أمس، كان التقدير (الحذر) هو أن الجولة القتالية باتت خلفنا، فقد نقل الجهاد الإسلامي لإسرائيل رسائل علنية وسرية بأنه أنهي رده العسكري، وأوضحت إسرائيل منذ البداية بأنها متمسكة الآن أيضاً بسياسة الهدوء يقابله بالهدوء.
الذين وقفوا خلف جهود وقف القتال في الجنوب هم الوسطاء المصريون ورجال الأمم المتحدة، وكذلك المبعوث القطري إلى القطاع. حماس هي الأخرى أوضحت بأنها غير معنية بمواصلة التصعيد، ولكنها في اليومين الأخيرين أدارت سياسة مركبة: من جهة، امتنعت عن الانضمام إلى القتال كي لا تفتح جبهة مباشرة مع إسرائيل، ولكنها إلى جانب ذلك امتنعت عن منع الجهاد الإسلامي من العمل.
هذا خلق معضلة في إسرائيل في العمل مع حماس. لم تكن لإسرائيل أي مصلحة في إدخال المنظمة الكبيرة والقوية في القطاع إلى دائرة القتال، ولكن امتناعها عن العمل ضدها تجاوز السياسة الثابتة للمس بالجهة الحاكمة في هذه الجبهة كي يفرض إمرته على المنظمات الأصغر ويؤدي إلى الهدوء. في نهاية المطاف، انتصرت النزعة العملية؛ ولأنه ليس لأحد في الطرف الإسرائيلي مصلحة في التصعيد، وتحديداً عشية الانتخابات، فقد تقرر تركيز الرد ضد الجهاد الإسلامي فقط.
ولكنها في عملها ضد هذا التنظيم المسؤول عن التصعيد، حرصت إسرائيل على العمل بشكل محسوب. فغارة ليلة أول أمس في دمشق لم تستهدف تصفية نشطاء (بخلاف الغارة السابقة في تشرين الثاني، التي حاولت فيها إسرائيل -وفقاً لمنشورات أجنبية- تصفية أكرم العجوري، نائب زعيم التنظيم) بل ضد بنى تحتية مادية، وكذا في الغارات الكثيرة التي نفذت في غزة؛ إذ حاولت إسرائيل الامتناع قدر الإمكان عن إيقاع كثير من الإصابات كي لا توسع دائرة التصعيد.
على أي حال، نفذ الجهاد معظم إطلاقات الصواريخ من داخل حفر موقوتة، بحيث لم يكن ممكناً المس بالنشطاء من خلف النار. ومثلما في جولات قتالية مشابهة في الماضي، نزل كبار المسؤولين تحت الأرض خوفاً على حياتهم (وكذا الكثير من مسؤولي حماس) وركزت إسرائيل غاراتها على مواقع إنتاج الوسائل القتالية وغيرها من منشآت التنظيم.
حرص الجهاد هو الآخر على ألا يوسع القتال، فقد تركزت الإطلاقات نحو غلاف غزة والمدن المجاورة، وامتنع التنظيم عن إطلاق صواريخ إلى مدن أبعد، مثل بئر السبع، وأسدود وبالتأكيد “غوش دان”، رغم أن لديه قدرات مثبتة لعمل ذلك. امتناعه عن ذلك أفاد بأن الجهاد سعى أيضاً لإدارة الأزمة ليبقيها على نار هادئة، دون المخاطرة بفقدان التحكم وبرد إسرائيلي قاس.
كما هي الحال دوماً، في جولة القتال هذه منحت منظومة الدفاع الجوي حماية قوية لسكان الغلاف. وإن 90 في المئة من الاعتراض يعدّ معطى أدنى بقليل من ذاك الذي تحقق في حملة “الحزام الأسود” بعد تصفية بهاء أبو العطا في تشرين الثاني (في حينه سجل معدل 94 في المئة من الاعتراض)، ولا يزال – يعد هذا معطى بالغ الأثر، ويعطي إسرائيل طول نفس مهماً ويسمح لها بالعمل من الرأس وليس تحت ضغط العديد من المصابين في الغلاف.
فهمت إسرائيل أمس بأن الجهاد يسعى لإنهاء الجولة القتالية الحالية، التي بدأت -كما يذكر- بعد تصفية الخلية التي أطلقها التنظيم لزرع عبوة ناسفة على الجدار في جنوب القطاع. وتطور هذا الحدث إلى صراع عنيف، “خطف” الجيش الإسرائيلي في ذروته جثة أحد المخربين، حدث اعتُبر في غزة إهانة وأدى إلى الرد، وقد يكون القرار الإسرائيلي القاضي بإغلاق كل معابر الحدود مع إسرائيل وكذلك الإغلاق التام لمجال الصيد قد ساهم في رغبة التنظيم بوقف النار.
ولكن حتى إذا ما تحقق الهدوء حقاً، فمن المتوقع أن يكون مؤقتاً وهشاً. ومع أن حماس تريد تسوية أوسع، لكن الجهاد –الذي يدير سياسة مستقلة وفوضوية، بتشجيع إيراني– سيواصل تخريب الجهود. ثمة شك في أن تواصل إسرائيل سياسة التجلد مدى الزمن وتسمح للتنظيم بإدارة الحياة في غلاف غزة.
بعد الانتخابات ستلتزم إسرائيل ببلورة سياسة أوضح لنفسها؛ أن توضح لحماس (ومن خلالها للمنظمات الأخرى في القطاع) بأن اللعب انتهى، وأنه إذا لم تتحقق تسوية وتهدئة حقيقيتان، فستحققهما إسرائيل بالقوة.
بقلم: يوآف ليمور
إسرائيل اليوم 25/2/2020