إسرائيل و”الشمس الاصطناعية”.. أمام تنافس عالمي محموم وقيادتها للشرق الأوسط

حجم الخط
0

يتوقع أن يرتفع استهلاك الطاقة في الكرة الأرضية في العقود القريبة القادمة عقب ازدياد عدد سكان العالم والنمو الاقتصادي والصناعي في الدول النامية، خاصة الهند والصين. حتى العام 2020 يتم إنتاج أكثر من 80 في المئة من الطاقة العالمية عن طريق حرق الوقود الحجري، لكنها طريقة تنتج غازات احتباس حراري، تؤدي إلى زيادة درجة الحرارة في العالم. لذلك، يجري العالم منذ عشرات السنين تجارب لإيجاد بدائل لإنتاج الطاقة غير الملوثة والتي يمكنها تلبية الاحتياجات المتزايدة للإنسانية والحاجة المتزايدة لدول لديها أمن للطاقة.
أحد البدائل هو استخراج الطاقة من صهر نووي. بهذه الطريقة يتم استخراج الطاقة نتيجة مزج أنوية الذرة في نواة أكبر. على سبيل المثال، مزج ذرات الهيدروجين لتصبح هيليوم هو العملية التي تجري بصورة طبيعية داخل الشمس، بفضل قوة الجاذبية الكبيرة فيها. الطاقة الضخمة تتحرر وتنطلق كحرارة، وتنتج ضوء الشمس الذي يصل إلى الكرة الأرضية. الأفضلية الكبيرة لعملية الانصهار النووي هي أمانها المرتفع مقارنة مع طرق أخرى لإنتاج الطاقة. خلافاً للانفجار النووي، أي تحطيم ذرة كبيرة إلى ذرات صغيرة، الذي هو العملية التي تجري في المفاعلات النووية في العالم، يتم في عملية الصهر استخراج طاقة أكثر، ولا يتم إنتاج مخلفات إشعاعية. عيب هذه الطريقة في صعوبة تنفيذها في شروط مراقبة. درجة الحرارة العالية جداً المطلوبة لهذه العملية لا تسمح بإجرائها في وعاء مادي، لذلك المطلوب استخدام حقول مغناطيسية ضخمة من أجل احتواء الوقود المسخن.
يحاول العلماء استعادة عملية الصهر النووي بنجاعة، وهو الجهاز الذي يتم من خلاله إنتاج الطاقة داخل الشمس، وهكذا توفير كميات كبيرة من الكهرباء بشكل نظيف للعالم. حتى السنوات الأخيرة، تركز البحث على طريقتين لتنفيذ الصهر النووي، الأولى بواسطة إطلاق أشعة ليزر كبيرة وقوية تسبب ضغط الهيدروجين، والأخرى في منشأة تسمى “توكاماك”، وهي تشغيل حقل مغناطيسي قوي حول الوقود الهيدروجيني. هذه الطريقة أقرب الآن من الوصول إلى ميزان طاقة إيجابي، أي مجمل الطاقة المستخرجة من العملية أكبر من الطاقة التي استثمرت فيها. أثناء قمة جنيف في تشرين الثاني 1985، قال الرئيس الأمريكي في حينه دونالد ريغان، والرئيس الروسي في حينه ميخائيل غورباتشوف، بأن هذا الموضوع يتطلب جهوداً دولية. وأعلنا عن إقامة مشروع لأبحاث الصهر النووي باسم “آي.تي.إي.آر” (مفاعل الصهر النووي الحراري الدولي التجريبي). في هذا المشروع، الذي يستخدم طريقة “التوكاماك”، تشارك 35 دولة بقيادة الولايات المتحدة والصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان وروسيا والاتحاد الأوروبي.
الصين التي يقدر إسهامها في المشروع الذي انضمت إليه في تشرين الثاني 2006 بـ 9 في المئة فقط، بدأت العمل في موضوع الصهر النووي بصورة مستقلة في منتصف القرن الماضي مع إنشائها في 1965 لمعهد الأبحاث “سويف”. في كانون الأول 2020 بدأت منشأة “توكاماك اتش ل. 2ام” في العمل، التي تستخدم غاز الهيدروجين والديوتيريوم لخلق “شمس اصطناعية”. وثمة منشأة أخرى لأبحاث الصهر النووي هي “أي.اس.تي”، التي تعمل منذ العام 2006 في إطار أكاديمية الصين للعلوم “كاس”. في أيار 2021 ادعي أنها حطمت الرقم القياسي عندما وصلت إلى درجة حرارة بلازما تبلغ 120 مليون درجة مئوية لمدة 101 ثانية. هذه المنشأة حطمت رقماً قياسياً آخر في كانون الأول 2021 عندما وصلت إلى درجة حرارة بلازما تبلغ 70 مليون درجة مئوية لمدة 1056 ثانية. ويتم في هذه الأثناء بناء مفاعل نووي متقدم في الصين باسم “سي.اف.إي.تي.آر”، تستخدم فيه حقول ضخمة للمغناطيس من أجل إنتاج البلازما أو الغاز الساخن. لهذا المشروع ثلاث مراحل: في الأولى سيتم استكمال بناء المفاعل حتى العام 2035، وفي الثانية ستبدأ التجارب في الصهر النووي، وفي المرحلة الثالثة، عام 2050، يتوقع أن تنتج الصين الكهرباء من عملية الصهر النووي.

يعمل الغرب بصورة حثيثة من أجل انطلاقة في هذا المجال. في آب 2021 نجح علماء في منشأة الاحتراق الدولية في الولايات المتحدة “ان.آي.اف” في كاليفورنيا نحو 70 في المئة من الطاقة التي استثمرت فيه من إنتاج عن طريق الصهر النووي. أما في بريطانيا، التي يعمل فيها مشروع “جي.إي.تي” فقد نجح العلماء في إنتاج طاقة تبلغ 59 ميغا غول لمدة 5 ثوان في إطار تجربة أجريت في كانون الأول 2021، وهو ضعف الرقم القياسي السابق الذي سجل في 1997. وثمة مشروع آخر في بريطانيا، وهو “اس.تي.إي.بي” الذي يهدف إلى ربط مفاعل نووي في العام 2040 ويوجد الآن في مرحلة التطوير مع شبكة الكهرباء داخل الدولة. وفي فرنسا يتم في هذه الأثناء بناء مفاعل أبحاث لمشروع “آي.تي.إي.آر” بمساعدة الـ 35 دولة الشريكة في المشروع، وقد تبدأ التجربة الأولى في كانون الأول 2025.
يجب الإشارة إلى أن هناك عدة مشاريع خاصة إبداعية، تحاول تحقيق الصهر النووي بطرق مختلفة. والأمر الذي يوحدها هو صغر مستواها. تقرير رابطة صناعة الصهر “اف.آي.إي” للعام 2022 وجد 33 شركة في أرجاء العالم التي استثمر فيها مبلغ إجمالي يبلغ 4.86 مليار دولار، ارتفاع يبلغ 39 في المئة عن العام 2021، وجزء من هذه الشركات تطمح إلى تحقيق أرباح صافية من الطاقة في منتصف العقد الحالي. عدد الشركات الخاصة التي تعمل في هذا المجال قد تزيد في السنوات القادمة أيضاً. وأشار التقرير أيضاً إلى شركة “ان.تي.تاو” بصفتها الممثلة الإسرائيلية الوحيدة بين الشركات.
إن زيادة عدد السكان لا تقفز عن إسرائيل، ويقدر أن يصل عدد سكان الدولة إلى 17.5 مليون نسمة حتى العام 2050. في العام 2020 كان متوسط انبعاث الغازات للفرد في إسرائيل نحو 8.5 طن في السنة. على خلفية الأهمية المتزايدة لمكافحة الاحتباس الحراري في العالم، وبمناسبة مشاركته في مؤتمر غلاسكو (تشرين الثاني 2021)، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلي نفتالي بينيت في تشرين الأول 2021 عن صفر غازات احتباس حراري حتى العام 2050. من بين خطوات إسرائيل في هذا الشأن يمكن إعداد خطة دعم الإبداع المناخي وإنشاء لجنة إبداع وتكنولوجيا في موضوع المناخ برئاسة رئيس الحكومة. وزارة الطاقة سبق ونشرت صوتاً يدعو لإقامة اتحاد لمؤسسات الأبحاث الذي ينوي بقيادة الجامعة العبرية وجامعة تل أبيب ومركز الأبحاث النووية، وفي المرحلة القادمة، أن ينشئ في إسرائيل معهد أبحاث قومياً في مجال الصهر النووي باستثمار يبلغ 30 مليون شيكل.
الخلاصة
سيستغرق إنتاج الطاقة من الصهر النووي وتطبيقه فعلياً وقتاً طويلاً. في مؤتمر غلاسكو، أعلنت الصين والولايات المتحدة في بيان مشترك عن تعاونهما لتقليص انبعاث غازات الدفيئة فيهما في العقد الحالي. تعاونت الدولتان من قبل عندما نشر في العام 2019 بأن طواقم مشتركة من الدولتين نفذت بحثاً مشتركاً نجحت فيه في حبس البلازما في حقل مغناطيسي قوي لمنعه من الانتشار. في آب 2022 أعلنت الصين بأنها ستتعاون مع الولايات المتحدة في موضوع المناخ، هذا بعد زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي، نانسي بلوسي، لتايوان. وهذه عملية زادت التوتر بين الدولتين، لكن أثناء لقاء الرئيس الأمريكي مع الرئيس الصيني في تشرين الثاني الحالي، أعلنا بأنهما سيعودان للتعاون في هذا المجال. والمطلوب الآن فحص تداعيات الحرب في أوكرانيا والقيود المفروضة على روسيا في هذا السياق على مشروع “آي.تي.إي. آر”، وتعاون آخر يمكن أن يتأخر بسببها.
لإسرائيل إمكانات كبيرة في مجال العلوم والابتكار، الأمر الذي يمكن أن يشكل عاملاً مهماً في تعزيز علاقاتها التكنولوجية مع دول وشركات غربية وصينية. إضافة إلى مبادرات وزارة الطاقة، فإنه تتم توصية العالم الكبير في وزارة العلوم والتكنولوجيا وإدارة الأبحاث بإنشاء آلية وطنية لتعزيز البحث والتطوير المحلي في مجال الطاقة وتوحيد جهود القطاعات الحكومية والأكاديمية والخاصة، من أجل تشجيع التقنية الإسرائيلية وترسيخ وضع إسرائيل كلاعبة نشطة في مجال الطاقة، وذلك لاستغلال مزاياها النسبية وتعزيز علاقاتها السياسية والعلمية والتكنولوجية والاقتصادية في أرجاء العالم، سواء كجزء من مشروع “آي.تي.إي.آر” أو في إطار مشاريع دولية أو إقليمية، خاصة مع جيرانها في الشرق الأوسط.
بقلم: هيدي سيغف
نظرة عليا 22/11/2022

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية