مثلما توجد حروب لا مفر، فثمة صفقات لا مفر، حتى لو سميت بأسماء أخرى تتحلى بصيغ دبلوماسية ذكية وتكون على نقيض تام لها. وهذا هو المنتج الذي يبحث عنه في الدوحة، ويتواصل في القاهرة وهو عالق الآن. أكد وزير الخارجية بلينكن أن إسرائيل قبلت المنحى الأصلي للصفقة بكامله، لكن حماس تتمترس في مواقفها الرافضة وتطالب بانسحاب إسرائيلي كامل ووقف نار تام منذ المرحلة الأولى للصفقة المقترحة، وتصر على بنود يمس تغييرها بجوهر المفاوضات على المرحلة الثانية. وهو ما حدث في القاهرة أيضاً. لمطالب حماس هدف واحد: شق الطريق لعودتها إلى الحكم في القطاع في نهاية الحرب، وربما إشعال حرب إقليمية أيضاً.
لكل واحد من المشاركين في المفاوضات مصالح، يتضارب بعضها مع مصالح الطرف الآخر. لقد تصرفت إسرائيل بمرونة كي تدفع بالصفقة قدماً، وأساساً لتحرير المخطوفين رغم أنه كان واضحاً لها بأن اتفاقاً جيداً غير موجود على جدول الأعمال، وهي تعمل إما لأسباب داخلية أو لمنع الخلافات مع الولايات المتحدة؛ فحماس المحطمة، التي تتحدث بصوتين، تركت الباب شبه مفتوح لتنقذ ما يمكن إنقاذه؛ وقطر معنية بتعظيم دورها المركزي في نظر الجهات الأخرى في الشرق الأوسط ورفع قيمتها كشريك لأمريكا؛ بينما إدارة بايدن- هاريس بحاجة للصفقة لإرضاء المصوتين المسلمين واليهود، المهمة شبه المستحيلة، والرئيس بايدن نفسه يريدها حتى يضمن إرثه التاريخي. لا نعرف ماذا وعدت واشنطن من خلال قطر لحماس، لكن إذا كانت أمور ما فينبغي الافتراض بأنها تتعلق بوضع غزة بعد الحرب. من ناحية إسرائيل، ليس في الصفقة كما هي مقترحة جواب كامل وسريع في موضوع المخطوفين والأسرى الذين سيتحرر عدد صغير فقط منهم في المرحلة الأولى، ولا يوجد أي إنجاز مقنع حول هدفها لضمان ألا تكون حماس قد وصلت إلى نهاية طريقها كجهة سياسية وعسكرية في القطاع، إضافة إلى مسائل أخلاقية ومفعمة بالمخاطر، مثل تحرير إرهابيين. الساذج وحده يؤمن بأنهم لن يعودوا للانشغال بالقتل والإرهاب بعد تحررهم.
تنطلق في إسرائيل أصوات في موضوع الصفقة لا تعكس بالضرورة الحقائق، وتنبع أكثر من مواقف سياسية أو من دوافع مفهومة، لكنها دوماً غير منطقية لعائلات المخطوفين. من جهة، هناك من يعرضون الصفقة دون الإشارة إلى تفاصيلها كهدف واحد ووحيد للمعركة في غزة، ومن الجهة الأخرى يشككون فيها استناداً إلى تجربة الماضي. “محافل أمنية” يهدئون ويقولون: “لن يحصل شيء” إذا خرجنا من محوري فيلادلفيا ونتساريم لفترة 60 يوماً، دون أن يوضحوا كيف أن هذه الـ 60 يوماً لن تبدي ميلاً أصيلاً للمرونة بضغط دولي. كما أسلفنا، بالنسبة لاتفاقات أوسلو والانسحاب من جنوب لبنان، وعدنا بأنه إذا خرق الطرف الآخر شروطها “فستعرف إسرائيل ما تفعله”، وعد بقي على الجليد.
كل المواضيع آنفة الذكر ستبقى أمام الكابنيت الذي قرر إعطاء فرصة أخرى للصفقة في ظل الحفاظ على مصالح إسرائيل الأمنية الحيوية. مع ذلك، سيتعين عليه أيضاً أن يرى الصورة العامة وجوانبها الاقتصادية، الداخلية وأساساً الدولية، والنظر بأن تسوية منطقة في مثل هذا الموضوع أو ذاك ستكون أفضل من خيارات أخرى.
لقد خلق 7 أكتوبر واقعاً إقليمياً ودولياً لآثاره المحتملة اتصال مباشر بأمن وربما بمستقبل إسرائيل. وبالتالي، فإن لكل قرار نتخذه أو نرفضه سيكون له تأثير على أحداث وتطورات بعيدة أو قريبة خارج سيطرتنا، لكنها ستؤثر علينا إيجاباً أو سلباً. تهديدات إيران وحزب الله بالقيام بعملية “ثأر” ما زالت قائمة، على الرغم من قوة الذراع الإسرائيلية التي تلقاها حزب الله حالياً وبسبب مشاكل إيران الداخلية، ورغم الخوف من تدخل عسكري أمريكي.
حلفاء طهران أيضاً، الصين وروسيا غير متحمستين على ما يبدو للاشتعال، وتجتهدان للجمه حالياً، لكن كل هذا قد يتغير في لحظة، بسبب اعتبارات حزب الله الذي يرى المظاهرات في إسرائيل فيغريه ذلك بشن هجوم، أو لأسباب ترتبط باعتبارات إيرانية مختلفة وحتى بسبب الانتخابات في الولايات المتحدة.
إيران نفسها قد تستغل جمود المفاوضات لتنفذ “ثأرها”. صحيح أنها ظهرت أشبه بجبار متعثر وحذر رئيسها الجديد بزشكيان من حرب “ستشل” الدولة، وأن التهديد الأمريكي حقيقي، وأن نهاية إسماعيل هنية في المضافة الرسمية في طهران بعثت أسئلة قاسية حول نجاعة ومصداقية جهاز الأمن الداخلي الذي يتعلق به بقاء الحكم، ولكن الأمور في الشرق الأوسط قد تتغير بسرعة، ويعود النظام إلى الهدف الذي لم يهجره – إبادة إسرائيل، خصوصاً أن إيران على مسافة خطوة من تحقيق سلاح نووي، وهو اعتبار آخر يجب أن يكون أمام ناظر القيادة الإسرائيلية، إذ من المتوقع أن تقترب ساعة تصفية النظام الحالي في إيران، لكن هذا سيكون شبه متعذر بدون الولايات المتحدة.
زلمان شوفال
معاريف 27/8/2024