إعدام الريادة والفوضى الخلاقة

حجم الخط
2

للوهلة الأولى انزعجت بعد أن سحقتني الدهشة.. 529 يحكم عليهم بالإعدام.. رقمٌ مذهل لا اعتقد أنني سمعت بمثله، وإذ تملك مني الغيظ جعلت أطرح أسئلةً مفندةً رأيتها منطقية، وتساؤلاتٍ لمن حولي ومن أحسبهم ملمين بالتاريخ السياسي، من عينة: كيف تمكن القاضي من إصدار حكمٍ كهذا في جلستين متعجلتين، بينما قضى المتهمون والقضاة والمحامون طيلة الثلاث سنوات الماضية في روحةٍ وإياب لمحاكمة مبارك وأوباشه وزبانيته، ولم يصدر حكمٌ بإعدام أحد؟ بل وأفرج عن الغالبية ومنهم من ينتظر في حقيقة الأمر؟ أيعقل في المقابل أن يحكم على الضابط المسؤول عن موت سبعةٍ وثلاثين سجيناً اختناقاً بعشر سنوات؟! كما أنه حسب علمي فإن الاشتراك في جريمة قتل شخصٍ أو اثنين ومهاجمة آخرين والتعديات المذكورة، مع كامل تقديسي لحياة كل فردٍ، يقلل العقوبة لدى شيوعها، فما بالك حين يكون المتهمون فوق الخمسمئة؟ ثم من الناحية التقنية، كيف يستطيع خمسمئة شخص قتل شخصٍ واحدٍ أو اثنين؟ وقد برر الكثيرون ممن راعتهم قسوة ووحشية التسجيلات المتوفرة لواقعة اقتحام أقسام الشرطة، والطريقة التي تم التعامل بها مع جثمان الضابط الشهيد هذا الحكم، بدعوى أن الحزم والشدة وحدهما كفيلان بالتصدي للإرهاب، بل يؤكدون صراحةً: إرهاب في مواجهة الإرهاب.. مما أشعرني بأنني أنتمي إلى محل جزارة وليس إلى وطن.. فلم أسكت، بل ازددت حماساً ورحت أستحضر محاكمات نورمبرغ حيث مثُل أمام القضاء أقطاب النظام النازي وحكم على نصفهم تقريباً بالإعدام، مع فارق أن عددهم كان حوالى بضعةً وعشرين، وأنهم كانوا رموز وقادة نظامٍ تسبب في مقتل ما يقارب الخمسين مليون إنسان.. وطالت المحاكمات عن قرب الساعة التي قضتها محكمة المنيا في جلستها.
لم يدم انزعاجي طويلاً بل بدد بعض الاصدقاء شيئاً منه حين طمأنوني قائلين:’لا تكدر نفسك، فما زال هناك الطعن والأحكام ستخفف لا محالة ولن يعدم كل هؤلاء.. غاية ما هنالك أنه نوعٌ من التخويف’، ثم أضحكني أحدهم بعد أن كررت على مسامعه نفس التساؤلات ثم ختمتها قائلاً، هل سمعت بشيء كهذا في الدنيا؟ فما كان منه سوى أن رد علي متصالحاً مع نفسه ‘ما هو ده التجديد’، مكرراً جملة الفنان الراحل فؤاد خليل في دفاعه عن أغنية ‘القفا’ في فيلم ‘الكيف’ الشهير..هذه هي الريادة بحق، أم تراك تريدنا أن نقلد الغرب الخائب ذي الأيدي المرتعشة؟ ‘صحة هنا غير صحة هناك’ على رأي الفنان جميل راتب في نفس الفيلم.. وساعتها تذكرت ذلك الخبر الموجز لمجلة ‘فورين بوليسي’ لدى صدور الحكم الذي ذكر ترجيح المحامين لنقض الحكم ومن ثم تخفيفه.
ضحكت من ذلك الواقع، ومن نفسي قبله.. حقاً، لقد أخطأت في جديتي، أخطأت حين تصورت أنني أفهم واقعنا.. أخطأت حين تصورت أن تلك الحلقة من المسلسل هي الأهم.. حتى الغرب لم يعد يتعامل بجديةٍ مع ما يحدث لدينا، بدليل ما أوردته ‘فورين بوليسي’، بل يدركون أن حساباتنا معقدة، كما يبدو أننا بعد أن شددنا انتباه العالم وخياله وصرنا موضع احترامه وتقليد الشباب لنا بعد أحداث 25 يناير، أدمنا تسليط الضوء الإعلامي علينا، فأخذنا نبدع ونخترع.. أولاً الكفتة والآن حكم الإعدام الجماعي، وليس أدل على ذلك مما أوردته صحيفة ‘الغارديان’ البريطانية نقلاً عن منظمة العفو الدولية بأن ‘تلك الحقبة من أحكام الإعدام هي الأكبر في أي مكان في العالم في الذاكرة القريبة’.. ألم أقل لكم ريادة! نعيش زمننا الخاص، حيث يصدر قضاةٌ أحكاماً رادعة يعلمون مسبقاً أنهم مخففوها، وحيث الهدف من ورائها هو الثأر، وربما تملق النظام أو الجمهور لا تحري العدالة، وحيث يصفق جمهورٌ مرهقٌ أعياه الفقر وغياب الأمن والرزق والإرهاب لحكم كهذا، ويصير أحد أصعب الأسئلة المطروحة على النخب: هل نعوم مع الجمهور الغاضب أم نقف مع الإخوان وفصائل الإسلام السياسي الذين يكفروننا ويهدرون دماء بعضنا؟
أجل، نحن العرب نعيش زمننا الخاص.. النظام ما فتئ يلعب لعبته القديمة -الجديدة، المفضلة في حقيقة الأمر، مع الإسلاميين والإخوان بصورةٍ أخص، فتارةً يتعاون معهم ويستفيد منهم حين يريد وتارةً أخرى يعتقلهم ويعدمهم أو يضعهم في الأدراج لحين الحاجة.. لن أتفاجأ إذا خفف ذلك الحكم وبدأنا نسمع عن نتائج جديدة للمصالحة السياسية في الشهور المقبلة، وسأسعد لذلك.. فنحن لنا قواعدنا الخاصة.. لعبة كما قلت، لها قواعدها ومفرداتها تدور على أرضية الهوية والمزاج في الأساس.. لا أنكر أن الأمور تغيرت بعض الشيء مع يناير/كانون الثاني وبصورةٍ أوقع وأشرس بعد 30 يونيو/حزيران، لأن الإخوان تمردوا على الدور المرسوم لهم وتخطوا حدودهم وصدقوا أنفسهم، وها هي الدولة، العميقة جداً، تعيد تربيتهم وتقليم أظافرهم.. خاصةً أنهم طاش صوابهم هذه المرة، وليس أدل على ذلك من أن أحداً من قياداتهم لم يخرج علينا مديناً للإرهاب، ويكفينا تصريح البلتاجي المدهش والكاشف في آنٍ معاً بأن الإرهاب سيتوقف مع عودة د. مرسي.. طرفان يلعبان مع بعضهما بعضا ويدميان بعضهما بعضا.. ونحن في الوسط، يسقط منا الضحايا ونختلف ونجرح بعضنا بعضا وجهاً لوجه وفي كل المنتديات.. وكل طرفٌ يسوق الحجج، وفي غيبة أية مكاسب ملموسة ومع استمرار تردي الأحوال المعيشية وسقوط القتلى الأبرياء تصبح اللعبة بغيضة، مميتة، مضيعة وعبثية فوق كونها شديدة التعقيد من الأساس.. لوهلة تتصور أنك تراقب مشهداً تتصارع فيه صياغات لفظية وقصصية بعيدة عن الواقع واهتمامات الجماهير، غير مقنعة، خاصةً أن كثيراً من تلك القصص والحكايا ملفق. مشهد ما بعد حداثي.. ثم تعيدك أحكام الإعدام وروائح التفجير والدماء والوجوه الغاضبة التي تريد أن تمثل بجثة ما إلى همجية ما قبل التاريخ.. ألم أقل أننا نعيش زماننا الخاص.
إلا أن لذلك الواقع، على تعقيده، سببٌ مفهوم.. إن الحراك الثوري المصري لم يحقق تغييراً يتناسب مع حجمه ومنطلقاته الاجتماعية – الاقتصادية، فقد سقط تحت عبء ميراث مبارك المبهظ من تشتيت المعارضة وتدجينها وإخصائها باستثناء الفصائل الإسلامية التي تعايش مع بعضها، بل تعاون معه في علاقةٍ تشبه المقاولة من الباطن في بعض الأحيان، بالإضافة إلى التجريف والقهر والإرهاق الناتج عن الإفقار، جراء سياساتٍ اقتصاديةٍ ذات طابعٍ نهبي.. لم تحكم الثورة ولم تتغير الانحيازات الاجتماعية وكان الإخوان بمثابة طوق نجاة.. غاية ما هنالك أن حاجز الخوف من الدولة قد سقط، ومع تلاشي الأحلام دخلنا عصر ما قبل الدولة بدل أن نحاول اقتحام ما بعدها، وعوضاً عن أفضل ما في المصريين الذي تبدى في 25 يناير، حين كنس الناس الشوارع يظهر الآن أسوأ ما فيهم.. يظهر تجاور الأزمنة والتطور غير المتجانس بين فئات المجتمع ومناطقه والتجريف الفكري والسياسي.. البعض يعيش في القرن الواحد والعشرين والآخر يعيش في بادية العرب الجاهلية، بل وفي نفس الشخص الذي يجيد عدة لغات أجنبية ولا يرى أي مشكلة في حكم إعدام خمسمئـــة فرد.. فوضى في المقولات يرفدها إعلام الريادة الذي يروج، بصوتٍ عالٍ همجي، لشتى المقولات المبتورة والمرسلة والموضوعة، والمحصلة ريادة جهاز كفتة عم الأستاذ الدكتور اللواء عبد العاطي وحكم الإعدام العجيب هذا.. فوضى خلاقة فعلاً، ولكنها تخلق الفكاهة والعبث، لأن أي عاقلٍ لا بد أن يدرك أن هذا الحكم، المسيس بامتياز في نظري، لا يزيد الأمور إلا تعقيدا، ولا يخدم سوى الإخوان ومناصريهم في حقيقة الأمر، حيث يسبل عليهم المزيد من المظلومية ويوفر أداةً وحجةً للطعن على منظومة القضاء.. إن هذا الحكم أكثر مما يحتاجه النظام أو يريده ويتحمله، فهو فضيحة دولية بكل المعايير والمقاييس، على الرغم من عنصري التفرد والريادة..
إذا استمرت هذه الوتيرة فإنها لا تبشر بأي خير.. جهاز كفتة وحكم إعدام لا يصدره سوى هولاكو وستالين، هزلي في الحقيقة باعتبار التخفيف شبه المحتم.. هزل في محل الجد..
نحن لا نعيش في محل جزارة وإنما سيرك.. لكنه سخيف وممل، وشيئاً فشيئاً ينتفي عنه عنصـــرا المفاجأة والإبهار..
لم أنتم يوماً للجماعة ولم أقتنع بآرائهم، ولا أدافع عن الإرهاب أو أتقبله.. المسألة مسألة أسئلة جوهرية: هل نحن أمام قضاء يتحرى العدالة (حتى بمضمونها البرجوازي) أم أمام وسيلة من وسائل الثأر؟ هل سينجح العنف المتبادل من دون إنجازات ومكتسبات اجتماعية، ومن دون تغيير مسار؟

‘ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية