المنار” التابعة لـ ”حزب الله”، ورد أن “اقتحام الجدار تم رداً على احتلال الجزء الشمالي من قرية الغجر”. “الاحتلال” الذي يتطرق له البيان، هو بناء الجدار حول القرية العلوية الغجر، التي ضُمت لإسرائيل، خلافاً لمسار الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان سنة 2000. الخط الأزرق قسم القرية إلى قسم شمالي خاضع للسيطرة اللبنانية، وقسم جنوبي خاضع لسيطرة إسرائيل، ومن هنا فإن الجدار الفاصل مبني في القسم الواقع تحت سيطرة لبنان.
في الغجر يصرون على أن الجدار لم تبنه إسرائيل، بل بناه المجلس المحلي لمنع دخول حيوانات برية سبق وأضرت بممتلكات السكان، وفي إحدى المرات احتجزت طفلاً أنقذ في اللحظة الأخيرة. في لبنان، هذه الرواية غير مقنعة، والادعاء السائد أن إسرائيل تحاول بهذا أن تضم المزيد من الأراضي اللبنانية التي لا تعود لها ووضع حقائق على الأرض، وأن المجلس المحلي في الغجر لم يكن ليقيم جداراً كهذا بدون مصادقة وتشجيع إسرائيل. بيد أن الجدار بني في أيلول الماضي؛ أي قبل شهر من توقيع اتفاقية الغاز ما بين إسرائيل ولبنان، التي حظيت بمصادقة غير رسمية ولكنها ضرورية من “حزب الله”، والتي رحب بها في نهاية المطاف، وعرضتها كنصر سياسي تاريخي.
لماذا اختار ““حزب الله”” الانتظار أكثر من عشرة أشهر ما بين “ضم” الغجر لإسرائيل ووضع الخيمتين وفتح الطريق؟ التفسير الإسرائيلي المقبول هو أن رئيس التنظيم حسن نصر الله، “شخص” ضعفاً إسرائيلياً عُبر عنه بالاحتجاج الكبير ضد الانقلاب النظامي، وباستقالة طيارين وجنود من الخدمة التطوعية في الاحتياط، وفي الانقسام السياسي داخل الساحة الإسرائيلية، وتصريحات بشأن التآكل في كفاءة الجيش الإسرائيلي. هذا التحليل يقود التنظيم للتفكير، لأنه يستطيع خرق الاتفاقات بل وشن حرب ضد إسرائيل. من هنا جاء الرد التهديدي لإسرائيل. بيد أنه تحليل لا يترك تفسيراً مقنعاً لمسألة لماذا يحتاج “حزب الله” إلى استفزاز ما يجر إسرائيل إلى حرب، وهل هو معني أصلاً بمواجهة عنيفة جديدة؟
ومثلما في مواجهات عديدة سابقة، فإن نشاطات التنظيم غير منفصلة تماماً عن الساحة السياسية داخل لبنان والتي يدير فيها “حزب الله” منذ شهور عديدة معركة متواصلة وعنيدة للحفاظ على مكانته كصاحب البيت من خلال استخدام رافعة الردع العسكري التي يمتلكها. وحتى قبل ترك الرئيس اللبناني ميشال عون لمنصبه في تشرين الأول الماضي، فإن عمل نصر الله جاهداً على تعيين بديل للرئيس يشكل بالنسبة له نوعاً من الركيزة السياسية، والذي يدعم “المقاومة”؛ أي لن يمس بمكانة “حزب الله” العسكرية أو يحلم بتجريده من سلاحه، ويتبنى سياسة التنظيم وسياسة إيران بالنسبة لسوريا، ويهتم بمصالح “حزب الله” من ناحية مالية. محاولة الوصول إلى مرشح متفق عليه لن تنجح، ولبنان الآن يدار بدون رئيس منذ عشرة أشهر وبدون حل متفق عليه.
حكومة لبنان الحالية، برئاسة نجيب ميقاتي، انتقالية وقد تهيئ الدولة لانتخابات، في حين أن البرلمان الذي هو الجهة التي تنتخب الرئيس، انعقد 14 مرة للتوصل إلى أغلبية متفق عليها، دون نجاح. نصر الله مصر على أن مرشحه سليمان فرنجية هو الذي سيكون الرئيس، في حين أن خصمه جبران باسيل، صهر الرئيس السابق عون، يطرح مرشحه، وفعلياً هو معني بنفسه بهذا المنصب. التطور الأخير هو أن باسيل أشار إلى أنه مستعد لتأييد فرنجية بشرط أن يسن البرلمان قانوناً يعطي صلاحيات أكثر للمحافظات ويشكل صندوقاً وطنياً توضع فيه المداخيل المستقبلية من الغاز والنفط، وكذلك مكاسب من ممتلكات الدولة.
إذا تحققت هذه التسوية، فمعنى ذلك أن الحكومة ستجد صعوبة في التحكم بكل مدخولها، وستضطر إلى تقاسمها مع المحافظات، وأن أصحاب السيطرة السياسية في بيروت سيجدون صعوبة بالغة في وضع مدخولات الدولة في جيوبهم. وبهذا يستطيع لبنان الخروج من أزمتها الرهيبة التي تحل بها. هذا الاقتراح، الذي يشكك العديد من اللبنانيين بإمكانية تطبيقه، ربما يضر بركائز السيطرة لـدى “حزب الله” على توزيع موازنات الدولة. هذا التنظيم سيحصل على رئيس كما يشتهي، ولكن الثمن الاقتصادي سيكون باهظاً. لم يتخذ التنظيم بعدُ رداً على هذا الاقتراح، ولكنه قرر في الوقت نفسه استخدام التهديد الإسرائيلي مثلما فعل عشية التوقيع على اتفاق الغاز. أي أنه يريد أن “يوضح” لخصومه السياسيين بأن أي اتفاق أو تفاهمات سياسية لا يقبلها، قد تفتح أبواب جهنم على لبنان بواسطة شريكه الإسرائيلي.
كما هو معتاد، يغلف “حزب الله” تبريراته السياسية بالقضية الوطنية، والتي يسميها خط الحدود بين إسرائيل ولبنان. تم ترسيمه هذا الخط “الخط الأزرق” وتحديده على يد تمثيل مشترك من إسرائيل والأمم المتحدة بعد انسحاب إسرائيل، وأبقى حسب ادعاء لبنان، 13 نقطة محل خلاف، من بينها مزارع شبعا وقرية الغجر (فعلياً يدور الحديث فقط عن 6 نقاط، أما النقاط الباقية فثمة اتفاق غير رسمي بشأنها). هنالك اتفاق بين حكومة لبنان و“حزب الله” في هذه القضية على الحاجة لرسم خط الحدود النهائي بين الدولتين، وبهذا الوصول إلى نهاية هذه القضية. إسرائيل التي تبنت المسار الحدودي للأمم المتحدة، ترفض إعادة مناقشة ترسيم الحدود، وتقول في المقابل إن لبنان إذا كان معنياً بهذا، فعليه منع أي استفزاز من جانب “حزب الله” والذي سيحاول فرض خط حدودي جديد.
إعادة النقاش حول الخط الحدودي في هذه اللحظة هو موضوع نظري، ليس بسبب معارضة إسرائيل فقط، بل نظراً لأن أجزاء من المناطق الحدودية المختلف عليها، ومن بينها مزارع شبعا وقرية الغجر التي ضمت لإسرائيل، تعتبرها الأمم المتحدة مناطق سورية وليست لبنانية. لقد تم تبديد آلاف ساعات النقاشات لإثبات الملكية على هذه المناطق، وذلك من خلال الاطلاع على الخرائط التاريخية وسماع شهادات لم تجد نفعاً في الوصول إلى إثبات قاطع. أعلنت سوريا أن مناطق شبعا والغجر تعود للبنان، ولكنها رفضت إرسال وثيقة مكتوبة تؤكد ذلك. وتقول إسرائيل إنه إزاء الموقف السوري، فأي مفاوضات بشأن الانسحاب من مزارع شبعا، يجب أن يتم فقط مع سوريا. أما بخصوص الغجر، ونظراً لأن القرية ضُمت رسمياً فالانسحاب منها بحاجة إلى استفتاء عام في إسرائيل.
ما لم يوجد حل لترسيم الحدود يمكن لـ ”حزب الله” أن يواصل ويعرض نشاطاته في المناطق المختلف عليها كجهد وطني شرعي لكي يعيد إلى لبنان ممتلكاته، وهو جهد لا يمكن لأي حكومة لبنانية أن تعارضه رغم التهديد بمواجهة عسكرية. ولكن، في المقابل، تدير حكومة لبنان مفاوضات دبلوماسية مكثفة تشارك فيها الولايات المتحدة وفرنسا من أجل تحييد تهديد الحرب.
المعركة على الخيمة، مثلما يسمي دبلوماسيون أمريكيون الحوار السياسي مع لبنان، مرتبطة أيضاً بالنتائج السياسية التي سيتم التوصل إليها أو لن يتم التوصل إليها، في لبنان. إذا تم التوصل إلى حل لقضية تعيين الرئيس، الذي سيبدأ بعملية الإصلاحات الاقتصادية التي ستحرر أموال المساعدة التي يحتاجها لبنان، فيمكن تقدير انتهاء قضية الخيمة. بيد أن الحل السياسي غير مرتبط فقط بحكومة لبنان أو بدول الغرب التي ستكون مستعدة لمساعدته، لإيران ما تقوله في هذا الموضوع. فبعد الاتفاق الذي وقع بينها وبين السعودية، فمن شأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أيضاً أن يكون عراباً، إذا قرر تأييد الحل السياسي الذي سيتم التوصل إليه، وبالأساس ضخ الأموال لإعادة إعمار لبنان. الافتراض هو أن إيران غير معنية بفتح جبهة مواجهة عنيفة في لبنان، بالتحديد في الوقت الذي تقوم فيه بترميم علاقاتها السياسية مع دول عربية، وسوريا تعود إلى حضن العالم العربي، هذا ما يجب على نصر الله أن يأخذه في الحسبان.
تسفي برئيل
هآرتس 2/8/2023