انكشفت هذا الأسبوع خطة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش التي نالت اسم “إشارة ضوئية”. زعم أنها معدة لمكافحة الجريمة في المجتمع العربي، لكنها عملياً فارغة من المضمون ويبدو أنها السلم الذي أعطي لوزير المالية كي ينزل بواسطته عن الشجرة العالية التي تسلقها. كما أسلفنا، عارض تحويل الميزانيات إلى المجتمع العربي وخصوصاً في الساحة الأمنية والدولية مع الـ OECD- المنظمة التي كانت ترغب إسرائيل في الانضمام إليها لكنها تطرح بالمقابل شروطاً ومطالب لتحسين وضع العرب مواطني الدولة.
خسارة أن معالي الوزير لا يميز بين موقفه الشخصي الشهير منذ سنوات عديدة وأساسه التفوق اليهودي، وبين الصراع الحقيقي ضد منظمات الجريمة ومنع سيطرتها على مقدرات السلطات العربية. حتى لو كان موقف الوزير صحيحاً، فإنه يحركه الاعتبار غير الصحيح. فقد فشلت هيئات إنفاذ القانون بسبب غض النظر في المجتمع العربي أيضاً.
منذ أكثر من 20 سنة كان لوزارة الداخلية ولوزارة المالية مندوب دائم في السلطات المحلية العربية. وأعطي هذا المندوب لقب “محاسب مراقب”، وما كان يمكن للسلطة المحلية أن تدفع أو تسدد أي دين ولا يحق لها أن تشغل عاملاً دون إذنه وتوقيعه. تدفع راتبه وزارة الداخلية. وإذا كنا نتحدث اليوم عن الفشل، هو كذلك، فعلى الوزارات الحكومية إجراء مراجعة لذاتها قبل كل شيء مع رجال ثقتها الذين أرسلوا كي يحموا الصندوق العام، ويبدو أنهم فشلوا.
في دول العالم الثالث أو في دولة يحكمها نظام غير ديمقراطي من المباحث وأجهزة الاستخبارات، يسمحون لقسم الاستخبارات – في حالتنا “الشاباك” – أن تكون له مشاركة في قرارات الحكومة. ليس لدعمها، بل لإلغاء ومنع قرارات وزراء جدول أعمالهم مناهض للعرب بوضوح، ولتحويل ميزانيات لأقلية قومية وعرقية.
لقد نشأ وضع بات الجهاز الذي وضع العرب تحت المجهر هو الذي يدفع باتجاه تحويل الميزانيات إليهم. هذا يثير عجباً كبيراً جداً: كيف يمكن للحكومة أن تؤدي مهامها إذا كان هذا هو الوضع، وهل يعرف وزراء الحكومة المتطرفون أن قراراتهم تودي بخُمس مواطني الدولة.
ثمة مشكلة في السلطات المحلية، وليس العربية فقط. هكذا سار ويسير الحكم المحلي في إسرائيل منذ عشرات السنين. مسؤولون كثر في السلطات المحلية رفعوا مستوى مكانتهم إلى نواب ووزراء، فتحت ضدهم تحقيقات ورفعت بحقهم لوائح اتهام. إيهود أولمرت كان أحدهم، وكان رئيس وزراء، حكم في فترة ولايته كرئيس بلدية وليس كرئيس وزراء. تشهد المعطيات بشكل واضح بأن منتخبي الجمهور في الحكم المحلي في المجتمع اليهودي حقق معهم وحكم عليهم أكثر بكثير من منتخبي الجمهور.
لا يمكن الادعاء بوجوب منع الميزانيات عن السلطات المحلية العربية باسم مكافحة الجريمة. حين تكون أجهزة الرقابة والدفعات في أيدي الحكومة منذ أكثر من 20 سنة؛ كما أن لسلطة حسابات بنكية خاصة لمشاريع مختلفة، لا يمكن أن يصرف منها المال دون توصية مشتريات وعقود موقعة من المستشار القانوني للسلطة من المحاسب المرافق، ومن أمين الصندوق أو المدير العام، وإن لم يكن هناك إذن لضرورة وظيفة من الجهات المخولة في الوزارات الحكومية المختلفة.
خطة “إشارة ضوئية” تطرح أسئلة عديدة وعلى رأسها: من يفترض به أن يعرف السلطة، وهل يمكن الاستئناف، ولمن؟
جلال البنا
إسرائيل اليوم 31/8/2023