ما الذي دفع شخصا ولد عام 1933 لأب هو عامل صابون من نابلس، يمرّ بمنحنيات السياسة العجيبة: من حزب «التحرير»، ثم «الحزب الشيوعي»، وكيف انتقل بعد ذلك إلى العمل في جهاز المخابرات الأردني، وارتقى في سلك المؤسسة إلى أعلى المناصب، ولماذا يمكن أن يفسّر هذا الصعود ما يمكن أن نسميه بـ»الظاهرة الأردنية»؟
لا تقدم «يوميات عدنان أبو عودة 1970-1980» سيرة شخص عادي، ولكن رغم خصوصيتها فإنها يمكن أن تعتبر ملخصا معبّرا عن الأردن وشخصية هذا البلد بكل تناقضاته ومفارقاته، كما طاقته الفذة التي مكنته منذ تأسيسه على استيعاب الاهتزازات الزلزالية العربية، من دون أن تجرّه إلى ثقوبها السوداء.
كانت النكبة طبعا مبتدأ الطريق في السياسة، فانتسب وهو طالب في الثانوية إلى حزب «التحرير الإسلامي» وكان في طور التشكيل، وتركه بعد 5 أعوام لينتمي للحزب الشيوعي عام 1955. لم يكن الأمر بالنسبة لأبو عودة أيديولوجيا، كما يقول، فكل ما في الأمر أن حزب «التحرير» لم يتفاعل مع السبب الذي دخل لأجله في الحزب فكانوا، على حد قوله «رخوين» و»لا يعملون من أجل فلسطين».
وكما قانون الفيزياء في الفعل وردّ الفعل فقد اتجه إلى الشيوعيين، الذين كانوا «حركيين». أما افتراقه عنهم فسيفسّر اتجاها سيتنامى لدى أبو عودة، من موقف أخلاقي إلى سياسي، وكان الدافع هو موقفهم المؤيد لقتل خصومهم في العراق.
من المفارقات الكبيرة في سيرة أبو عودة أن الشيوعيين حاولوا استخدامه كطعم لاستدراج مدير المخابرات العامة الأردنية، محمد رسول الكيلاني، لقتله، وكان هذا أيضاً أحد أسباب الخلاف معهم، وكانت معرفة أبو عودة بالكيلاني من أيام المدرسة، حيث كان معلما، وسيمنح إعجاب الكيلاني، الذي لم يعرف بقصة «الشيوعي» أو محاولة اغتياله، نقلة كبيرة في حياة أبو عودة، حين يطلبه للعمل معه في جهاز الأمن، وكان الدافع مجددا يتعلق بفلسطين، فكان المطلوب منه تحليل التقارير التي تأتي بالإنكليزية حول إسرائيل وأجهزة أمنها وتسليحها.
يتشابه أبو عودة مع بلده الأردن، في خاصيّة كبرى سنحاول ألا نعطيها اسما، ولكننا سندرس «شواخصها» (كلمة يحب أبو عودة استخدامها) عبر بعض الحوادث التي يوردها في كتابه. من هذه الشواخص، على ما أعتقد، الطابع العاطفي الذي يربط الأردنيين بملكهم، وقدرة الملك الهائلة، مقارنة بالزعماء العرب الآخرين، على التسامح مع خصومه، وهو أمر يبدو أنه طبع الأردنيين أنفسهم ورفع لديهم القــدرة على التسامح وتقبل الخصوم، وهناك أمثلة كبيرة عن العفو عن انقلابيين وتعيينهم في مناصب كبرى، وكذلك في حوادث أخرى مثل حضور الملك خطبة صلاة العيد، وقيام الخطيب نوح القضاة بنسف موقف الأردن السياسي، وإعلان التعاطف مع إيران، ووقوف طالب عام 1975 أمام الملك في الجامعة ليقول إنه اعتقل وأطلق سراحه، لكنه لن يتخلى عن مبادئه فيصفق الطلبة والأساتذة والملكة إلخ.
خديعة مصر وتمثيل الفلسطينيين و»الإقليمية»
يقدم كتاب أبو عودة تفاصيل مهمة لفهم الدوائر الكبيرة التي تصوغ حياة الأردن والأردنيين، التي تدور طبعا حول بلدان ومحن: فلسطين، سوريا، العراق، مصر، السعودية ودول الخليج، ولبنان وباقي الدول العربية، أي دوائر الجغرافيا التي كوّنت الأردن وأحاطت به وبسكانه.
أحد المرتكزات المهمة في الكتاب، تحليل أبو عودة لتداعيات حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 التي استبعد المصريون والسوريون فيها الأردن، ثم قرارات قمة الرباط 1974 التي اعتبرت منظمة التحرير الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، واعتبار ذلك إعلانا عن تخلي العرب عن فلسطين، كقضية قومية وإلقاء مسؤوليتها على الفلسطينيين وحدهم، واستهدافا خطرا لمفهوم الأردن عن نفسه (باعتباره ممثلا للأردنيين والفلسطينيين)، وإبعادا لإمكانية استرجاع الضفة الغربية، أو حل القضية الفلسطينية، وهو يعتبر أن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، هنري كيسنجر، هو الذي أوحى للمصريين بالفكرة، وكان تبني إدارة الرئيس أنور السادات لها هي طريقتها المخادعة للتخلي عن القضية الفلسطينية.
على المستوى الداخلي، تراكبت أحداث احتلال فلسطين للضفة وحرب تشرين وقمة الرباط، حسب أبو عودة، لتغذي توترا متصاعدا، ضمن المكونين الرئيسيين للشعب الأردني، أبناء الضفة الغربية، وأبناء شرق الأردن، الذي يطلق عليه الفلسطينيون اسما تخفيفيا: «الإقليمية»، والواضح أن اللعب على هذه الظاهرة لم يكن منوطا بالشرق أردنيين وحسب، فقد ساهمت فيه منظمة التحرير أحيانا، كما لعبت عليه الأنظمة العربية، وخصوصا النظام السوري.
نايف حواتمة: عمّان الطريق للقدس!
يتحول أبو عودة نفسه إلى نموذج لهذا التوتر، فقد أصبح ابن المؤسسة الأردنية، وكان حاضرا في لحظات الاصطدام القصوى بين المكونين، فكان وزيرا في الحكومة العسكرية خلال أحداث سبتمبر/أيلول 1970، وكان فاعلا أيضا في أغلب اللقاءات ومحاولات التقارب مع المنظمة، وكان مكان ولادته وموقعه المهم في الدولة واستكناهه للأحداث، تجعله من أكثر المتفهمين لهذا التوتر والمتأثرين به، وهو يذكر في كتابه أنه نبه الحسين إلى أن عرشه سيهتز قبل سنتين من أحداث 1970، وأن ذلك جلب عليه غضب مدير المخابرات، كما أنه كان مستهدفا من المنظمات الفلسطينية التي حاولت اغتياله، والغريب أنه يعتبر نايف حواتمة، الشرق أردني وأمين عام «الجبهة الديمقراطية» (صاحب شعار «عمان الطريق للقدس») أحد كبار المتسببين بالصدام بين الجيش الأردني والفصائل الفلسطينية..
من جهة أخرى فإن أبو عودة يعتبر نفسه أحد المسؤولين عن سياسة فك الارتباط بين المملكة والفلسطينيين، ولكن صاحب اليوميات ينتبه لاحقا إلى أن هذه السياسة تم استغلالها من قبل البعض، لما يسميه «تعزيز الاتجاه الإقليمي» لشرق الأردنيين ضد الفلسطينيين.
ستحضر هذه المسألة كثيرا، وعدة مرات في سيرة أبو عودة، ويشعر بسببها بالاغتراب، ويطلب مرة إرساله سفيرا (سيصبح لاحقا ممثل الأردن في الأمم المتحدة)، ويقول مرات إنه يشعر بأنه أجير ومرتزق وأنه يعمل من أجل المال، وفي إحدى الحفلات التي دعا إليها عبد المجيد شومان، رجل الأعمال الشهير، كانت أغلبية الحضور من الفلسطينيين، فشعر أبو عودة بالضيق والغربة، ورغم ملاحظاته وتذمره فإن أبو عودة لا يماري في خطه السياسي الممثل للدولة الأردنية، ولا في مشاعره كفلسطيني أيضا.
يعرض الكتاب عددا من هذه القصص المعبرة، كما حصل حين اختفت صور تظهر احتفال جماهير أردنية بالرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون من عرض التلفزيون، ليكتشف أن من يحمض الصور، وهو فلسطيني من مخيم الوحدات، قام بإخفاء تلك الصور، أو حين يزور بيت مسؤول، فيجد عنده ضباط أمن «من الذين يحركون قضية فلسطين للفلسطينيين»، أي أن الأردنيين لا علاقة لهم بها، وحين يسأل أحد الضباط الملك: ما مصير الفلسطينيين في الجيش والحكومة، وحين يذكر أن ضباط القادة والفرق في الجيش كلهم من شرق الأردن، وحين تطرح جلسة للحكومة التريث في موضوع منح الفلسطينيين جواز السفر، وبالمقابل فإن وفد منظمة التحرير، يحتج على وجود أبو عودة في اجتماعات الاتحاد البرلماني العربي لأنه فلسطيني، ويجب أن لا يمثل الأردن، إلخ.
يحفل الكتاب بالكثير من التفاصيل التي تبدو غير واقعية حاليا، من قبيل مباحثات الوحدة بين الأردن وسوريا، وكذلك الحكايات الطريفة، كما حصل حين زار المؤلف ضمن وفد من اللجنة الأردنية الفلسطينية المشتركة الملك السعودي خالد بن عبد العزيز، فأخذ يحدثهم عن الجوزاء والثريا، فيما ولي عهده الأمير فهد يحكي عن ابن حنبل، وحين حاولوا شرح مهمتهم دب النعاس في الملك وكان الأمير فهد لا ينصت، ثم يقاطعهم الملك قائلا: أظنك قابلت وزير المالية، بمعنى أنكم تأتون هنا من أجل المال وحسب.
يذكر الكتاب أيضا تفاصيل عن كره الرئيس الراحل حافظ الأسد الشديد للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، ومطالبة الأردن بإيجاد بديل عنه مرارا وتكرارا، كما يذكر أن النظام السوري زود إيران بضباط ليقاتلوا مع جيشها ضد العراق، ومحاولات دمشق المتعددة لاغتيال مسؤولين أردنيين وقلقلة الأمن فيه.
يعتبر الكتاب مرجعا مفيدا لدراسة تاريخ الأردن الحديث، ولكنه أيضا، وكما قلت سابقا، مرجع لدراسة «الظاهرة الأردنية».
٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»