غزة-“القدس العربي”:تتواصل حالة الغضب الشعبي العارمة في كافة المناطق الفلسطينية، رفضا لاتفاق تطبيع العلاقات الموقع بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، بعد أن أجمعت كل مكونات الشعب الفلسطيني على رفضه، ووصفه بـ “الخياني والعدواني” والذي جاء في وقت حرج تعاني منه المناطق الفلسطينية من آثار خطيرة للاحتلال، تمثلت في زيادة الاستيطان في الضفة، واشتداد الحصار على غزة.
وأعلنت القيادة الفلسطينية معارضتها للاتفاق، وكالت له سيلا من الانتقادات، بعد سحب سفيرها من أبو ظبي على وجه السرعة، لتفتح المجال أمام الفلسطينيين على اختلاف آرائهم السياسية للتعبير عن هذا الأمر، بعد أن أتاحت فرضة الانتقاد العلني، ووصف الاتفاق بـ “الخياني” على وسائل الإعلام الرسمية.
وعلى الرغم من الآثار الخطيرة للاتفاق، الذي يتجاهل حقوق الفلسطينيين، ويقدم خدمات مجانية للاحتلال، لتجاوزه بنود مبادرة السلام العربية، ويعترف بكل خطوات الاحتلال المخالفة للقوانين الدولية، بشأن الحقوق الثابتة للفلسطينيين، إلا أنه أحدث حالة وفاق فريدة من نوعها بين كل مكونات الشعب الفلسطيني، نجم عنها مشاركة حركتي حماس والجهاد الإسلامي في اجتماع القيادة الفلسطينية، التي أصدرت بيانا شديد اللهجة، انتقد الاتفاق وبين مخاطره.
وفي فعاليات شعبية عمت الضفة الغربية وقطاع غزة، بمشاركة جميع الفصائل الفلسطينية، ومسؤولين رسميين أبرزهم رئيس الوزراء وأعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وقادة الفصائل، عبر الفلسطينيون عن غضبهم من الاتفاق الموقع بين الإمارات وإسرائيل، ورفعوا خلال تلك الفعاليات “شعار الوحدة” وأحرقوا من جديد صور ولي عهد الإمارات محمد بن زايد والرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وفي تلك الفعاليات، رفعت لافتات تنتقد التطبيع وأمرائه العرب، الذين يهرولون لإقامة علاقات مع دولة الاحتلال، فيما أعلن قادة فتح وحماس في رسالة موجهة للإمارات وللدول التي تدعم التطبيع وتلعب على وتر الخلاف السياسي الفلسطيني، أن “فلسطين والقدس ليست للمساومة والبيع” وأن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم، وأن البندقية الفلسطينية موحدة من أجل القدس.
وخلال الأيام الماضية، دعت القيادة الفلسطينية، كل الدول العربية والإسلامية، إلى بيان موقفها الرسمي من اتفاق الإمارات، المخالف لمبادرة السلام العربية، وتلقت عدة اتصالات من مسؤولين من دول عربية وإسلامية وغربية تدين الاتفاق وتنتقد بنوده التي تسيء للفلسطينيين وقضيتهم، ومن بينها اتصالات تركية وقطرية وأردنية وتونسية وكويتية غيرها الكثير من الدول.
وأكد الناطق باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة إن مبادرة السلام العربية هي “امتحان حقيقي لمواقف الدول العربية من القدس، واختبار لجدية العمل العربي المشترك”.
اتفاق خياني
وكانت القيادة الفلسطينية التي اجتمعت ليل الثلاثاء في مدينة رام الله، برئاسة الرئيس محمود عباس، وبمشاركة ممثلين عن حركتي حماس والجهاد الإسلامي، أكدت أن دولة فلسطين بقيادتها وشعبها “ترفض وتستنكر ما قامت به دولة الإمارات العربية المتحدة من تطبيع مع دولة الاحتلال على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية” ودعت الإمارات لـ “التراجع عن هذا الخطأ التاريخي” وقد رفضت أيضا أن يتحدث أحد باسم الشعب الفلسطيني، في إشارة إلى ما قامت به الإمارات حيت ادعت أن الاتفاق جاء لوقف خطة الضم وإعادة حقوق الفلسطينيين. وقالت القيادة في بيانها “منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهي وحدها صاحبة الحق بالحديث باسمه وتمثيل آماله وتطلعاته الوطنية، وهي لم ولن تفوض أحدا بالحديث باسمها، ولن تسمح لأي كان أن يتدخل في الشؤون الفلسطينية أو التقرير نيابة عنه في حقوقه الوطنية”.
كما طالبت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي تحمل المسؤولية الكاملة بالدفاع عن قرارات القمم العربية والإسلامية، وخاصة مبادرة السلام العربية وعدم الخروج عن قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية، ودعت السكرتير العام للأمم المتحدة إلى رفض كل ما يخالف ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، كما دعت جميع دول العالم إلى الالتزام بالقانون الدولي والشرعية الدولية ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية.
ولم تكتف الانتقادات الفلسطينية للإمارات بعد “الاتفاق الغادر” عند ذلك الحد، فقال الرئيس عباس إن أبو ظبي “وجهت طعنة في ظهر القضية الفلسطينية” مؤكدا أن الموقف من اتفاق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل سينسحب على أية دولة عربية أو إسلامية تقوم بهذا العمل.
وانتقد العديد من قادة الفصائل خطوة الإمارات، ومواقف الدول التي أيدت اتفاقها مع إسرائيل، ولم ينسى هؤلاء الضغوط التي من الممكن أن تمارس بشكل أكبر وأخطر على الفلسطينيين، من المؤيدين للإمارات، من خلال إفشال الاجتماع العربي الذي دعت له القيادة الفلسطينية، حيث أكد عضو اللجنتين التنفيذية لمنظمة التحرير والمركزية لحركة فتح عزام الأحمد، أن ترحيب عدد من الدول العربية باتفاق الإمارات التطبيعي مع دولة الاحتلال يضعف الموقف الفلسطيني.
وأكد أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات، رفض المنظمة المطلق لأي خطوة من شأنها تقويض وإضعاف مُبادرة السلام العربية، وقال إن الاتفاق الثلاثي: الإماراتي – الإسرائيلي- الأميريكي، بتطبيع العلاقات، يُعتبر خرقا فاضحا للقانون الدولي والشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.
كذلك قال إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إن الاتفاق بين الإمارات والاحتلال الإسرائيلي يمثل “تجاوزا لحركة التاريخ” وللإجماع العربي والإسلامي، و”طعنة غادرة” في ظهر الشعب الفلسطيني، ودعا الإمارات التراجع عنه، وشدد على رفض الفلسطينيين لأن يتكلم أحد باسمهم بقوله “نحن من يصنع المعادلات، ولا نقبل أن يفرضها علينا أحد” وأضاف منتقدا الاتفاق “واهم من يعتقد أن الأمة تمر بمرحلة ضعف وانكسار وهزائم ولا تقوى على مواجهة الكيان الصهيوني” وأضاف “التاريخ لن يرحم المطبعين، والشعوب لن تغفر لهم، والشعب الفلسطيني لن يستسلم”.
جدير ذكره في هذا السياق، أن الفلسطينيين ومنذ الإعلان عن الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي يوم الخميس قبل الماضي، لم يتركوا يوما إلا ونظموا فيه فعاليات شعبية مناهضة للاتفاق، يتخللها ترديد هتافات تنتقد حكام الإمارات وتحرق صور بن زايد وأمراء التطبيع وقادة الاحتلال وأمريكا، ويرفعون شعارات تنادي بالوحدة وبعدم التفريط بأرضهم.
وشددت القوى الوطنية والإسلامية من رفضها المطلق لاتفاق تطبيع الإمارات مع الاحتلال، وأكدت على أن هذا الموقف يمثل “طعنة في نضال وكفاح شعبنا وحقوقه ومقدساته” وأكدت أن موقف الإمارات يعبر عن “خيانة القضية الفلسطينية وتضحيات الشعب الفلسطيني وكسر الموقف العربي الذي كان يتعين أن يبقي القضية الفلسطينية قضية مركزية والتمسك بحقوق شعبنا الثابتة في عودة اللاجئين وحق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس” ودعت لاتخاذ مواقف عربية حازمة لـ “معاقبة الإمارات على هذا الاتفاق الخياني”.
وقد أكدت مرجعيات دينية فلسطينية أيضا أن ما فعلته الإمارات يمثل “مخالفة شرعية واضحة تفضي إلى موالاة الكافرين” واعتبرت رابطة علماء فلسطين، الاتفاق بأنه يمثل “دليلا واضحا على عمق العلاقة الأخوية المتينة بين القيادتين الصهيونية والإمارتية”.
إلى ذلك فقد استمرت الحملات الإعلامية المناهضة للاتفاق، والتي تخللها توجيه انتقادات قوية لحكام أبو ظبي وتحديدا لولي العهد محمد بن زايد، ووصفته بـ “الخائن” وشارك الكثير من نشطاء مواقع التواصل في وسم “# التطبيع خيانة” حيث جرى نشر صور لابن زايد، عليها إشارة “x” وأخرى افتراضية لبرج خلفية في إمارة دبي، وهو مضاء بعلم إسرائيل.
إسرائيل صعدت اعتداءاتها بعد الاتفاق
جدير ذكره أن سلطات الاحتلال بأعمالها العدائية اليومية ضد مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، كذّبت ما روج له قادة الإمارات حول اتفاق السلام، فمنذ الإعلان عن الاتفاق في البيت الأبيض صعدت قوات الاحتلال هجماتها في الضفة، فاستشهد مواطنان أحدهم طفل في عمليات “إعدام ميداني” نفذها جيش الاحتلال، فيما أصيب العشرات بجراح، وعشرات آخرين تعرضوا للاعتقال، في وقت قامت فيه قوات الاحتلال، بتنفيذ سلسلة هجمات تمثلت في مصادرة المزيد من أراضي المواطنين، وهدم منازل فلسطينية أخرى، وردم آبار مياه واقتلاع أشجار، فيما قام المستوطنون من طرفهم وبحماية من الجيش بمنع مزارعي الضفة من الوصول لحقولهم وفلاحتها، علاوة على حرق أشجار وممتلكات من بينها عربات فلسطينية، وخط شعارات عنصرية تنادي بطرد الفلسطينيين من أراضيهم، كما أن رئيس وزراء الاحتلال، كذٌب رواية المسؤولين الإماراتيين بأن الاتفاق أوقف مخطط الضم، وأعلن مرارا هو ومسؤولون كبار في حكومته، أن مخطط الضم لا يزال قائما، وهو مخطط يلتهم 30 في المئة من مساحة الضفة الغربية.
وأكدت تقارير عدة من بينها صادرة عن جهات دولية، أن سلطات الاحتلال صعدت خلال الأيام الماضية من عمليات هدم منازل الفلسطينيين، ما أدى إلى تشريد العشرات من المواطنين، ليلتحقوا بمن سبقوهم من العوائل التي هدمت منازلها، في إطار حرب الاستيطان.
كذلك أطبقت سلطات الاحتلال منذ توقيع الاتفاق حصارها المشدد على قطاع غزة، فواصلت إغلاق المعابر التجارية، ومنعت الصيد في بحر غزة، ما أدى إلى وقف عمل محطة توليد الكهرباء، بسبب نفاد الوقود الذي يمر من المعبر التجاري، وهو ما ينذر حاليا بوقوع عدة كوارث صحية وبيئية، بعد تحذيرات من وزارة الصحة، بأن الأمر سيطال عمل حضانات الأطفال وغرف العمليات ومراكز غسيل الكلى والمختبرات وبنوك الدم، علاوة على توقف عمل محطات معالجة مياه الصرف الصحي، التي ستضخ للبحر محدثة تلوثا خطيرا يؤثر على حياة مليوني مواطن، بسبب قلة الكهرباء، والتي بسببها يغرق سكان غزة في ظلام دامس، منذ أيام.
كما صعدت قوات الاحتلال منذ توقيع ذلك الاتفاق من هجماتها العسكرية ضد غزة، من خلال قصف يومي يستهدف العديد من المناطق، ما أدى إلى وقوع إصابات وتضرر العديد من المنازل، في ظل انذارات قادة الاحتلال بشن هجوم واسع ضد القطاع، واستعداداته لذلك من خلال نشر منظومات عسكرية على حدود غزة، فيما قررت فصائل المقاومة الرد على أي اعتداء إسرائيلي على القطاع، وعلى استمرار الحصار وتشديده، حيث تستغل إسرائيل اتفاقها مع الإمارات الذي قدم لها هدايا وخدمات كثيرة لتجميل صورتها، رغم قسوتها على السكان المحاصرين.