غزة ـ «القدس العربي»:
لا تنم الأفعال التي تنفذها حكومة الاحتلال اليمينية وجيشها على الأرض، إلا عن الاستمرار في خطط الحرب العسكرية ضد قطاع غزة، غير مكترثة بكل المبادرات والوساطات التي تطرح لإنهاء الحرب الطويلة والمريرة، خاصة بعد بدء المرحلة العملية لإنشاء «محور موراج» وما تضمنه من عمليات تدمير كبيرة طالت ما تبقى من مدينة رفح.
أيام دامية
وكالعادة شهدت أيام الأسبوع الماضي تصعيدا إسرائيليا خطيرا، تمثل في اقتراف عشرات المجازر، كان من بينها مجازر طالت العائلات في منازلها الآمنة، وفي مناطق النزوح التي أجبر جيش الاحتلال سكان مناطق كثيرة في القطاع التوجه إليها، بعد أن بدأ بتوسيع نطاق العمليات البرية في مناطق عدة في القطاع، إضافة إلى المجزرة البشعة التي استهدفت الصحافيين خلال تواجدهم في خيمة نزوحهم قرب مشفى ناصر الطبي في مدينة خانيونس، ما أدى إلى استشهاد اثنين منهم، جراء القصف الصاروخي، وإصابة آخرين بجروح متفاوتة.
ففي شمال قطاع غزة، حيث تواصل قوات الاحتلال إطلاق التهديدات للسكان بالنزوح القسري إلى مناطق أخرى في مدينة غزة، اقترفت هناك عدة مجازر دامية، قصفت خلالها المنازل فوق رؤوس ساكنيها، ما أدى إلى سقوط المزيد من الضحايا بينهم أطفال ونساء.
ولم يكن الحال مغايرا في مدينة غزة، التي وسع جيش الاحتلال من هجومه البري على أطرافها الشرقية، من خلال إقامة ثكنات عسكرية قرب «تلة المنطار» الواقعة شرق حي الشجاعية، ما ينذر بوجود نوايا لتوسيع العملية البرية، والدخول إلى مناطق أعمق في الحي وفي مناطق أخرى مجاورة، على غرار ما كانت تنفذه قوات الاحتلال في أشهر الحرب الماضية.
وفي مناطق وسط القطاع، لم ترحم الصواريخ العديد من العائلات التي مزقت أجسادهم إلى أشلاء، عندما استهدفتهم في منازلهم وفي مناطق النزوح، لتبث أجواء من الرعب والخوف في صفوفهم، وهو أمر شابه ما عايشته مدينة خانيونس وأطرافها الشرقية والشمالية التي هددت بالإخلاء القسري، والمناطق الغربية التي يزعم الاحتلال أنها مناطق إنسانية، يطلب من النازحين التوجه إليها قسرا.
فعمد جيش الاحتلال على قصف عنيف للمنطقتين، وراح الكثير من الضحايا أغلبهم كانوا يقطنون في المناطق المصنفة إنسانية، حيث كرر جيش الاحتلال استهداف خيام النزوح في منطقة المواصي.
لكن أكثر الغارات والهجمات الإسرائيلية عنفا كان في مدينة رفح، والتي لم يعرف مصير عائلات حوصرت في عدة مناطق قريبة من الحدود مع مدينة خانيونس، بعد أن بدأ جيش الاحتلال في عملية تدمير واسعة النطاق لما تبقى من منازل ومربعات سكنية في المدينة.
ففي هذه المدينة صعد جيش الاحتلال الذي بدأ بالتمركز حول «محور موراج» عمليات التدمير الواسعة، ومن شدة الانفجارات وعمليات النسف اهتزت أحياء مدينة خانيونس المجاورة ومدينة دير البلح البعيدة، ويدور الحديث حاليا عن عمليات هدم وتجريف واسعة النطاق في المدينة وفي محيط المحور الجديد، من دون معرفة أماكن القصف والاستهداف بدقة، لعدم وجود مواطنين هناك بناء على التهديدات العسكرية الإسرائيلية، لكن خرائط جوية جديدة أظهرت حجم الدمار الذي لحق في الحقول الزراعية والمباني والأراضي التي تقع في نطاق المحور، وسط أرقام قدمتها جهات رسمية تشير إلى تدمير أكثر من 90 في المئة من المدينة، حتى بدء الهجوم الجديد، ما يعني أن النسبة مرشحة للزيادة، خاصة وأن أعمدة الدخان في النهار وألسنة اللهب في الليل التي تتلو الانفجارات، تشير إلى أن عمليات التدمير تطال مربعات سكنية بالكامل.
ويقول مركز الميزان لحقوق الإنسان، إن قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تواصل هجماتها الحربية على قطاع غزة، في سياق «حرب الإبادة الجماعية»، تستمر في قصف المنازل فوق رؤوس قاطنيها، وخيام النازحين، وتدمر بشكل ممنهج كل مقومات الحياة، وتعطل العمل الإنساني من خلال استهداف مزودي المساعدات الإنسانية، وتشدد حصارها وتمنع دخول المساعدات الإنسانية، لا سيما إمدادات الغذاء والدواء، وتستمر في استخدام التجويع كسلاح، في إصرار على مواصلة «جريمة الإبادة الجماعية»، وإيقاع أكبر الخسائر في صوف المدنيين، مؤكدا أنها تحول قطاع غزة إلى «مقبرة مفتوحة».
مبادرات التهدئة
وجاء ذلك وسط إهمال إسرائيل المتعمد لكل المبادرات التي طرحت من الوسطاء لإيقاف الحرب، فمن جديد كشف النقاب عن مبادرة مصرية جديدة للعودة إلى وقف إطلاق النار، وقد ذكرت عدة تقارير عبرية، أن مصر قدمت عرضت محدثا، ويشمل الإفراج عن أسرى إسرائيليين مقابل 40 حتى 70 يوما لوقف إطلاق النار، على أن يكون بين الأسرى الذين تطلق حماس سراحهم الجندي الإسرائيلي الأمريكي عيدان ألكسندر، إضافة إلى جثث 8 أسرى.
وفي آخر حديث عن هذه المبادرات، كشف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، أن بلاده قدمت مقترحا جديدا لإسرائيل وحماس لإبرام صفقة تبادل، كما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحات صحافية إن إدارته تقترب من إعادة المحتجزين (الإسرائيليين) في غزة، فيما ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، أن مبعوث الرئيس الأمريكي لمنطقة الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، أبلغ عائلات الأسرى والمحتجزين الإسرائيليين، أن مفاوضات جدية تجري لإبرام صفقة تبادل وقد تتضح خلال أيام، لكن ذات الصحيفة ذكرت أنه في اجتماع الحكومة المصغرة في تل أبيب، بدون رؤساء المؤسسة الأمنية، استمع الوزراء إلى آخر المستجدات حول زيارة رئيس الوزراء نتنياهو إلى واشنطن، لكنهم اقترحوا في النهاية زيادة الضغط العسكري على حماس.
رد إسرائيلي بالنار
غير أن أفعال جيش الاحتلال على الأرض، بعد الحديث عن المبادرة الجديدة، والذي تمثل في توسيع الهجوم البري على مدينة غزة، وتهديد أربعة أحياء جديدة من المدينة بالنزوح القسري، واستمرار عملياتها الحربية على مدينة رفح، التي كشف عنها قبل أيام، أن الاحتلال سيضم هذه المدينة التي تقدر مساحتها بنحو 20 في المئة من مساحة القطاع بالكامل للمنطقة العازلة، وكذلك تعمده ارتكاب سلسلة مجازر جديدة، مسح خلالها عائلات جديدة من السجل المدني، بقتل جميع أفرادها، لا تنم عن وجود توجه لتهدئة الأوضاع. ويدلل ذلك ما كشفه مسؤول أمني إسرائيلي تحدث لقناة «i24NEWS» بالقول إنه سيكون من الصعب جدا قبول العرض المصري حاليا، بسبب طلبات إشكالية جدا من جانب حماس بخصوص المرحلة الثانية، والحديث عن وقف إطلاق النار الدائم.
وبدلا من الاهتمام بتحركات الوسطاء لإنهاء الحرب، استمر بنيامين نتنياهو والوزراء المتطرفون بالتحريض ضد غزة، ودعم كامل الهجمات العدوانية ضد السكان، وخلال اللقاء الذي جمع نتنياهو بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي في البيت الأبيض، جرى فيه مناقشة خطة تهجير سكان غزة التي يتبناها الطرفان.
وفور عودته من زيارته لأمريكا، أعلن نتنياهو وهو يشير إلى استمرار مخطط الحرب ضد غزة، أن حكومته عازمة على «القضاء على حماس وفي الوقت نفسه إعادة جميع رهائننا»، وفي دلالة على الدعم الأمريكي لخططه قال إن زيارته للولايات المتحدة الأمريكية كانت «جيدة للغاية ودافئة».
ويكشف ذلك خطط إسرائيل الرامية لعقد صفقات تبادل أسرى، بدون الذهاب إلى مراحل التهدئة الثانية التي تضمن وقفا كاملا للحرب، والذهاب في المرحلة الأخيرة إلى الإعمار، وهو أمر يكشف أيضا عن استمرار المخططات الإسرائيلية الرامية لتهجير سكان قطاع غزة قسرا والسيطرة عليه واحتلاله بالكامل.
تشديد الحصار
ومن أجل تنفيذ هذه المخططات لم تكتف آلة الحرب الإسرائيلية بارتكاب المجازر الدامية، فقد عملت على تشديد أكبر للحصار المفروض على السكان، خاصة وسط حديث قوي عن تحكم إسرائيل في كل ما سيدخل للقطاع في حال جرى فتح المعابر من جديد.
وفي إشارة إلى استمرار الهجمات الحربية، أعلن جيش الاحتلال أن قواته تعمل على جميع الجبهات في «عيد الفصح» اليهودي، وأنها تواصل العملية البرية في حيي تل السلطان والشابورة إلى جانب مشارف خانيونس وفي الشجاعية وبيت لاهيا.
ويدلل على ذلك زيارة وزيرة الجيش يسرائيل كاتس إلى «محور موراج»، حيث قال من هناك «إن الجيش الإسرائيلي يعمل من أجل القضاء على الإرهابيين، وتحديد مواقع البنى التحتية الإرهابية وإحباطها وتقطيع قطاع غزة»، وإنه يتم إخلاء سكان غزة من مناطق القتال، وكذلك الاستيلاء على العديد من المناطق وضمها إلى المناطق الأمنية الإسرائيلية، وقال إن ذلك «يجعل غزة أصغر وأكثر عزلة»، وهدد بالقول «إذا استمرت حماس في رفضها ولم تطلق سراح الرهائن، قريبا فإن الجيش سوف ينخرط في قتال عنيف في جميع أنحاء غزة، حتى يتم إطلاق سراح الرهائن وهزيمة حماس»، لافتا إلى أن حكومته تعمل في ذات الوقت على تعزيز برنامج الهجرة الطوعية لسكان غزة.
كما أعلن وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الإثنين، أن تل أبيب تستخدم التجويع سلاحا ضد الفلسطينيين، وقال «لن تدخل إلى قطاع غزة حتى حبة قمح واحدة»، وكان يرد على تقارير عبرية حول وجود نوايا لإعادة فتح معابر غزة المغلقة منذ الثاني من اذار/مارس الماضي.
وترافق ذلك مع نفي مكتب رئاسة الوزراء الإسرائيلية، ما أوردته صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، حول استعداد إسرائيل لاستئناف إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة خلال أسابيع، من دون صفقة تبادل، وبدون علاقة بوتيرة القتال، وقال مكتب نتنياهو في رده «التقرير غير صحيح، وبناءً على توجيهات المستوى السياسي، سيواصل الجيش الإسرائيلي زيادة الضغط على حماس من أجل استعادة الرهائن، وتحقيق جميع أهداف الحرب، وذلك في إطار القانون الدولي».
وكانت الصحيفة، قد ذكرت في تقريرها، أن الجيش الإسرائيلي يستعد لاستئناف إدخال المساعدات الغذائية لقطاع غزة، بطريقة جديدة كي لا تصل لحركة حماس، رهنا بموافقة المستوى السياسي، بعد أن قدم الجيش في الأيام الأخيرة ما يسمى بـ«المؤقت الإنساني»، وهو ساعة تحذير تشير إلى أن الإمدادات الغذائية والطاقة في غزة ستنفد خلال نحو شهر، بسبب خطر انتهاك القانون الدولي الذي قد يعرض قادة الجيش العاملين في غزة للمساءلة، وليس فقط القيادة السياسية والأمنية العليا، على أن تتولى توزيع المساعدات منظمات أممية بإشراف من جيش الاحتلال.
ولذلك فقد اشتدت أزمة الطعام بشكل خطير في قطاع غزة، إلى جانب أزمة شح الأدوية التي تهدد حياة المرضى، ونفاد الوقود الذي يهدد بتوقف آبار المياه ومحطات التحلية، ما يخلق أزمة عطش كبيرة.
ومع اشتداد أزمة الحصار، وتصاعد الهجمات الحربية الدامية، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن القطاع أصبح «ساحة قتل»، وإن المدنيين فيه «في دوامة موت لا تنتهي»، وفي بيان أصدره الأمين العام، حمل إسرائيل بوصفها قوة محتلة، المسؤولية عن إعاقة دخول المساعدات والإمدادات الطبية، مؤكدا رفض الأمم المتحدة المشاركة في أي ترتيب لا يحترم بشكل كامل المبادئ الإنسانية، ومنتقدا «آليات الترخيص» التي اقترحتها السلطات الإسرائيلية أخيرًا لتسليم المساعدات، وقد أكد أن إجبار الفلسطينيين على النزوح من قطاع غزة يتعارض مع القانون الدولي.
وقبل هذا الانتقاد الحاد من قبل الأمين العام لإسرائيل، كان مسؤولون أمميون أصدروا بيانا مشتركا، ناشدوا فيه قادة العالم من أجل التحرك بـ«قوة وسرعة وحسم»، لضمان احترام المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، وطالبوا كذلك بضرورة حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات، وتجديد وقف إطلاق النار، وأكدوا عدم دخول أي إمدادات تجارية أو إنسانية إلى قطاع غزة لأكثر من شهر، وقالوا «إن أكثر من 2.1 مليون شخص محاصرون ويتعرضون للقصف والتجويع مرة أخرى، بينما تتكدس عند نقاط العبور المواد الغذائية والأدوية والوقود وإمدادات الإيواء والمعدات الحيوية»، وأشاروا إلى أن النظام الصحي الذي يعمل بشكل جزئي يعاني من ضغط هائل، وإلى نفاد الإمدادات الطبية الأساسية، وأشاروا إلى أن أوامر النزوح الإسرائيلية أجبرت مئات الآلاف على الفرار مرة أخرى، بدون وجود مكان آمن يذهبون إليه.
وانذارا بالخطر الذي يعيشه سكان قطاع غزة، حذرت الرئاسة الفلسطينية تكريس جيش الاحتلال سيطرته الدائمة على القطاع، وتقسيمه إلى بؤر معزولة، بما يمهد لمخطط التهجير، وذلك مع استمرار العمل على إنشاء «محور موراج» الذي قالت إنه يشكل مخالفة لجميع قرارات الشرعية الدولية. وأشارت في تصريح صحافي إلى أن هذه المخططات الإسرائيلية المدانة والمرفوضة «تكشف عن نوايا الاحتلال الحقيقية بإطالة أمد عدوانه على شعبنا وأرضنا، من أجل توسيع سياسة الاستيطان وسرقة الأرض الفلسطينية»، وشددت على ضرورة إجبار إسرائيل على إدخال المساعدات لوقف المجاعة، والانسحاب الكامل من قطاع غزة.
أما حركة حماس، فقالت إن ما يجري في غزة ليس ضغطًا عسكريًا فحسب، «بل انتقاما وحشيا من المدنيين الأبرياء»، وأن سياسة نتنياهو في الانتقام من الأطفال والنساء والمسنين «ليست خطة لتحقيق انتصار مزعوم، بل وصفة لفشل محتوم»، وشددت على أن التصعيد العسكري لن يُعيد الأسرى أحياء، وإنما يهدد حياتهم ويقتلهم، وأنه «لا سبيل لاستعادتهم إلا عبر التفاوض»، كما أكدت الحركة أن ما يجري في رفح «يُجسّد نموذجًا صارخًا لسياسة الإبادة والتطهير العرقي والتهجير القسري»، بسبب حالة الصمت الإقليمي والدولي، وغياب القرارات الحاسمة والرادعة بحق قادة الاحتلال وحكومته الفاشية المجرمة، مشددة على ضرورة وجود تحرك عاجل من المجتمع الدولي والدول العربية والإسلامية لوقفه.