أطلق فريق من المختصين في ترميم الآثار في غزة مبادرة «بيتكم عامر» مطلع تموز/يوليو الجاري، لإحياء المنازل الأثرية المهجورة في منطقة غزة القديمة شرقي القطاع، وتحويل عدد منها إلى مقاهي ثقافية تخدم المجتمع، في خطوة للحفاظ على مكانة هذه البيوت التي يعود تاريخها إلى الحقبة العثمانية.
ويعتبر مركز العمارة والتراث «إيوان» المتخصص في حماية الآثار ومقره الجامعة الإسلامية بغزة، الجهة الوحيدة التي شرعت مؤخراً في حملات عديدة لحماية الأماكن الأثرية من الاندثار، وذلك بجهود فريق كامل من المهندسين والفنيين والعمال المختصين في مجال التوثيق في المركز، والذين يعملون كخلية نحل للحفاظ على التراث الثقافي، من حيث معرفة أساسيات الترميم وطرق التعامل مع المباني القديمة.
ويعود اهتمام مركز «إيوان» للبحث عن البيوت الأثرية القديمة وإحياءها من جديد، للحفاظ على الذاكرة التاريخية لمدينة غزة وإبراز الطابع العمراني لها، فالمنطقة الأثرية الوحيدة الموجود في القطاع كادت تختفي بسبب تراجع اهتمام الجهات الحكومية المختصة بقيمتها، فانطلقت الحملة لتساهم في إعادة المشهد الثقافي لهذه البيوت للواجهة بعد سنوات طويلة من تركها.
ولا تزال العشرات من البيوت والمباني الأثرية التي أنشأت منذ العصر العثماني القديم وما قبله قائمة في غزة القديمة، في حين هناك العديد من المباني الأثرية التي تعود لمئات السنين تعاني من التهميش بسبب تراجع التمويل الخارجي لترميمها، ومن أبرز المعالم الأثرية الموجودة في المنطقة، البيوت التي تعود ملكيتها لعائلات منها، بيت السقا والوحيدي والغصين والعشي، وجميع هذه البيوت هاجر أصحابها منذ سنوات طويلة، وتحولت إلى مكب للنفايات.

وتمكن فريق الخبراء بعد جهد وعناء امتد لأشهر من العمل، الانتهاء من ترميم ثلاثة بيوت أثرية وهي بيت السقا والوحيدي والغصين، وتم تحويلها بشكل قانوني لمراكز تستقبل الكتاب والمثقفين، إلى جانب إقامة الأمسيات الثقافية والحفلات الموسيقية بداخلها، بهدف تشجيع رواد هذه البيوت للتعريف بتراث بلدهم العريق.
وبحذر شديد يقوم فريق الخبراء بعملية الترميم خوفاً من حدوث أي انهيارات لأجزاء منها خلال العمل، كون أن المنازل الأثرية بنيت بواسطة حجارة رصت فوق بعضها البعض بدون حديد أو خرسانة إسمنتية، وهذا أدى إلى وجود تصدعات في أجزاء مختلفة من هذه البيوت.
يقول الخبير في ترميم الآثار فضل العطل إن عملية ترميم المباني الأثرية في غزة ليست سهلة كما يعتقد البعض، فالموقع قبل البدء بترميمه تتم زيارته من قبل فريق من المهندسين، لأخذ نظرة عامة عنه ورسم خريطة لاطلاع فريق الترميم على طبيعة العمل الصحيحة، حرصاً على سلامتهم من التعرض لأي خطر خلال العملية.
وأوضح لـ«القدس العربي» أن مرحلة تشييد المنازل وإعادة إحياءها تأخذ ستة أشهر حتى عام، وهذا يعود إلى أن المنازل جميعها التي تم العمل فيها بنيت بكلفة مالية عالية جداً من قبل أصحابها، فهناك العديد من الأقواس والأعمدة المزخرفة الجميلة داخل البيوت تحتاج إلى حرفية في ترميمها، نظراً لندرتها وصعوبة الحصول على بدائل في حال انهيارها.
وبين أن هناك صعوبات كبيرة تواجه فريق الترميم خلال العمل وربما هذا ما يزيد من طول مدة العمل، ويعود ذلك إلى عدم امتلاك الفريق أدوات حديثة، بل يتم الاعتماد على طرق بدائية من خلال الحفر اليدوي، إضافة إلى أن المواد الخام المستخدمة في الترميم هي خلطات محلية، تغير من طبيعة اللبنة التي بنيت منها الأماكن.
وأكد المهندس محمود البلعاوي مدير المشاريع في مركز العمارة والتراث إيوان، أن مبادرة «بيتكم عامر» ساهمت في الحفاظ على العديد من البيوت العثمانية القديمة في غزة وعدم إهدار قيمتها التاريخية، من خلال التدخل لإنقاذها وإعادة تأهيلها كوظيفة مجتمعية تتناسب مع قيمتها الحضارية، وذلك بعناية وحرفية فائقة من قبل فريق الترميم.
وأشار لـ«القدس العربي» إلى أن المركز قبل البدء بعملية الترميم يعمل على معالجة قانونية للمنازل، لأن غالبيتها لها امتداد من الورثة، فيتم إبرام اتفاقية للتدخل بشكل قانوني في عملية الترميم، كما أن مركز إيوان يسعى إلى تحويلها لمراكز ثقافية تجذب الزوار لها، وابرام اتفاقية مع مؤسسات المجتمع المدني التي تهتم بالقضايا الثقافية والأدبية لضمان تشغيل البيوت بعد ترميمها.
ولفت إلى أن خبراء المركز، تمكنوا من ترميم ثلاثة منازل بشكل كلي من أصل 145 منزلا تعود للعهد العثماني والمملوكي، ويقدر عمر المنازل التي تحولت إلى منارات ثقافية قرابة 700 عام، في حين المركز بصدد ترميم عدد آخر من المنازل بعد الانتهاء من الإجراءات القانونية وعمل دراسات فنية وإنشائية لها.
الصور من موقع مبادرة «بيتكم عامر» على الفيسبوك