إسرائيل… بين فكر الزعماء العرب والاحتكام إلى مطالب الشارع

حجم الخط
0

بدأت العقوبات التي تفرضها حكومة إسرائيل على مواطنيها بأن تكون مفهومة ضمناً على نحو أكثر من اللازم. “وقاحة” عضوة الكنيست يفعات شاشا-بيطون، التي لم تصادق على إغلاق برك السباحة ونوادي التدريب البدني، هي الأمر الشاذ. من حسن الحظ أن حامي العتبة ميكي زوهر سارع إلى رجم المرأة المارقة هذه بالحجارة، وهذا أمر مناسب. نحن في حالة طوارئ، الخطر يحوم فوق رؤوس مواطني إسرائيل، مئات الآلاف من المقالين من أعمالهم يعيشون على البخار، والسيدة شاشا بيطون تريد منح إعفاء لمن يمك المال لكي يدفع لمعهد تدريب بدني أو يدفع ثمن تذكرة الدخول لبركة السباحة. وقررت التمرد بدلاً من الوحدة وإحناء الرأس أمام مجلس كبار قادة الدولة الذين يواصلون تجاربهم على بني البشر.

لقد وقفت شاشا بيطون ضد قرار رئيس الحكومة، بل أخذت تزعزع عملية اعتياد وتكيف الجمهور الذي يعيش في ضائقة، للخضوع للتعليمات، والاكتفاء بقطرات المساعدة الصغيرة من السلطة الحاكمة بدون طرح أسئلة. هذا هو التهديد الحقيقي الذي يخاف منه نتنياهو، وبحق. السور الدستوري المنيع الذي أقامه من حوله لصد استقلالية الكنيست، وقوانين الالتفاف التي تمنحه صلاحية عليا ليكون هو المشرّع والمنفذ، و”الحبة في مغلف” التي يرسلها لأعضاء الكنيست المترددين، والإدارة العليا التي أخذها بيديه كي يواجه كورونا، وهكذا يسيطر على حركة ومصدر رزق ومستوى حياة مواطني إسرائيل، وحرمانهم من خيار استبدال السلطة قبل أن يتم البت في مصيره بقرار محكمة قطعي ونهائي… كلها تخلق في إسرائيل مجتمعاً مسيطراً عليه، خانعاً ومقموعاً بدكتاتورية غير مسبوقة.

وفجأة، يحدث تمرد داخل البيت، شرخ قد يتسبب في إزالة الجبس عن الحائط ويزحف مباشرة نحو الأساسات. اليوم شاشا.. بيطون، وغداً.. من يعرف. هذه الكنيست التي ترفع رأسها ضد السلطة التنفيذية هي أكثر خطورة بكثير من المحكمة العليا، ومهددة أكثر من حماس وإيران معاً.

مظاهرات الاحتجاج التي اندلعت في الأسابيع الأخيرة لم تخترق بعد وعي زعماء الدولة. هم متأكدون من أن البرنامج الاقتصادي الذي يعرضونه سيعزز تبعية المواطنين لسخاء الحكومة، التي تتلاعب بأموالهم كما تريد. الأمر المفهوم ضمناً (أموال المواطنين تعود إليهم، ومدفوعات التأمين الوطني هي ثمرة عملهم) تحول إلى هدية أو إلى صدقة يجب على الجمهور أن يشكرهم من أجلها. هكذا تعمل عملية التخدير التي تمارسها عليهم الحكومة. هذه الحكومة تؤمن أن بإمكانها أن تشتري ثقة الجمهور وإخلاصه لها بالأموال. عدة آلاف أخرى تضاف إلى مخصصات البطالة، بعض النسب المئوية الإضافية التي يمكن إضافتها إلى الموازنة وضمان الدخل… كل هذه ستتحول إلى بوليصة تأمين أبدية للبقاء في السلطة. في نهاية المطاف لا يوجد للحكومة ولرئيسها بديل. اختفى الخيار وكأنه لم يكن، وثمة استهزاء بالمعارضة، والجمهور مشغول الآن بواقع البقاء.

وهكذا فكر زعماء مصر، وتونس، وليبيا، واليمن، الذين اعتقدوا أن الجمهور قد تعوّد، فاندهشوا من قوته، وهكذا تصرفت السعودية وباقي دول الخليج الغنية، إذ اشتروا هدوء الجمهور بأموال كثيرة. في كل واحدة من هذه الدول، حتى من دفعوا ومن قمعوا، نجحت الطريقة القديمة -التي يكون فيها الجمهور معلقاً بالنظام إلى درجة الاختناق- في البقاء، وراح الجمهور يتعوّد حتى بعد إزاحة الزعماء. هذا هو المسار الذي تسير فيه إسرائيل دون أن تنظر إلى الخلف، ودون أن تحتج، ودون أن تفكر، وبدون تحكّم. أقنعة، تباعد، وعدم تحمل المسؤولية… هي الواجب الوطني، وهي رمز للإخلاص الوطني. أما المظاهرات، وخيم الاحتجاج، ويافطات ضد الحكومة ورئيسها… فلا تقل عن عمليات تخريبية تقتضي حزماً وتدخلاً من “الشاباك”.

أجل، فترة الطوارئ تقتضي تضامناً، ومساعدة متبادلة واهتماماً متبادلاً، وشفقة وسلوكاً مسؤولاً. ولكنها لا تقتضي تضامناً وإخلاصاً للحكومة التي يظهر عجزها يومياً، كما يظهر غباؤها وعداؤها للمواطنين. حانت الآن ساعة الاختبار الأكبر للكنيست، والتي تخلت عن معظم صلاحياتها وحوّلتها للزعيم الأعلى. هذه هي اللحظة الأخيرة قبل أن يقوم الجمهور بنفسه بعملية المحاكمة.

بقلمتسفي برئيل

 هآرتس 15/7/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية