غزة ـ «القدس العربي»: تسير دولة الاحتلال نحو تطبيق مخططها الرامي لاستمرار الحرب، وتنفيذ خطط التدمير الكامل لقطاع غزة، خاصة أن المعطيات على الأرض تشير إلى قيام جيش الاحتلال الذي تعمد خلال الأيام الماضية توسيع رقعة الهجوم البري، مسح قرى تقع شرق مدينة خان يونس بالكامل، بعد أن أجبر سكانها على النزوح القسري، ومارس عمليات قتل كبيرة كان أبرزها تلك التي استهدف فيها المجوعين قسرا، خلال محاولاتهم الحصول على المساعدات الغذائية وفقا للخطة الإسرائيلية.
وكان الأسبوع الماضي حافلا بالأحداث الدامية، خاصة بعد رفض إسرائيل المقترحات التي قدمتها حركة حماس، بخصوص التوصل إلى اتفاق تهدئة جديدة، في مؤشر على استمرار حكومة الاحتلال في استخدام الضغط الميداني لتمرير شروطها في الاتفاق.
مجازر خطيرة
فعلى الأرض، اقترفت قوات الاحتلال سلسلة مجازر كان أخطرها تلك التي جرى فيها أكثر من مرة استهداف «المجوعين»، الذين رغم المخاطر توجهوا إلى مراكز توزيع المساعدات التي أقامتها إسرائيل في جنوب القطاع وعند النقطة التي تفصل مناطق الشمال عن الوسط، وتديرها شركة أمريكية، حين فتحت نيران الرشاشات المثبتة على الدبابات وعلى الطائرات المروحية التي حامت فوق المكان، وبشكل عشوائي، لتقتل أكثر من 100 مواطن، وتصيب نحو 400 آخرين بجراح مختلفة، وكان من بين الضحايا نساء ورجال ومسنون، خاطروا بحياتهم إلى جانب الشبان، وقطعوا مسافة طويلة مشيا على الأقدام، من أجل العودة إلى أطفالهم بقليل من الطعام، إذ عاد من بينهم إلى أطفاله جثة هامدة، تصارع أمعاؤه الجوع الذي خلقته إجراءات الحصار المشددة.
أولى المجازر كانت بداية الأسبوع الماضي وتحديدا يوم الأحد، حيث استهدف جيش الاحتلال بعد حشر المجوعين في منطقة نفوذه غرب مدينة رفح في منطقة ضيقة، وهناك شرعوا بإطلاق النار عليهم من كل اتجاه، ففي تلك الحادثة استشهد 36 مواطنا وأصيب العشرات، لترتكب في ذات اليوم مجزرة مماثلة في منطقة «محور نتساريم»، وسط القطاع، ولتعود في اليوم الثاني وتقتل عددا من طالبي المساعدة، ولتعود في منتصف الأسبوع لترتكب مجزرة كبيرة في رفح، أدت لاستشهاد نحو 30 مواطنا وإصابة أكثر من 200 آخرين، مستغلة بذلك حاجة الناس المجوعين للمساعدات، لتجعل تلك الأماكن «مصائد للموت والإعدام»، وهو أمر أكدته روايات الشهود الذين قالوا إن إطلاق النار صوبهم جاء بعد حشرهم في منطقة ضيقة للغاية، قبل الوصول بمئات الأمتار لمنطقة التوزيع، وليسجل في كل الأيام الماضية، أنه بخلاف بعض الصور التي نشرتها إسرائيل لسكان يعودون بالمساعدات، أن الغالبية العظمى عادوا فارغي الأيدي أو ضحايا للاستهداف المباشر.
وإلى جانب تلك المجازر التي استهدفت المجوعين، كانت قوات الاحتلال تصعد من هجماتها الدامية على كافة مناطق القطاع، بما فيها المناطق المهددة بالنزوح القسري وتلك التي لجأ السكان إليها، فسجل عدة مجازر في شمال القطاع وفي مناطق الهجوم البري شرق مدينة خانيونس، أسفرت عن وقوع عدد كبير من الضحايا ومسح عوائل بالكامل من السجل المدني، كما تعمدت أيضا إصدار أوامر إخلاء جديدة لمناطق سكنية، طالبت سكانها بالتوجه إلى مدينة غزة أو المنطقة الغربية في خانيونس، وكان من بينها أوامر نزوح أخرجت جميع مشافي شمال القطاع عن الخدمة، ودفعت بأعداد كبيرة من السكان إلى ترك منازلهم تحت وابل القصف، فيما اشتملت أوامر الإخلاء في مدينة خان يونس على المنطقة التي يقع فيها مستشفى ناصر، الذي في حال خروجه عن الخدمة سيتسبب بأزمة كبيرة جدا، بعد الدمار الذي حل بالمشفى الأوروبي، وبسبب توقف عمل كافة مشافي رفح، التي يعالج سكانها في خان يونس حاليا، وهو أمر حذرت من خطورته وزارة الصحة في غزة، واتهمت الاحتلال بتعمد تقويض وخنق المنظومة الصحية، وقالت إن عشرات المرضى والجرحى في العناية المركزة وغرف العمليات والطوارئ والأطفال في أقسام الحضانة باتوا «أمام موت محقق حال خروج المجمع عن الخدمة».
وسجلت مجازر خطيرة حين قصفت الطائرات الحربية عمارات سكنية ومناطق النزوح في الخيام، راح ضحيتها عشرات المواطنين بينهم أطفال ونساء كثر، ولتبث الرعب والخوف بشكل أكبر في صفوف المواطنين الذين أعياهم كثر التنقل والنزوح.
وجاء ذلك في الوقت الذي تواصلت فيه عمليات نسف المنازل والمنشآت في غالبية مناطق التوغل البري شمال وجنوب قطاع غزة، ضمن الخطة الرامية إلى جعل قطاع غزة مكانا لا يصلح للسكن، وتمرير خطة الاحتلال بتهجير السكان قسرا، ووفق معلومات محلية، فإن قوات الاحتلال دمرت بلدات شرق خانيونس ومنها خزاعة بالكامل، فيما لم تعرف بعد أي معلومات عن حجم الدمار الذي لحق بمناطق شمال القطاع، والمتوقع أن يكون مماثلا لما يحصل شرق خانيونس.
إفشال جهود الوساطة
جاء ذلك في وقت لم تعط فيه إسرائيل أي إشارات على نواياها للموافقة على عقد تهدئة جديدة، بعد إفشالها الجهود السابقة بوضع شروط تبنتها أمريكا وضمنتها في ورقتها الجديدة، وهو أمر لم تقبله حركة حماس التي تطلب بوقف الحرب كاملة عن قطاع غزة، وليس عقد صفقات جزئية.
ويدلل على ذلك، امتناع إسرائيل عن إرسال وفدها التفاوضي إلى قطر لاستئناف المفاوضات، بعد البيان المصري القطري الذي جاء بعد فشل خطة المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، بعملهم من أجل إنجاز صفقة تنهي الحرب.
وكل من مصر وقطر أصدرتا بيانا مشتركا، أكدتا فيه مواصلة جهودهما لتذليل «النقاط الخلافية» بهدف التوصل إلى وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وقالتا في البيان إنهما يهدفان لـ«تقريب وجهات النظر والعمل على تذليل النقاط الخلافية للتوصل لاتفاق وقف إطلاق نار بقطاع غزة ارتكازاً على مقترح المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، وبما يتيح استئناف المفاوضات غير المباشرة على أساس هذا المقترح»، وأكدتا أنهما بالتنسيق مع الولايات المتحدة، يعتزمان تكثيف الجهود لتذليل العقبات التي تشهدها المفاوضات، ودعتا إلى ضرورة تحلي كافة الأطراف بالمسؤولية ودعم جهود الوسطاء لإنهاء الأزمة بقطاع غزة وبما يعيد الاستقرار والهدوء للمنطقة.
وأعربتا عن تطلعهما لسرعة التوصل لهدنة مؤقتة لمدة 60 يوماً تؤدي إلى اتفاق وقف دائم لإطلاق النار في غزة وبما يسمح بإنهاء الأزمة الإنسانية غير المسبوقة بالقطاع والسماح بفتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية بما يضمن التخفيف من المعاناة التي يواجهها الشعب الفلسطيني بغزة، وصولا لإنهاء الحرب بشكل كامل والبدء في إعادة إعمار القطاع، وفقاً للخطة التي اعتمدتها القمة العربية الطارئة في القاهرة فى 4 اذار/مارس الماضي.
وفي الوقت الذي رحبت فيه حركة حماس باستمرار الجهود القطرية والمصرية من أجل التوصل إلى إنهاء الحرب في قطاع غزة، أعلنت أيضا استعدادها للشروع الفوري في جولة مفاوضات غير مباشرة، للوصول إلى اتفاق حول نقاط الخلاف، وشددت على ضرورة إغاثة الشعب الفلسطيني وإنهاء المأساة الإنسانية، وصولا إلى وقف دائم لإطلاق النار وانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة.
ولم تعط دولة الاحتلال أي إشارة تفيد بثنائها على هذه الجهود والتزامها بالعمل وفق خطة الوساطة المقترحة، من دون ان تأبه للانتقادات بشأن استهدافها للمجوعين والمدنيين.
رسائل سلبية
وعملت على توجيه رسائل من الميدان تشير إلى استمرارها في التصعيد، وأنها تستغل الهجوم البري لصالح تمرير مقترحاتها الخاصة بالتهدئة، وأساسها عقد صفقة تبادل مقابل هدنة تدوم لأسابيع، بدون التعهد الكامل بوقف الحرب.
وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن الثمن الذي يدفعه شعب إسرائيل في الحرب باهظ، وأضاف «لكننا سنحقق أهدافها جميعا بلا استثناء»، وتابع «سنهزم حماس ونحرر جميع مختطفينا، ونضمن ألا تشكل غزة تهديدا لإسرائيل بعد الآن»، وقال كذلك «نتقدم بخطى محسوبة لمنع أو تقليل سقوط جنودنا قدر الإمكان، لكن لا حروب بلا ثمن».
تبعت هذه التهديدات أخرى توعد فيها رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال إيال زامير بعدم وقف الهجمات على غزة «حتى نعيد الرهائن في أسرع وقت ممكن».
كما أن شريكة في الائتلاف الحكومي اليميني الوزير المتطرف ايتمار بن غفير، أعلن عن رفضه أي قرار يوقف الحرب لو جزئيا، وفق خطة المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، محذرا من أن حركة «حماس ستستغل أي هدنة لإعادة التسلح».
ونقل عنه القول «لست قلقا على المخطوفين في غزة فحسب، بل على أبنائنا وجنودنا أيضا»، معبرا عن معارضته لأي تسوية دائمة، وأضاف «لقد أضعنا ما يكفي من الفرص وحان الوقت للتدخل بكل قوتنا للتدمير والقتل وهزيمة حماس».
سوء الأوضاع الإنسانية
جاء ذلك كله في الوقت الذي تتصعب فيه أمور المعيشة في قطاع غزة يوما بعد يوم، بسبب الحرب والحصار المشدد الذي تفرضه دولة الاحتلال.
وفي وقت تتجه فيه الأوضاع الإنسانية في غزة إلى الانهيار الكامل من كافة المناحي بسبب الحصار والحرب.
وأكدت الأمم المتحدة أن «الوضع الكارثي في غزة هو الأسوأ منذ بدء الحرب»، وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، إن العملية الإنسانية في غزة «من أكثر العمليات التي تواجه العراقيل، ليس فقط في العالم اليوم، بل في التاريخ الحديث للاستجابة الإنسانية العالمية في أي مكان»، وأكد كذلك أن خطة التوزيع الإسرائيلية ذات الطابع العسكري لا تستطيع بأي حال من الأحوال تلبية الاحتياجات الهائلة في غزة.
وأشار مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة إلى أن آلية المساعدة الإنسانية العسكرية التي تعتمدها إسرائيل تنتهك المعايير الدولية لتوزيع المساعدات، وتعرض المدنيين للخطر، وتسهم في تفاقم الوضع الكارثي في غزة، منبها أن الفلسطينيين وضعوا أمام «خيارين قاسيين: الموت جوعا أو المخاطرة بالقتل أثناء محاولتهم الوصول إلى كميات ضئيلة من الغذاء تُوفر عبر المؤسسة».
وفي السياق، رفضت جولييت توما، مديرة الإعلام والتواصل في «الأونروا»، آلية توزيع المساعدات التي تحتكرها إسرائيل، وقالت إن استهداف الجيش الإسرائيلي لطالبي المساعدات الغذائية يعتبر «مأساويًا وجريمة شنيعة»، وطالبت في ذات الوقت الحكومة الإسرائيلية بالسماح لوسائل الإعلام الدولية بدخول غزة لتغطية الأحداث بشكل مستقل، وقالت «مع اشتداد حدة الروايات المتضاربة وحملات التضليل الإعلامي، يجب رفع الحظر المفروض على دخول الإعلام الدولي إلى غزة».
أما مركز الميزان لحقوق الإنسان، فقد ندد بأشد العبارات، بتصاعد هجمات قوات الاحتلال الإسرائيلي الحربية ضد السكان المدنيين في قطاع غزة في سياق ممارستها لـ «حرب الإبادة الجماعية» للشهر العشرين على التوالي، من خلال الاستهداف المتعمد والموسع للمدنيين، وتدمير المنازل فوق رؤوس أصحابها، وقصف مراكز الإيواء والمرافق الحيوية، وتجمعات منتظري المساعدات الإنسانية، وسط أوامر الإخلاء المتكررة، واستمرار استخدامها لسياسة التجويع والتعطيش كسلاح، ومنع وصول الجرحى والمرضى للعلاج، بهدف إيقاع أكبر الخسائر.
وأشار إلى تصاعدت عمليات القصف المركز لتجمعات المدنيين داخل الأحياء السكنية خلال الأيام الماضية، حيث تسبب عمليات الاستهداف المباشر للمدنيين في منازلهم وفي مراكز الإيواء والخيام في وقوع مجازر مروعة وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن، وقتلت عائلات بأكملها، مؤكدا أن قوات الاحتلال لاحقت المهجرين قسراً، واستهدفتهم في خيامهم، في مواصي خان يونس، إضافة إلى استهداف حشود المدنيين المتضورين جوعاً الذين تجمعوا بحثاً عن الغذاء عند نقطة توزيع المساعدات الإسرائيلية الأمريكية.