رواية الأنظمة عن ثورات الربيع العربي هي نفسها تقريباً، مع بعض التنويع هنا وهناك، حيث مؤامرة خارجية دُبّرت بليل، وحيث الأموال تغدق على الناشطين المندسين.
تقول رواية نظام عمر البشير إن أصل «المصيبة» قابع في حانة لندنية، حيث يجتمع «شيوعيون» في حوزتهم مئتان وخمسون مليون دولار لإدارة الأنشطة والمظاهرات كافة، حسب كلام صحافي موال تحدث لقناة «أم درمان» السودانية.
بار لندني، شيوعيون، ودولارات، أراد منها إعلام النظام تقديم صورة متهتّكة للناشطين السودانيين، في وقت راح يعزز صورة البشير بحكايات زاهدة، كما لو أنها مسربة من كتب التاريخ العربي المجيد
لكن سودانيي لندن في معظمهم لم يسمعوا بتلك الحانة إلا من صحافيّ البشير، وسرعان ما توجهت إليها الأنظار عندما راح السودانيون، للسخرية، يلتقطون الصور أمام الحانة.
بار لندني، شيوعيون، ودولارات، أراد منها إعلام النظام تقديم صورة متهتّكة للناشطين السودانيين، في وقت راح يعزز صورة البشير بحكايات زاهدة، كما لو أنها مسربة من كتب التاريخ العربي المجيد.
من بينها رواية اللحظات الأخيرة لرحيل البشير، فقد ذكرت صحيفة أن مبعوثي الجيش وجدوا البشير على أهبة صلاة الفجر في المسجد الملحق في قصر الضيافة، جلسوا إليه، وأخبروه بخطورة الأوضاع في البلاد وبخشيتهم من خروجها عن نطاق السيطرة، وأن اللجنة قررت تولي السلطة لفترة محدودة، ووضع البشير قيد الإقامة الجبرية. فما كان منه إلا أن قابل الأمر بهدوء، قائلاً: «خير.. فقط أوصيكم على البلاد والشريعة».
لا أمل، على ما يبدو، في أي تعديل على الكيفية التي تصاغ بها روايات الأنظمة، لكن الخشية أن تكون كل التواريخ المجيدة قد كتبت بهذه الطريقة نفسها!
أيقونات
تلقّى السوريون الصور الأيقونية الرائعة في فيديو وفوتوغراف الناشطة السودانية آلاء صالح بشيء من التحسّر، فقد كرَّ شريط النساء السوريات اللواتي ملأن ساحات التظاهر والشوارع بأساطير لا تُنسى.
الحسرة لا لأن العالم لم يلتفت للأيقونات السورية، فهذه لها مكانتها في أرشيف الثورات وفي ضمير العالم، وسبق أن حازت صورها أرفع الجوائز، إنما لأن سنوات من النضال الأسطوري لم تستطع أن تزعزع النظام ومؤيديه، أو أن تدفع قيادات الجيش لموقف مماثل كما في مصر أو تونس أو السودان.
«بلى، إن الطلقة تقتل، كما يقتل أيضاً سكوت الزول»، ألم تروا كم من السوريين قتلتْ طلقاتُ النظام على مدى ثماني سنوات، كم من الأيقونات!
يتغنى الجميع بتلك العبارة الفاتنة في نشيد الأيقونة السودانية المدهشة «الطلقة ما تقتل، يقتل سكوت الزول»، لكن لسان حال ناشط سوري يقول: «بلى، إن الطلقة تقتل، كما يقتل أيضاً سكوت الزول»، ألم تروا كم من السوريين قتلتْ طلقاتُ النظام على مدى ثماني سنوات، كم من الأيقونات!
لا تصالح!
سُئل نقيب الفنانين السوريين وعضو مجلس الشعب (البرلمان)، الممثل زهير رمضان، في مقابلة إذاعية إن كان يقبل بعودة فنانين معارضين إلى النقابة بعد تسوية أوضاعهم، ما دام من المقبول (لدى النظام) تسوية أوضاع معارضين مسلحين، فأجاب بشكل حاسم ونهائي: «لا تصالح».
وقد فسّر موقفه بالقول: «المسلحون مغرر بهم، حبتين كبتاغون وشوية حشيش (لأحدهم) وبيقتل أمه وأبوه. وقت يحطوا بإيده كم دولار ويأمرونه بقتل وذبح فلان، فلأنه غبي وجاهل وأمي سيتصرف. لكن لا تصالح قائد رأي، لا تصالح مثقفاً وفناناً، لأنه يعي تماماً ما يفعل».
تصريح رمضان غير مستغرب، فهذا التطرف معهود لديه، آراؤه ليست سوى صدى لتطرف النظام نفسه، ولولا ذلك لما كان في موقعه كنقيب للفنانين وفي البرلمان من دون ألمعية أو تفوق يذكر في أي مكان، إنما الغريب أن يعهد النظام لفنان بأن يصبح الوجه الأكثر خشونة.
يبدو أنه بات علينا الاستنتاج أن أمثال رمضان، ومواطنه بشار برهوم، صاحب الفيديو الشامت بضحايا مجزرة نيوزيلندا، هم الأصل في «سوريا الأسد»، هم من يختار وجهة النظام، طريقه وطريقته.
إرهاب في الأرحام!
«إرهاب في الأرحام»، عنوان فيديو لموقع إماراتي (العين الإخبارية) يتحدث عن الخطر الذي تحمله نساء «داعش» في أرحامهن وعن القلق الأمني الذي يثيره ذلك لدى أوروبا والعالم.
كذلك يتحدث الفيديو عن أطفال «داعش» من الأوروبيين «خاصة أن الأمهات أنشأن جيلاً على ثقافة القتل»، بحسبه، ويصل إلى التأكيد أن «تقارير دولية تقول إن 31 ألف امرأة من «داعش» حامل، وإن هذا الأمر لم يكن اعتباطياً، بل مقصود ومخطط له».
عندما أقرأ عبارة «إرهاب في الأرحام» أتذكر على الفور تلك العبارة المكررة في وصف أفظع المجازر التاريخية: «بقْر البطون». أن يصف إعلامٌ الأرحامَ بالإرهاب لا يعني سوى دعوة مبكرة للغاية للقتل.
الفيديو على هذا النحو لم يصدر حكماً وحسب على نساء «داعش» الناجيات، بل هو حكم حتى على الأجنّة، فلا أمل، بحسب الموقع الإماراتي، إلا أن يكبر هؤلاء على دين «داعش»، على ثقافة القتل.
عندما أقرأ عبارة «إرهاب في الأرحام» أتذكر على الفور تلك العبارة المكررة في وصف أفظع المجازر التاريخية: «بقْر البطون». أن يصف إعلامٌ الأرحامَ بالإرهاب لا يعني سوى دعوة مبكرة للغاية للقتل.
من حسن الحظ أن المؤسسات الأوربية المعنية ليست موقعاً إخبارياً إماراتياً.
عكس البلاغة
من بين مختلف المحطات التلفزيونية الناطقة بالعربية يجد المرء في أداء مذيعي «فرانس24» الأكثر ألفة، الأقرب إلى الحياة، لا يبالغ في البلاغة، ولا يتهافت إلى العامية المستعملة بكثرة في المحطات اللبنانية أو المصرية. لعله الأداء الضد لمرض البلاغة التلفزيونية التي فرّخت أمراضاً شتى في الإعلام العربي.
فرّخت البلاغة التلفزيونية أمراضاً شتى في الإعلام العربي.
غير أن أداء مذيع «فرانس24» عادل قسطل يوم الجمعة الماضي جاء بالغ الرخاوة إلى حد مقلق، حتى أن المرء لينتابه قلق إن كان أصابه مكروه، أو بلغه التعب بسبب وقت التغطية الطويل، فراح يقرأ ويسأل ويعلّق باستهتار، ولا كأنه على الشاشة أمام الجمهور الواسع.
كاتب فلسطيني سوري