يبدو أن الائتلاف الحالي مصمم على إبقاء نار الخلاف مشتعلة وصب الزيت على عجلات الاحتجاج. المبرر المناوب هو قانون التجنيد الجديد، بالاسم الحقيقي “قانون تسوية تهرب الحريديم من الخدمة”، الذي تريد حكومة نتنياهو شرعنته الآن بضغط من الأحزاب الحريدية. هذا التشريع إذا ما تحقق فسيكون له نقاط ضعف، التي تخلقها الحكومة لنفسها. أولاً، سيخلد عدم المساواة في تحمل عبء الخدمة، الذي نشعر به منذ سنوات. ثانياً، لأن الحريديم يريدون تأمين القانون الجديد بتمرير فقرة الاستقواء، فإنهم يعيدون قوانين الانقلاب إلى مركز النقاش العام بصورة تشعل الاحتجاج.
في تشكيلة الحكومة الجديدة، اضطر نتنياهو إلى الاعتماد على شراكة مركبة: حزبان من اليمين المتطرف وآخران حريديان. كل طرف من هذه الأحزاب وقف مع قائمة طلبات بعيدة المدى، التي هي غير مقبولة لدى قسم كبير من الجمهور الإسرائيلي، وربما تقلق قسماً من مصوتي الليكود أنفسهم.
ملحمة التجنيد تستمر منذ عقود – المحكمة العليا تطلب من الدولة أن تقرر، ومن المهم لزعماء الحريديم الدفاع عن ناخبيهم من الخدمة العبثية. هكذا ولد التعهد في الاتفاقات الائتلافية بتمرير قانون جديد يخرج تجنيد الحريديم من المعادلة أو عقوبات اقتصادية ضد مؤسسات تعليم تساعد على التهرب من الخدمة. في الوقت نفسه، حاول الحريديم الدفع قدماً بقانون يضمن لمن يتعلمون التوراة مكانة مساوية في الحقوق والتسهيلات، مقارنة مع من تسرحوا من الجيش الإسرائيلي.
ثمة شريكان آخران في الاتفاق المرتبط أيضاً بتمرير ميزانية الدولة، التي من المخطط المصادقة عليها في الشهر القادم وهما: وزير الدفاع يوآف غالنت (الليكود) ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش (الصهيونية الدينية). حاول غالنت أن يربط التنازل للحريديم بتسهيلات للجنود، باقتراح تسرب بشكل ما لـ “يديعوت أحرونوت”، سيهبط سن إعفاء الحريديم من الخدمة إلى 23 سنة، وسيحصل الجيش الإسرائيلي على عشرة مليارات شيكل إضافة تخصص كمنح لمن يخدمون، من تمويل الدراسة وحتى المساعدة في شراء شقة في الضواحي. وربط وزير الدفاع بالخطة عنصراً آخر، الذي فعلياً سبق واتفق عليه بين الجيش ووزارة المالية: مسار خدمة تفضيلي، الذي سيتم في إطاره تقصير خدمة الجنود في وظائف أقل ضرورة إلى سنتين (تطور دراماتيكي) مقابل زيادة في أجور الجنود الذين يخدمون في وظائف ضرورية والذين سيخدمون أكثر.
ردت وزارة المالية بتسريب خاص بها في “إسرائيل اليوم”، الذي عرضت فيه خطة بديلة لسموتريتش، لخفض سن الإعفاء إلى 21، بل وادُّعي بأنها مقبولة لدى رئيس الأركان هرتسي هليفي. الجيش الإسرائيلي الذي وجد نفسه في قلب خلاف سياسي، اضطر إلى التوضيح بأن الجيش يتمسك بدعم نموذج جيش الشعب والتجنيد للجميع. سيستمر في طرح مسارات خدمة معينة للمجندين الحريديم. وإذا قرر السياسيون بشأن سن الإعفاء للحريديم فيجب أن يكون 23 سنة على الأقل وليس 21. بخصوص نموذج الخدمة التفضيلي، هو لا يرتبط بالحريديم بل بالتوازنات الداخلية في الجيش. من بين مواقف أسلافه في هذا المنصب، افيف كوخافي وغادي آيزنكوت، اختار هليفي مقاربة آيزنكوت. هو مستعد للاستمرار في خفض مدة الخدمة النظامية، شريطة أن يتركز التقصير على الجنود الأقل ضرورة، ويسمح له بالاحتفاظ (مع دفع أجر مناسب أكثر) بالجنود الضروريين لمدة أطول.
ليس واضحاً من أين ستأتي العشرة مليارات شيكل التي يتحدث عنها وزير الدفاع، في واقع الميزانية الآخذ في الاشتداد، حيث الانقلاب النظامي يهدد بأحداث كارثة في الاقتصاد الإسرائيلي. ولكن توجد هنا قضية أكثر إشكالية، التي لا ينجح التفسير المتأخر للجيش في التغلب عليها بصورة مرضية. يبدو أن جميع الأطراف، بما في ذلك غالنت وليفي، يسلمون بانعدام الخيارات مع إعطاء إعفاء للحريديم في سن صغيرة نسبياً، ومستعدون للسير قدماً. هذا استنتاج ربما يتم قبوله من الزاوية الاقتصادية، ولكن الرسالة القيمية هنا مرفوضة من البداية؛ فتداعيات العملية على الجيش والمجتمع قد تكون إشكالية.
يمكن فهم نقطة انطلاق الاقتصاديين في وزارة المالية. عقد ونصف من الجهود غير المتزنة من قبل الجيش أثمرت عن نتائج ضئيلة. يتجند للجيش في كل سنة أكثر من ألف حريدي، لكن هذه أقلية مرفوضة تماماً مقارنة مع المتهربين بإذن، ولم يحقق الجيش أهداف التجنيد التي وضعت. الإطار الحالي للاتفاق يسجن الحريديم في المدارس الدينية حتى جيل متأخر، في حين أن الكثيرين منهم يفضلون الاندماج في دراسات غير توراتية وفي سوق العمل. هي تخلد الجهل والفقر لأجيال قادمة. هناك أيضاً نقاش في مسألة إلى أي درجة يحتاج الجيش إلى الحريديم وما هي احتمالية ملء الصفوف في الوحدات التي تحتاج إلى ذلك، مثل جزء من الوحدات الرمادية غير المرموقة في المنظومة القتالية.
ولكن ما يفتقده سموتريتش وغالانت والاقتصاديون يتعلق بالتأثير السيئ، بل والقاتل، الذي سيحدثه انخفاض كبير في سن الإعفاء للحريديم على القطاعات الأخرى في المجتمع. ستكون هذه الخاتمة بأن الدولة لا تؤمن حتى في ظل الحكومة الحالية غير المحبوبة بأي شكل ظاهري للمساواة، وسيخلد اتفاقاً نهائياً سيتحمل فيه علمانيون وقسم من المتدينين القوميين (الذين ليسوا طلاباً في مدارس الاتفاق والذين يحصلون على مسار خدمة قصير بدون أي مبرر) وحدهم عبء الخدمة. سيتعرض قسم منهم أيضاً للخطر نفسياً وجسدياً. سيحصل الحريديون على إعفاء مسبق بإذن وبصورة شرعية، وستزودهم الدولة حتى بمسارات التفافية لتلقي فوائد حتى لا يتم حرمانهم، لا سمح الله، مقارنة مع من يتحملون العبء. حتى طلب من لا يخدمون في الجيش خدمة وطنية أو خدمة مدنية بديلة، سيتضاءل.
هذا تفكير سيغضب كل آباء الجنود والمجندات. هذا القرار مثل حقنة سم أخيرة للفكرة التي تحتضر أصلاً، جيش الشعب. ستسقط على أرض هائجة، لأن الخدمة العسكرية تحظى في الاحتجاج ضد الانقلاب النظامي بأهمية استثنائية، مثلما برهن على ذلك احتجاج الطيارين في الاحتياط. إذا أراد نتنياهو أن يضمن، في كل يوم سبت من الآن وحتى إشعار آخر، 100 ألف متظاهر آخر في تل أبيب وفي أرجاء البلاد، فلا شك أن الخضوع لطلبات الحريديم سيكون خطوة في الاتجاه الصحيح. من المرجح أن يكون بين المتظاهرين الجدد عدد غير قليل من مصوتي الليكود والعلمانيين والتقليديين. في حين أن مشاريع قوانين أخرى مجمدة كما يبدو، فإن الدمج بين تمرير قانون التهرب وفقرة الاستقواء سيجمع الاحتجاج وسيعززه ضده. على الطريق، من شأنه أن يمس بالدافعية لخدمة عسكرية مهمة، ليس فقط في أوساط رجال الاحتياط، بل أيضاً في أوساط المجندين القادمين.
عاموس هرئيل
هآرتس 18/4/2023