إسرائيل في عصر الذكاء الاصطناعي: نحن أمام أسئلة مصيرية تهدد أمننا القومي

حجم الخط
1

أفكار رئيسية

تطرق المتحدثون في المؤتمر والمشاركون في جلسات النقاش إلى التحديات التي تواجه إسرائيل في سياق تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وطرحوا اقتراحات لسياسة للرد عليها، خاصة بما يتعلق بالأمن القومي: المنافسة بين الدول العظمى ومكانة إسرائيل؛ أهمية ذلك للجيش الإسرائيلي؛ دور الحكومة؛ الساحة المدنية؛ وقضايا أمنية وطنية ليست تحت مسؤولية أو تحت المسؤولية الحصرية للجيش الإسرائيلي (مثل عمليات التأثير).
المنافسة في موضوع الذكاء الاصطناعي ومكانة إسرائيل
تجد إسرائيل صعوبة في مواكبة وتيرة السباق العالمي في كل ما يتعلق بالاستثمار المالي وتطوير مشاريع في مجال الذكاء الاصطناعي، بل إنها اليوم في منافسة مع جيرانها ودول أخرى في الشرق الأوسط. حسب معطيات “غلوبل إي.آي انديكس” فإن معظم الدول الرائدة في العالم تنشغل في تطوير ذكاء اصطناعي، ومعظمها له استراتيجية في هذا المجال. معظم الميزانية في إسرائيل تستثمر في البنى التحتية للحواسيب، في حين أن التخطيط الاستراتيجي وتمويل تطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بقي متخلفاً مقارنة مع الدول الأخرى.
الإمارات من الدول الرائدة لتطوير قدرة الذكاء الاصطناعي في استثمار الموارد في الشرق الأوسط والعالم. فقد استثمرت كثيراً في تطوير التكنولوجيا والأبحاث الأكاديمية ونماذج منافسة لـ “تشات جي.بي.تي”. والإمارات أيضاً محسوبة على الدول الرائدة في غرس الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية المقدمة للمواطنين. دول أخرى في المنطقة مثل السعودية ومصر، هي الأخرى تستثمر في مجال الذكاء الاصطناعي. السعودية مصنفة كدولة أولى في “اينديكس 2023” في مجال الاستراتيجية الحكومية في المجال (الدولة الرائدة في العالم في المقياس الشامل، الولايات المتحدة، مصنفة في المكان الثامن). مع ذلك، تعاني السعودية من ضائقة مالية كبيرة في هذا المجال مقارنة مع الإمارات التي تمنح تأشيرات دخول لباحثين أجانب للتغلب على النقص المحلي. هبطت إسرائيل هذه السنة درجتين في التصنيف الشامل لـ “اينديكس” وربما تستمر في الهبوط، خصوصاً عقب سياسة وتمويل حكومي كاف. حظي هذا الموضوع باهتمام بحثي واسع في منشورات المعهد في السنوات الخمس الأخيرة.
أحد العوائق الأساسية فيما يتعلق بمكانة إسرائيل في مجال الذكاء الاصطناعي هو نقص البنى التحتية، سواء من ناحية وطنية أو من ناحية الجيش. إسرائيل متخلفة مقارنة مع دول أخرى تستثمر في شراء مواد وتجنيد أدمغة من الأكاديميا. إسرائيل في الخلف أيضاً فيما يتعلق بالتحديات القانونية والأخلاقية التي وجدت عقب استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وفي معالجتها على المستوى الحكومي وبشكل عام.
الجيش الإسرائيلي والذكاء الاصطناعي
نوقش في المؤتمر وبتوسع موضوع تطوير واستيعاب تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في وحدات الجيش الإسرائيلي. إزاء النقص في البنى التحتية وموارد الجيش الإسرائيلي، لا سيما الوحدة 8200، فإنهم لا يصمدون في جبهة التكنولوجيا على الصعيد الوطني، كما اعتدنا مثلاً في مجال السايبر، بل تم تجاوزهم من قبل النظام البيئي المدني. ينبع التخلف أساساً من كون الجيش الإسرائيلي جسماً كبيراً وبيروقراطياً، ويجد صعوبة في الاستجابة لوتيرة التغييرات السريعة في هذا المجال.
التحديات التي تقيد استيعاب الذكاء الاصطناعي في الجيش الإسرائيلي بالوتيرة والقوة المطلوبة:
· زيادة نجاعة العمليات وتغيير الهياكل. في حين يجري الجيش الإسرائيلي تفكيراً في هياكل معروفة، فإن استيعاب الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى زيادة نجاعة وتغيير عمليات وبنى قائمة، في حين أن قدرة هذا الجهاز ورجاله الذين تعودوا على الوضع القائم على شراء هياكل جديدة، قد يتضح بأنها قدرة متدنية.
· فجوة قياساً بالعالم والساحة المدنية. خلافاً لما يحدث في مجال السايبر، فالجيش ليس رائداً في مجال الذكاء الاصطناعي مقارنة بالساحة المدنية ومقارنة مع دول أخرى في العالم. يعود لك لنقص في الموارد وصعوبة في المنافسة على الموارد البشرية (من هنا ينبع أيضاً التأثير على النظام البيئي، حيث إنه خلافا لمجال السايبر فالجيش لا يدرب أشخاصاً مهنيين لهم معارف في مجال الذكاء الاصطناعي الذي له صلة بالجنسية).
· أخطار في تبني الذكاء الاصطناعي. رغم الجهود المبذولة لتبني واستيعاب تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في صفوف الجيش الإسرائيلي بسرعة، من الواضح أن الاعتماد الكبير عليها بكونها تكنولوجيا حوسبة يمكن أن يخلق تحديات من الاعتماد وثغرات محتملة لهجمات على يد أعداء. لذلك، يجب تبني برامج واستراتيجية مناسبة. الجيش الإسرائيلي يعمل في هذا السياق بالحذر المطلوب، لكن وتيرة التبني والاستيعاب بطيئة.

· تغيير تنظيمي وصعوبة في حساب الفائدة. يميل الجيش الإسرائيلي بشكل عام إلى اختبار استيعاب التكنولوجيا في صفوفه بواسطة قياس نجاعتها المحتملة. ولكن عقب التغييرات المتجسدة في استيعاب تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، ثمة حاجة إلى تغيير تنظيمي أوسع لكي تنتج عنه فائدة بالحد الأعلى، الأمر الذي يثير أحياناً معارضة وعوائق ويصعب على طرحه أو على قياس مناسب لهذه الإمكانية.
· غياب ونقص التعاون عبر جهاز الأمن. يتم التعبير عن هذه الخصائص لهذا الجهاز في تطوير منظومات مشابهة في أجهزة مختلفة وفي غياب التعاون في الأفكار بخصوص العمليات والاستيعاب، وفي نقص قدرة أصحاب الوظائف على التحرك عبر هذه الأجهزة في مفهوم مسار التقدم ومغزى نقل المعرفة بين الأجهزة. في أماكن معينة في جهاز الاستخبارات العسكرية مثلاً، تم تطبيق نماذج تسمح بحل جزء من هذه المشكلات، لكن لم تُنفذ على نطاق واسع.
الحكومة والذكاء الاصطناعي
دور متخذي القرارات والوزارات الحكومية فيما يتعلق بسياسة إسرائيل في الذكاء الاصطناعي:
· حاجة واضحة للتعاون. تعاون أكثر مما هو في الوقت الحالي بين الصناعات الأمنية والمدنية والحكومية في كل ما يتعلق بصياغة وتطبيق سياسة وطنية بخصوص الذكاء الاصطناعي.
· اعتراف حكومي بالإمكانية الكامنة التكنولوجية في استخدام مدني. للذكاء الاصطناعي إمكانية كامنة لإعطاء رد في كل مجالات الحياة تقريباً. إسرائيل في الحقيقة هي من الدول الرائدة في التطبيقات في المجال الأمني، لكن الإمكانية الكامنة أكبر بكثير، ولكنها غير مستغلة. غياب بنية تحتية وسياسة مناسبة يترك وزارة الدفاع، الرائدة الرئيسية في المجال (من ناحية الميزانيات والإدارة)، في فجوة مقارنة بمجالات الحياة الأخرى. هكذا ستظل إسرائيل، حسب مقاييس عالمية، في الخلف أيضاً في هذا المجال، حيث ستصل الفجوة إلى وضع لا تستطيع فيه وزارة الدفاع تقليصها أو التغطية عليها. لذلك، على الحكومة أن تغير سلم الأولويات في هذا الشأن بشكل أساسي، وتخصص له تعيينات وميزانية مناسبين.
· تعيين ذوي المناصب. رغم تآكل مكانتها في السنوات الأخيرة، ما زالت إسرائيل من الدول الرائدة تكنولوجياً في هذا المجال. إضافة إلى التطبيق القائم، هناك نقص تنسيقي بين الجهات المختلفة ذات الصلة، لذلك هناك حاجة إلى التركيز على دفع هذا الموضوع قدماً من قبل الحكومة. مثلما يوجد في الإمارات وزير للذكاء الاصطناعي، فإسرائيل بحاجة إلى الاعتراف بأهمية الموضوع والدفع قدمًا بتعيينات حكومية توفر الرد على الجوانب المختلفة من الأمن القومي.
· مسرعات التطوير. أحد الاقتراحات التي طرحت في المؤتمر هو تطوير نوع من “مشروع منهاتن” في مجال الذكاء الاصطناعي في البلاد، لا لصياغة وثائق سياسية فحسب، بل لتجنيد الأدمغة وتمكينها من فحص إمكانية التطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي.
· التعاون. يجب فحص والاستثمار في التعاون مع الإمارات وتجاوز ما هو قائم الآن مع تعزيز “اتفاقات إبراهيم” والعلاقات بين الدولتين. يمكن مثلاً التعلم من إنتاج نماذج للغة في الإمارات مثلما أنتج باللغة العربية، لأن موضوع اللغة العبرية يشكل الآن أحد العوائق الأساسية لاستيعاب الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية للمواطنين.
· استيعاب الذكاء الاصطناعي في الوزارات الحكومية. موضوع الاستيعاب يحصل على ميزانية مقلصة. لذلك، طرح المؤتمر أهمية تفضيل الميزانية على نظام الأولويات الوطني لمشاريع بين الوزارات المختلفة. (ذكر أن تخصيص 2 مليار شيكل للموضوع سيحتاج إلى تغيير تفضيلي في الميزانية الوطنية). وتم التأكيد على الصعوبة في تجنيد القوة البشرية المناسبة، وأهمية فحص مشاريع بشكل معمق وتفضيلها. إضافة إلى ذلك، استثمار الموارد في التعاون مع الجامعات.
· قانون وتنظيم. هذا الجانب من التكييف للذكاء الاصطناعي طرح في المؤتمر كموضوع يقف في الخلف. لقد طرحت توصية بخلق حلول، حتى لو كانت غير كاملة، وتطبيقها من خلال الدراسة والاحتكاك مع الواقع والتغيير. وثمة توصية أخرى تمنت تحسين التعاون مع دول أخرى تقدمت في هذا المجال من أجل تشجيع التعلم منها.
تأثيرات على سوق العمل
هناك تأثيرات مدنية على الذكاء الاصطناعي في الحاضر والمستقبل خصوصاً على سوق العمل، نوقشت في المؤتمر من عدة نواحي:
· ذكاء صناعي لكل عامل. إزاء عوائق مختلفة منها بيروقراطية ومحافظة، من أجل استيعاب الذكاء الاصطناعي في سوق العمل ومن أجل استعادة القوة العاملة لمواجهة التحدي، يجب الدفع قدماً بالتدريب في هذا المجال، سواء في المنظمات نفسها أو في المدارس والوحدات العسكرية.
· انتقادات ومسؤولية في استخدام الذكاء الاصطناعي. أصحاب المناصب ومن يتولون الوظائف أو “الشخص العادي” أو كل عامل أو عاملة في الاقتصاد، هم بحاجة اليوم إلى انكشاف واسع على التحديات الكامنة في استخدام الذكاء الاصطناعي. يدور الحديث في أوساط أصحاب المناصب حول القدرة على استخدام القدرة على الانتقاد والتصرف بمسؤولية، ويدور في أوساط المدنيين حول محو أمية في مجال التكنولوجيا سيؤثر على سوق العمل وعلى الحياة اليومية أيضاً. من بين الأمثلة التي قدمت في النقاشات في المؤتمر: انتقاد أجوبة يتم الحصول عليها من أدوات مثل “تشات جي.بي.تي” أو التعامل مع أفلام خيالية.
· تغييرات مهنية. هناك تخوف من أن تنهي ثورة الذكاء الاصطناعي مهناً معينة، لذلك يجب الاستعداد لتحويل أصحاب هذه المهن إلى مجالات أخرى. إن عدم الاستعداد قد يؤدي إلى ارتفاع البطالة، في حين أن تغيير المهنة على حساب الدولة إلى آفاق تشغيل ذات صلة وملاءمتها مع العصر الحديث قد يزيد الإنتاج.
التحديات الأمنية والذكاء الاصطناعي
ناقش المؤتمر التحديات الأمنية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بتوسع:
· الأخبار الكاذبة والحرب النفسية. أحد التحديات التي أشير إليها هي القدرة على إنتاج نصوص وأفلام فيديو مزيفة في إطار عملية التأثير بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي. من هنا تأتي الحاجة إلى معالجة وطنية تدمج التشريع مع التنظيم، وتعليم المواطنين القدرة على النقد إلى جانب تعرفهم على الظاهرة. إضافة إلى ذلك، يجب ترتيب العلاقات مع شركات التكنولوجيا الرائدة في المجال ومشاركة كبيرة في المعلومات.
· موارد القوة البشرية كعنق زجاجة ضيق. أحد التحديات في المجال الأمني هي الموارد البشرية كعنق الزجاجة إلى جانب البنى التحتية الوطنية الغائبة. يبدو أن مكانة إسرائيل المتآكلة في مجال الذكاء الاصطناعي مقارنة مع دول أخرى، قد تشكل تحدياً كبيراً في الساحة الأمنية، التي اعتادت إسرائيل الاعتماد عليها في تفوقها في التكنولوجيا.
الخلاصة
مدير المعهد، الجنرال احتياط تمير هايمان، الذي تطرق في بداية أقواله إلى البنى التحتية في مجال الذكاء الاصطناعي، أشار إلى أن هناك ضعفاً إسرائيلياً في هذا المجال، الأمر الذي يستدعي تخطيطاً بعيد المدى واستقراراً حكومياً – قضايا. الجنرال هايمان قال إن الجيش الإسرائيلي لا يقود الذكاء الاصطناعي في إسرائيل كما يقود السايبر؛ لأن المطلوب لهذا السياق تدخل وطني، فالمشكلة ليست قابلة للحل على يد الجيش وحده. استناداً للأفكار التي عرضت في المؤتمر، أكد الجنرال هايمان على أن المطلوب هو بلورة استراتيجية حكومية وخطة وطنية تدفع قدماً بمجال الذكاء الاصطناعي في إسرائيل إلى المرحلة القادمة.
في هذا السياق، تقف أمام إسرائيل عدة تحديات: الأول، في المجال الاقتصادي – الاجتماعي. التغييرات والتقدم في مجال الذكاء الاصطناعي أسرع من وتيرة التعليم والتنظيم. لذا، هي ستعمق الفجوة الاقتصادية والفجوة الاجتماعية القائمة. الثاني، المجال الأمني الذي يتعلق بمكانة إسرائيل المتدنية في مجال التكنولوجيا. وفي الوقت نفسه، سيكون للأخطار التي لدى إيران قدرة تكنولوجية متقدمة. تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قد تحدث تشويشاً بارزاً في المنظومات التي يمكن للجيش الإسرائيلي أن يبني عليها قدرته القتالية، مع التأكيد على منظومات شبه مشغولة في البر. أما التحدي الثالث فهو الوعي. يمكن خلق رواية مزيفة بواسطة عمليات تأثير أجنبية تتضمن أخباراً كاذبة، حيث لن يستطيع المستهلك التمييز بين من خلق الرواية والكذب نفسه. قدرة الذكاء الاصطناعي هذه يمكن استغلالها لتعميق الاستقطاب القائم في المجتمع الإسرائيلي.
هذه الأقوال الإجمالية ختمت بتوصية لوضع سياسة حكومية واسعة توجه لاستنفاد الإمكانية الكامنة الموجودة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي من جهة، ورسم خارطة للتهديدات الكامنة فيها واقتراح طرق لمواجهتها من جهة أخرى.

عنبر نوي فرايفيلد وليرون عنتيبي ويردين اسرف
نظرة عليا 15/8/2023

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية