أما وقد اقتربت الحرب الأشدّ تدميراً ودمويّة في مجرى الصراع بين إسرائيل وبين «حماس» و«حزب الله» و«الحوثيين» من دخول عامها الثاني، وظهرت قابلية الحرب للاستطالة في الزمن بعد أكثر، وللتمدّد في المكان – هي التي وإن تكثفت دائرتها الجهنمية في قطاع غزة، ومن ثم، في القرى الحدودية من جنوب لبنان، فقد دارت رحى عملياتها في عامها الأول ضمن مدى إقليمي واسع يصل بها إلى باب المندب وطهران، فقد وجب الحديث اليوم عن مأزق مفهومي أساسيّ عالقة به المقاربات الحماسية للنزاع تحت مسمّى «الحرب النفسية». يقابلها على الضفة الأخرى أحياناً، أو بالتداخل معها تارة أخرى كمية من الإطلاقات العشوائية تحت مسمّى «الحرب الوجودية».
تهافت مقولة «الحرب النفسية»
المشكلة تبدأ في الحالتين، من أن كثافة ترداد هاتين المقولتين، «الحرب النفسية» والحرب الوجودية» تكاد تنسينا «الحرب الحربية» الحرب العسكرية بالدرجة الأولى، والحرب الديموغرافية المحايثة لها، بما أن السكان في كل حرب، وفي هذه بالذات، التي لا تجد من يوقفها بجدية حتى الآن، ولا يجد سكان قطاع غزة من منفذ لهم من أتونها، السكان في كل حرب، وفي هذه الحرب أكثر من كل سابقاتها، هم مادة الحرب، وميدانها، وهي حرب عليهم، من حيث هم كذلك، من حيث هم سكان، ولإلحاق فجوة ديموغرافية تعدّل بشكل جسيم عملية النمو السكاني بأثر يمتد لأجيال. لنبدأ بالحرب النفسية أولاً. رحَلَ المفهوم في التناول الحماسي له لدى العرب والإيرانيين إلى حيث بات المقصود فيه أن عنوان الحرب ومعيار التغلب فيها هو من «تنكسر» نفسيته أكثر. أي كما لو أنها صدام نفسيات، تتمحور أساساً بين نفسيتين، واحدة صمودية، قربانية، والأخرى ذعرية، متداعية، بشكل لن يلبث أن يستفحل ويقلب الموازين. هذا يبعدنا للغاية عن المفهوم المعهود للحرب النفسية من كونها اجتماع حيل ووسائل نفسية لحمل، سواء الخصم العسكري مباشرة، أو المجتمع الذي يرتبط به، للاعتقاد بأن المواجهة العسكرية لن تكون في مصلحته، أو أنها لم تعد لمصلحته، ودفعه من ثم للإذعان. هذا يختلف عن تصوير أن جوهر الحرب نفسه هو بين نفسيتين، واحدة يضبطها قالب عرقي، أو ذهني، أو أخلاقي متخيل، أو عقائدي مقدّر، بالشكل الذي يجعلها عاصية على الانهيار العصبي، ومنيعة بازاء كل سوداوية، في مقابل نفسية مفطورة أكثر على الهلع. يفترض هذا المنطق أن رهطين من البشر لن يشعرا بالهلع بذات القدر أمام القذيفة نفسها، بل سيشعر رهط بهلع أكبر أمام خطر ناري أقل، ويفترض اللامنطق إيّاه أن يكون هذا التفاوت في الهلع قابلاً، بجدّ، لقياسه، ولحفظه كمعطى تبنى عليه التحاليل والتقديرات، ويؤاخذ على عدم الاقتناع به من لا يروّج له، بوصفه مهبطاً لهمم، ومضعفاً لعملية التزخيم المنشودة لخوض هذه الحرب النفسية.
لقد طغت ثنائية الجبن والشجاعة بشكل مبالغ فيه للغاية طيلة الأشهر الماضية. وربما كان الأفضل تنحيتها جانباً لرؤية الحرب ومجراها.
المفارقة أن الهوى نفسه الذي يشدّد على مقولة يسميها «عدم أنسنة العدو» يقوم في الوقت عينه بالمبالغة في «أنسنته» – إذا ما أخذنا بالتخريجة نفسها – من بوابة «التحسس الزائد» لاضطراباته العصبية والنفسية، وللجبن بوصفه فيصل التفرقة في الحروب. هذا يجبن ويخسر، وذاك يتشجع ويمضي. عدم زحزحة الوهم المتضخم حول الحرب النفسية فيه، في أقل تقدير مكابرة نفسية وذهنية وأخلاقية، وفيه مع كل هذا، عدم قدرة على فهم شيء أساسي: إما أن الحرب النفسية يستعاض بها عن الحرب العسكرية، وإما أن الحرب النفسية إذا ما قامت الحرب العسكرية أصبحت بها ملحقة، وليس العكس. لا يمكن أن تكون الحرب نفسية أولاً، وعسكرية ثانياً. هذا وهم خطير، وخاصة من أنه يتمترس وراء عدة تخوين متقادمة لا تكشف إلا كم الهشاشة الذهنية والمعرفية.. والنفسية الذي يختلط به. الحرب النفسية يمكن قبولها كمكمل للحرب العسكرية متى نشبت، وليس كما لو أنها الأساس، والحرب العسكرية مجرد كوريوغرافيا اقتباسية من الفنون القتالية على هامشها. العامل النفسي مهم للغاية. لكن أي عملية تصويره على أنه يدرس في مجتمع ويكابر عليه في مجتمع آخر فيه عودة إلى عودة إلى «نظرية الأعراق». هذا عرق همام، وذاك عرق مذعور. الإقلاع عن هذا التصوّر العرقي البائس أولى، وبالمعيار العملاني البحت، مضاره أكثر من فوائده، وبالذات كلما استطالت الحرب، وكلما ظهر فيه أن هناك فجوة تكنولوجية عسكرية كبيرة يجدر طرح الأسئلة الجدية عن سبيل، ان لم يكن تقليص واقعها متوفراً، فعلى الأقل السعي لتقليص مفاعيلها، وجعلها لا تقرر كل شيء. لا يمكن حرفها عن تقرير كل شيء بالبناء فقط على هذا المزيج بين الإرادوية والأخروية (الاسكاتولوجية) والاطمئنان (بشكل ما عاد يطمئن أحداً) بأن الحرب هي مسألة من يجبن أكثر ومن يموت واقفاً. الحماسة هامة للغاية، في مباراة كرة قدم أو في معركة، لكنها لا هنا ولا هناك تحل بدل الشكل الأقل والأكثر ملحمية للحرب، الذي هو الحرب نفسها. الأقل ملحمية بمعنى: أنها لا تدور رحاها بين الآلهة والأبطال الخرافيين وإنما في دنيا البشر. والأكثر ملحمية: لأنه متى كانت الملاحم في تاريخ الحضارات جميعها تأتي فيها الشجاعة كصبّة باطون واحدة، في جانب، والجبن يمتلئ كله في الجانب الآخر؟ الملاحم، من الألياذة إلى الرامايانا وصولا إلى الشاهنامه هي أهم تراث يوضح لنا كيف أن الحروب لا يمكن التعامل معها على أساس التعكيز على ثنائية الشجاعة والجبن. في الملاحم، نجد الجبان وقد تشجع، والشجاع وقد جبن، وإلا، لما قامت ملاحم!
ولأجل أن يكون لرصد الشجاعة والجبن في المجتمعات المتحاربة منفعة ما يجدر التفريق بين مفهومي الحرب النفسية والدعاية. الدعاية وحدها لا تكفي لخوض الحرب النفسية، مثلما أن الحرب النفسية وحدها تتحول إلى ملحقة بالحرب العسكرية وليس العكس، إذا ما نشبت الأخيرة. أما ركن الحرب العسكرية في باب التحميس على الحرب النفسية وحصر الأخيرة في البروبغندا فيؤدي إلى تصوير كاريكاتيري للذات على أنها لا تجبن، ولا تضجر ولا تكلّ ولا تيأس، وأنها طالما كذلك لقيت لاهية عن الدنيا وما فيها، منتصرة في مقام إسطقسي خارج الزمان والمكان.
مفهوم الحرب الوجودية لا يقلّ إشكالية، وقد زاد ضرر شيوعه مفهوم الحرب النفسية. مع فارق أنه هنا يحضر بالذهاب والإياب أكثر، أي بتصوير أن الحرب وجودية من جهة «الفلسطينيين» أو «العرب» أو «المسلمين» أو «الأرضيين» وتصويرها وجودية بالتوازي والتضاد من جانب «الإسرائيليين» و«الغرب» و«الإمبريالية» أو واحدة من هذه المستويات. مثلاً جزء من الحيلة البلاغية المتداعية تمثل بمحاولة إظهار أن الحرب هي وجودية بالنسبة إلى إسرائيل إنما ينبغي التعويل على تفهيم الغرب بأنه ليس من الضرورة أن تكون وجودية بالنسبة له، بل أنها وجودية لإسرائيل لأنها إذا خسرتها يمكن أن تخسر حظوتها عند هذا الغرب، وعند إمبراطوريته الضاربة، الولايات المتحدة الأمريكية. هناك في المقابل من يعتبرها وجودية بالإتساق، عند كل من إسرائيل والإمبريالية الغربية.
لطالما عرّفت العقائد الممانعاتية عن نفسها في مجرى الصراع مع إسرائيل بتعريفه على أنه «صراع وجود لا صراع حدود» كما لو كان الخيار محصوراً في هذه الثنائية الإطلاقية. إما الوجود اللامحدود وإما الحدود، السطحية في مقال الوجود. تطمس ثنائية «الوجود والحدود» أن أساس كل صراع كي يكون حيوياً هو أن يكون تحويلياً للأطراف المنخرطة في الصراع. وأن الصراع يتوقف عن كونه حيوياً وينساق بالكامل في سياق «مقبري» إن تعطلت عملية تحويل أطراف الصراع فيه، بالشكل الذي يؤمن في نهاية المطاف خروجاً من هذا الصراع بمكان يتسع لتطلعات كل قوم، كل شعب، في العمران، وتحت الشمس.
هناك بعد وجوديّ في أي صراع، لكن ليس هناك حرب يمكن الاصطلاح على تسميتها بالوجودية، لا بالنسبة للشعوب المقهورة والمضطهدة ولا بالنسبة للمجتمعات المتواطئة أو المنخرطة في عملية قهر هذه الشعوب. الصراع برفعه إلى المرتبة «الوجودية» الخاصة يقترب أكثر من العدمية، وبتهبيطه إلى الرتبة «الحدودية» لا يعود استعصاؤه على أي حل منذ نحو قرن مفهوماً. هو صراع تحويلي، وفي هذا الصراع التحويلي ليست هناك «ذوات» متجوهرة تخوضه من ألفه إلى يائه، وينتظر منها أن تختمه ذات يوم، ولو طال الأمد. الصراع ينتج ويعيد إنتاج الذاتيات المتحاربة، بشروط مختلفة في كل مرحلة، وحسب ما تمخضت عنه المرحلة السابقة عليها بشكل أساسي، من تصدّع سرديات وإعادة ترميم أخرى، من ارتسام موازين وتأرجح أخرى.
الحرب الإملائية
هل تخوض إسرائيل اليوم حرباً وجودية؟ نعم ولا. لا تخوضها بنفس مستوى «الوجودية» الذي استشعر به فرنسية الجزائر إبان الثورة الجزائرية. وليس من الصحيح أيضاً أن ذاكرة المحرقة هي التي تفسر كل شيء في سلوك إسرائيل وجيشها. تأخذ الحرب في غزة منحى إباديّاً، يتأصل كلما امتد أوان الحرب، لكنه لا يفسر فقط بأن إسرائيل عالقة في ذهنية «إما أن نبيد وإما أن نباد». بالذات بالنسبة لليكود، وهذه حرب الليكود الكبيرة الثانية بعد اجتياح لبنان 1982 في مقابل حروب اليسار الصهيوني 1948. 1956. 1967. 1973. هي حرب عندها هدف مصمم. لا يختصر لا بحرب نفسية ولا بحرب وجودية. الهدف فيها هو «تفهيم» الفلسطينيين بشكل كامل أن إسرائيل لا تقبل بأن يكون ثمة شعب فلسطيني بالمعنى السياسي الحديث لكلمة شعب، شرق نهر الأردن، وأن الفرصة قد أزفت لترجمة ذلك بوقائع حاسمة في قطاع غزة أولا، ثم في الضفة الغربية. هي حرب إملائية.
الإملاء على الفلسطينيين بأنه، وليس فقط لهجمات 7 أكتوبر، بل تبعاً لمترتبات إقامة الدولة اليهودية نفسها، من غير المقبول أن يكون هناك من شعب غرب نهر الأردن، غير شعب إسرائيل. ليس فقط لا دولتين، بلا لا شعبين، إنما هو شعب إسرائيل، بأكثرية يهودية وأقليات متفاوتة في مستوى الاندماج في دولة بخواص يهودية قومية، وأرخبيل صغير من البلديات الفلسطينية، لا تعاقد معها على وضع حدود مسبقة للمدى الذي يمكن ان يبلغه الاستيطان. المستوى الدعائي في إسرائيل قد يجعلها حرباً وجودية، لكن المستوى الاستراتيجي أوضح: هي عنده حرب الحسم النهائي لفكرة أن لا كيانية فلسطينية غرب الأردن.
الأمريكيون لا يرون ذلك، في ادارتهم الحالية، وهم رعاة الحرب في الوقت نفسه.
بالنسبة لليكود هذا التناقض أمريكي – أمريكي بحت، ليست مهمة إسرائيل حله، بل مواصلة أجندتها في هذا الصراع، خاصة وأن عاماً كاملاً من المجازر في غزة وفي جنوب لبنان لم يجعل أي دولة عربية تقيم علاقة مع الدولة العبرية تراجع هذه العلاقة ولو بشكل طفيف.
بما أن أمريكا لم تقم إلا بما فيه ضرب لفكرة الكيانية الفلسطينية، علام لا يعمل الإسرائيليون على استئصال هذه الفكرة بالكامل؟ وبما أن الأنظمة العربية لم تعد خائفة من غضب شعبي عليها يحرّكه مشهد خزيها في الموضوع القومي المشترك، فعلام عدم التنفيذ بالكامل؟ هذه حسابات لا نفسية، ولا وجودية، هذه حسابات باردة، كريهة ما شئت، لكنها باردة.
قبل قرن ونيف، عام 1923 نشر مطلق التيار «التنقيحيّ» في الحركة الصهيونية زئيف جابوتنسكي مقالته «الجدار الحديدي». حمل فيها على ما اعتبره رياء التيار المهيمن، اليساري، من الحركة الصهيونية. ذهب جابوتنسكي أنه لا تنفع استمالة عرب فلسطين بأي شكل كان، فهم لن يقبلوا بفرض أكثرية يهودية في فلسطين، وهناك بالتالي أساس مادي واقعي للتعارض بينهم وبين الهجرة والاستيطان اليهوديين، وبالتالي سيتصرف عرب فلسطين بشكل طبيعي، مألوف، كأي شعب آخر يرفض أن تؤخذ منه بلاده عنوة، ولا ينفع التحايل عليه وترويج محاسن الاستيطان عليه. إنما ينبغي أخذ هذه البلاد منه بالقوة، والانتظار منه أن يواجه القوة بالقوة، ويُهزم. وبالنهاية المطلوب فرض الأمر الواقع الأليم عليه، بذريعة أنه شرّ اضطراريّ. فحوى مقالة جابوتنسكي لا تتعفف من ذلك. ومن ثم، فقط عندما يكون المهزوم جاهزاً نفسياً لتقبل أن ما سُلب منه قد سُلب، يمكن اقتراح السلام عليه، وليس قبل ذلك. الليكود لم تكن عنده يوماً من أجندة أخرى، ولا يمكن أن تكون لديه أجندة أخرى، غير تلك التي مهدت لها ارهاصات جابوتنسكي في مقالة «الجدار الحديدي» السابقة بعقدين على المحرقة، وبالتالي التي تظهر بعداً آخر للصراع لا يقرأ بمقولتي الحرب النفسية، والحرب الوجودية بالمعنى الذي يقيمها على متلازمة الهلع الجذري فحسب.
هي حرب ضارية تحرّكها عقلية في منتهى البرودة. برودة جابوتنسكي ونتنياهو هي ما يسقط «سهواً» عند طرق باب الصراع من بوابة النفس الهائمة والوجود المرتاب. هل انوجدت في وجه هذه البرودة «برودة جهنمية» أخرى ومن الموقع النقيض؟ لا. هناك بخار كثير في الأمخاخ.