إسرائيل تناور في التهدئة وتتجه لتوسيع العدوان

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»:يتضح من تصريحات قادة حكومة الاحتلال الإسرائيلي، والتحركات التي بدأت فيها قيادة جيش الاحتلال، أن الأمور تتجه إلى توسيع رقعة الهجوم والعدوان على قطاع غزة، بدلا من التوجه صوب خطط الوسطاء، من أجل العودة إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وإنهاء معاناة السكان الذين ينهش الجوع أجسادهم، كما الصواريخ الحربية التي تسقطها عليها قوات الاحتلال بشكل يومي.

استمرار المجازر

وعلى الأرض، لوحظ أن أيام الأسبوع الماضي شهدت تصعيدا خطيرا في العدوان، أثبتته أعداد الضحايا الذين كانوا يسقطون يوميا وبينهم أطفال، بعد أن عاد جيش الاحتلال وركز هجماته على منازل المدنيين وخيام النزوح المقامة في المناطق الإنسانية، بعد أن هدد قادته بتوسيع رقعة الهجوم.
ولم تسلم أي من مناطق قطاع غزة من الهجمات الدامية، التي تعمدت فيها قوات الاحتلال إسقاط أكبر عدد من الضحايا وإحداث تدمير إضافي في المباني والبنى التحتية.
فركزت في بدايات الأسبوع على استهدافات طالت مدينة غزة وبلدات الشمال، فارتكبت هناك سلسلة مجازر دموية خطيرة، حين استهدفت منازل وأماكن نزوح كثيرة، لتنتقل بعدها إلى مدينة خانيونس في الجنوب، والتي لا تزال تشهد هجمات دموية، فاستهدفت بشكل أساسي مناطق النزوح الإنساني في المواصي، لتقتل هناك النازحين داخل خيامهم وبينهم أطفال ونساء، كما استهدفت بشكل عنيف المناطق الجنوبية الشرقية للمدينة، والتي تهدف لترحيل جميع سكانها، ضمن خطط العمل في «محور موراج»، وكذلك المناطق الشرقية التي تتوغل على أطرافها، وقد دفعت بالكثير من سكانها من قبل على النزوح القسري، وهو أمر استمر أيضا في الأيام الماضية، هربا من نار الصواريخ والاستهدافات المدفعية.
وبذات الطريقة الحربية العنيفة، هاجمت قوات الاحتلال مناطق وسط القطاع في نهايات الأسبوع، وفي ليلة واحدة قصفت عدة منازل في مخيم النصيرات، الذي يعد من أكثر مناطق القطاع كثافة سكانية، وفيه حاليا آلاف النازحين الذين فروا من مناطق التوغلات البرية، لتتسبب في الهجمات التي طالت منازل وكافتيريا شبابية وخيام نزوح في سقوط الكثير الكثير من الضحايا، بينهم أطفال لم يتعرفوا على شكل وطعم الحياة، حيث خطف الموت حياتهم وهم في سن الزهور.
وقد لوحظ أن هذا التصعيد والتلويح بزيادة وتيرته، جاء في خضم جولة مفاوضات تهدئة جديدة يقوم بها الوسطاء، حيث كشف عن قيام وفد إسرائيل المفاوض بزيارة إلى العاصمة المصرية القاهرة، التقى فيها المشرفين على ملف الوساطة في جهاز المخابرات المصرية، الذين كانوا قد التقوا قبل أيام وفدا من حركة حماس، لبحث مقترح جديد لوقف إطلاق النار.

مقترح جديد

المقترح الذي جرى الكشف عنه، يشير إلى أن مصر عرضت على إسرائيل خلال الاجتماع مقترحا جديدا ينص على هدنة لمدة 6 شهور في قطاع غزة، يتم فيها إطلاق سراح نصف الأسرى الإسرائيليين الموجودين في قبضة الفصائل المسلحة في غزة، بعد رفض إسرائيل مقترح الهدنة الطويلة لخمس سنوات.
وجاء ذلك بعد أن عرض وفد حماس خطة الحركة القائمة على «الصفقة الكاملة» التي تنفذ مرة واحدة، بحيث تطلق سراح جميع الأسرى الإسرائيليين، مقابل عدد يجري الاتفاق عليه من الأسرى الفلسطينيين، وبينهم الأسرى المحكومون بأحكام عالية، ومقابل الإعلان عن وقف كامل للحرب على غزة، والتوجه بعد تشكيل اللجنة الإدارية التي توكل لها مهام إدارة القطاع، صوب مرحلة الإعمار.
لكن إسرائيل رفضت تلك المقترحات، كونها ترفض أي تعهد بإيقاف كامل للحرب على غزة، ولا تزال تتحدث عن صفقة جزئية، يجري خلالها تحسين أكثر على بنود إغاثة السكان، مما كانت عليه في مرحلة التهدئة الأولى التي انتهت يوم 2 اذار/مارس الماضي، والتي تلاها في 18 اذار/مارس بسبب الرفض الإسرائيلي الانتقال للمرحلة الثانية من التهدئة، عودة العدوان الحربي ضد قطاع غزة، كما لا تزال تطلب بنزع سلاح حركة حماس، وهو أمر ترفضه الحركة.
وبما يدلل على ذلك، كان نفي إسرائيل حدوث اختراق في محادثات القاهرة، بعد أن نقلت وكالة «رويترز» للأنباء، عن مصدرين أمنيين مصريين، قولهم إن المفاوضات التي عقدت في القاهرة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في قطاع غزة تشهد تقدما كبيرا.
وعلى الفور نقلت أكثر من وسيلة إعلام عبرية عن مسؤولين في حكومة بنيامين نتنياهو نفيهم لصحة التقارير، ووصفها بـ «غير الدقيقة»، فيما كشف أيضا أن الخلافات الخاصة بالتوصل إلى تهدئة، لا تزال مستمرة حول طلب إسرائيل «نزع سلاح حماس».
إسرائيل لم تتوقف عند الرفض لهذه المقترحات التي تهدف إلى وقف الحرب، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، من خلال تهديد جديد بتصعيد الهجمات الحربية ضد قطاع غزة، بما في ذلك توسيع رقعة التوغلات البرية.
من الأمثلة على تلك التصريحات كان ما أعلنه بنيامين نتنياهو رئيس حكومة اليمين، الذي قال إن إسرائيل «ستحقق الانتصار الحاسم»، وقال متوعدا بالتصعيد «جيشنا يقاتل من رفح التي يتم تفكيكها إلى جبل الشيخ»، ويقصد الأراضي السورية التي لا تزال تحتلها إسرائيل منذ عشرات السنين.
أما وزير الجيش يسرائيل كاتس فقد تحدث عما وصفه بـ «الانتصار الكامل» وقال إنه الهدف الأساسي للحرب التي تخوضها إسرائيل، مؤكدا أنه لا مجال لأي تنازل في هذا السياق، وقال إن المهمة العليا للجيش الإسرائيلي تتمثل في استعادة «المخطوفين» من غزة، وتحدث عن مواصلة قواته القتال في القطاع لتحقيق هذا الهدف إلى جانب تدمير حركة حماس.
وبشكل يفضح الخطط الإسرائيلية تجاه غزة، قال وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، إن تل أبيب لن توقف الحرب إلا بعد تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من قطاع غزة، وقال وهو يشير إلى خطط توسيع رقعة الحرب «سننهي هذه الحملة عندما تفكك سوريا، ويهزم حزب الله (اللبناني)، وتجرد إيران من تهديدها النووي، وتطهر غزة من حماس ويغادر مئات الآلاف من سكانها إلى دول أخرى، ويعود رهائننا بعضهم إلى ديارهم وبعضهم إلى قبور إسرائيل، وتصبح دولة إسرائيل أقوى وأكثر ازدهارا».
وقال إن هذه هي الأهداف التي «أجمع عليها الإسرائيليون وليس الحكومة فحسب»، مضيفا: «هذه هي الصورة النهائية للحملة التي فرضت علينا، هذا هو أمر الساعة في مواجهة عدو قاس، هذه هي إرادة مئات وآلاف من مقاتلينا»، وقال مخاطبا نتنياهو وهو يحرض على توسيع الحرب «هذا هو الوقت المناسب لتغيير تاريخ دولة إسرائيل وشعب إسرائيل. إن الحكومة والشعب بأكمله سيكونون معكم ويدعمونكم في قراركم ببذل كل ما في وسعنا لتعزيز أمن إسرائيل. ليس لدينا أو لديك الحق في تفويت هذه الفرصة».

خطط توسيع الحرب

ويدلل على ذلك ما كشفته هيئة البث الإسرائيلية، التي نقلت عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن إسرائيل أقرب إلى توسيع العملية العسكرية في قطاع غزة من التوصل إلى اتفاق لإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، وكشفت عن المشاورات الأمنية التي عقدها رئيس الوزراء الإسرائيلي في مكتبه بمشاركة كبار قادة المؤسسة الأمنية في إسرائيل، والتي ناقشت مقترحات التهدئة وموافقة حماس على تهدئة شاملة. وتشمل الخطط التي كشف عنها توسيع جيش الاحتلال العملية العسكرية في غزة بشكل كبير، بما في ذلك السيطرة على أراض إضافية في جميع أنحاء القطاع وزيادة الغارات الجوية.
وأوضحت أن مسؤولين كبارا في الجيش عرضوا على رئيس الأركان إيال زامير خطط عمل جديدة في غزة، في ضوء الجمود في المفاوضات بشأن صفقة إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين وتمركز حماس في مواقعها، فيما قال مسؤول كبير في الجيش الإسرائيلي «من ناحيتنا فإن القرار اتخذ بالفعل».
وقد تلا هذا الأمر أن كشفت صحيفة «هآرتس» العبرية، أن الجيش الإسرائيلي يعتزم استدعاء عشرات آلاف جنود الاحتياط في إطار خططه لتوسيع الحرب على غزة، رغم الجهود التي يبذلها الوسطاء في مصر وقطر بدعم أمريكي، من أجل التوصل إلى اتفاق للتهدئة يشمل عقد صفقة تبادل أسرى.
الصحيفة العبرية كشفت نقلا عن مسؤولين عسكريين، أن الجيش سيبدأ إصدار أوامر تجنيد لعشرات الآلاف من جنود الاحتياط تحسبا لتوسع متوقع في القتال بقطاع غزة، وذكرت أنه تم بالفعل إبلاغ بعض جنود الاحتياط أنه سيطلب منهم المشاركة في القتال داخل القطاع.
ويتردد أيضا في إسرائيل أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال إيال زامير، صادق يوم الجمعة الماضي على خطط لتوسيع الحرب، وأن الجيش الإسرائيلي بدأ بإعداد مجمّع إنساني جديد جنوب القطاع، بين محوري «موراج وفيلادلفيا» لاستقبال النازحين من الحرب بعد إجراء عمليات فرز أمنية، من أجل إقامتهم هناك وإخضاعهم للحصول على مساعدات وفق الخطة الإسرائيلية.
وتلا ذلك أن هدد زامير صراحة بـ«توسيع» الهجوم على قطاع غزة في حال لم يتم إحراز تقدم بشأن الرهائن المحتجزين هناك منذ السابع من أكتوبر 2023، وقال زامير خلال جولة قام بها لتقييم الوضع داخل قطاع غزة: «في حال لم نر تقدما في إعادة المحتجزين في الفترة المقبلة، سنوسع نشاطاتنا إلى خطوة أوسع وأكثر أهمية».
وليتبع ذلك التهديد العلني، كشف تقرير إسرائيلي، أن الجيش يستعد لتوسيع عملياته البرية بعدة مناطق في قطاع غزة والسيطرة على أراضٍ جديدة، وقال موقع «واللا» العبري، إن الجيش «يعتزم توسيع المناورات البرية في عدد من المواقع في آن واحد، مع ترسيخ وجوده على الأرض والسيطرة على المزيد من الأراضي في قطاع غزة»، وكشف الموقع إنه من المفترض أن تكون رفح أول مركز يتم احتلاله في القطاع، وتطهير المنطقة، والتحكم في حركة السكان إليها، وأنه وفقا للتقديرات، سيتم نسخ النموذج إلى مناطق أخرى في قطاع غزة، وحسب الخطة فإنه «بعد تطهير المنطقة، من المفترض أن يتم تعريف رفح على أنها منطقة غير قتالية، وبعد ذلك، سيبدأ نقل السكان الفلسطينيين إليها تحت رقابة أمنية صارمة»، ونقل الموقع عن الجيش الإسرائيلي زعمه أن الضغط العسكري «سيعيد حماس إلى طاولة المفاوضات» من أجل إطلاق سراح الرهائن الأسرى، رغم أن حركة حماس أكدت أكثر من مرة استعدادها لاستئناف وقف إطلاق النار بغزة فيما تواصل جهودها مع الوسطاء حول ذلك.

تنديد حماس

ولذلك قالت حركة حماس، إن تصريحات نتنياهو التي تحدث فيها عن «الانتصار الحاسم» و«تفكيك رفح»، «تعكس جنون الهزيمة ووهم الانتصار الزائف في ظل صمود شعبنا ومقاومته». وأكدت أن مقاومة الشعب الفلسطيني ماضية حتى دحر الاحتلال، وأن رفح التي يتباهى «بتفكيكها، ستبقى عنوان الصمود والكرامة، وسيتحول احتلالها إلى كابوس يلاحق الغزاة، تمامًا كما حدث في بيت حانون وغزة وخان يونس والشجاعية».
ودعت في ذات الوقت المجتمع الدولي وأحرار العالم إلى نصرة الشعب الفلسطيني ودعم صموده وحقّه في تقرير مصيره، والتحرك العاجل لوقف جرائم الإبادة والتجويع التي يرتكبها الاحتلال بقيادة «مجرم الحرب نتنياهو»، والانتصار لعدالة القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.

أوضاع إنسانية صعبة

وجاءت مجمل التهديدات الإسرائيلية بتوسيع الهجوم على غزة، في الوقت الذي تتصاعد فيه بشكل أخطر الأزمة الإنسانية في القطاع، جراء الحصار المشدد الذي دخل شهره الثالث على التوالي، حيث حذر مسؤول أممي من فظاعة الوضع في قطاع غزة، إذ عاد شبح المجاعة ليخيم على الفلسطينيين في ظل أزمة إنسانية دخلت أخطر مراحلها جراء حرب الإبادة التي تواصل إسرائيل ارتكابها وإغلاقها المعابر. ويؤكد مدير الاتصال لدى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» جوناثان فاولر، حقيقة نفاد المواد الغذائية بقطاع غزة على خلفية غلق إسرائيل كافة المعابر، مستخدمة الغذاء سلاحا في حرب الإبادة منذ 19 شهرا، وقال وهو يتحدث عن أحوال السكان «من الصعب إيجاد كلمات لوصف الوضع الراهن بغزة، إنه أشبه بأهوال يوم القيامة ويفتقر إلى أدنى درجات الإنسانية»، مؤكدا أن القطاع «يمر بأسوأ مرحلة للأزمة الإنسانية التي يشهدها منذ بدء الحرب»، وقال «من الطبيعي ألا يجد الفلسطينيون في القطاع أي شيء ليأكلونه نتيجة منع إسرائيل وصول المساعدات الغذائية والإمدادات»، مشددا على أن المجاعة في غزة «قرار سياسي إسرائيلي بالكامل»، وقد وصف المسؤول الأممي هذا الحصار الإسرائيلي الخانق على القطاع وفشل المجتمع الدولي في التصدي له بأنه «فضيحة حقيقية».
أما وكيل الأمين العام لتنسيق الشؤون الإنسانية توم فليتشر، فقال إن منع المساعدات من دخول قطاع غزة يُجوع المدنيين، ويتركهم من دون دعم طبي أساسي، ويجردهم من كرامتهم وأملهم، ويفرض عليهم عقابا جماعيا قاسيا، مضيفا: «منع المساعدات يقتل»، وتابع في قوله يخاطب إسرائيل «إلى السلطات الإسرائيلية، ومن لا يزال قادرا على إقناعها، نقول مجددا: ارفعوا هذا الإغلاق القاسي، ودعوا العاملين في المجال الإنساني ينقذون الأرواح».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية