إعلام الممانعة والكرم الزائف… “الأبد السوري” ليس على ما يرام… ورائدة طه: سيلفي مع أبو عمار

حجم الخط
2

لا يخفى أنه لا يمكن لأي من حضور خطاب لبشار الأسد مقاطعته بقصيدة أو كلمة أو تحية من دون أن يكون ذلك محضراً سلفاً، وخاضعاً لرقابة استثنائية، وحتى لو حدث ذلك فرضاً فسيكون للرقابة اللاحقة اقتطاع ما لا يليق.
هذا يعني أن الكم الهائل من الأشعار والهتافات، بل والعتابا التي أطلقت على هامش خطاب بشار الأخير، يأتي ضمن توجّه إعلاميّ مقرر لا يمكن قراءته إلا لإثبات ولاء غير محدود، قد يختصر كلّه بعبارة قالها برلماني سوري في خطاب سابق: “قليل عليك أن تحكم سوريا، أنت لازم تحكم العالم”.
كيف يمكن لمن يواجه أربعة حروب (على ما ذكر في خطابه) أن يكون لديه الوقت للاستماع لكل هذا الزجل!
فتح الباب للزجل يعيد إلى الأذهان بداية تسلّم بشار الحكم، وكيف أمرَ بإزالة صوره من واجهات المباني وعلى زجاج السيارات. كان الاطمئنان لـ “الأبد” على أشدّه في تلك الأيام، ولم يكن توطيده ليحتاج أكثر من مغازلة الجماهير بالطلب إليهم أن ينزعوا الصور. كم تغيّرت الدنيا إذاً حتى بات يطلب من الحضور الهتاف، وتوزّع عليهم الأدوار والمواقيت.
واضح أن “الأبد السوري” ليس على ما يرام.

الكرم الزائف

تعرفت في دروس المقهورين وذاكرتهم على تعبير “الكرم الزائف”، وهو يحدث عندما يحاول الدكتاتور، المطمئن تماماً إلى حكمه وسطوته، أن يتيح للناس متنفساً ما، سواء للتعبير أو لسبل عيش لم تكن متاحة من قبل. كذلك ينظر المرء إلى إعلام الممانعة وهو يسبق طلاب الحرية والديمقراطية والعدل على المطالبة بحرية تعبير هنا، أو استنكار عسف رقابي هناك، أو معاتبة سجّان سوري ودعوته إلى سهرة في عيد الحب كي يتيح لمعتقل في عتمة الأقبية أن ينام ليلته من دون تعذيب وحشي.
صحف الممانعة وقنواتها تعرف إذاً ما يجري في الأقبية، وفوق الأقبية، لكنها تحاول من جديد رسم حدود حرية التعبير، فبالإمكان أن تعود روايات وأفلام تتحدث عن السجن والقهر والعذاب في شرق المتوسط لعقود تالية، بل ويمكن لجمعيات لحقوق الإنسان والسجناء والنساء ومناهضة العنف أن تنشط من جديد، لكن فقط كنوع من الأعطيات، التي يمكن استعمالها في بروباغندا الممانعة.

مخيم في الريح

تذهب “فرانس24” بـ “تذكرة عودة إلى مخيم نهر البارد” شمالي لبنان فتعيد إلينا عبر تقرير (أعدّته صوفيا عمارة) لا يتعدى الخمس عشرة دقيقة تاريخ الفلسطينيين ونكبتهم، منذ إنشاء المخيم الفلسطيني العام 1949 مروراً بالاستيلاء عليه من قبل مجموعة “فتح الإسلام” ثم تدميره وتهجير سكانه، وصولاً إلى معركة إعادة الإعمار البطيئة والمستمرة منذ أحد عشر عاماً.
نصف المخيم مدمر حتى اليوم، يعيش مهجّروه في علب معدنية صدئة أنشئت لهم بعد المعركة التي أفضت إلى التخلص من تلك المجموعة الإرهابية (أخطر تصريحات المرحلة كانت لحسن نصر الله حين قال إن اقتحام المخيم خط أحمر)، من دون متطلبات الحياة. هناك حيث الجرذان والبعوض ومياه المجارير ترى بالعين المجردة.
ينجح التقرير المتلفز في تسليط الضوء على تفاصيل الحياة اليومية، وفي الوقت نفسه على تاريخ المخيم، وأهميته الاقتصادية في محيطه، ثم التطرق إلى تقليص إدارة دونالد ترامب الأموال المخصصة للأونروا، إلى حرمان الفلسطينيين من العمل في لبنان، وصولاً إلى الحديث عن تدمير ذاكرة المخيم، وتمسّك أهله بالعيش فيه رغم كل شيء، كمقدمة للعودة إلى فلسطين. هنا يعرض أحد أبنائه لكاميرا القناة الفرنسية زجاجة فيها تراب قريته علما، التي أصرّ على إنقاذها من تحت أنقاص مخيمه المنكوب.
يختم التقرير بالقول إن “مقاومة النسيان هي الحيلة الأخيرة للحفاظ على حق العودة”. لكن مقاومة النسيان تعني أيضاً أن ليس على الفلسطينيين أن ينسوا من كان المسبب في محنتهم المتجددة، من أرسل “فتح الإسلام” إلى مخيمهم، من أين جاء زعيمهم شاكر العبسي، من هم صانعوه؟ أي: نظام الممانعة.

سيلفي

جاءت الخيبة على قدر التشوق في انتظار مقابلة الممثلة الفلسطينية رائدة طه في برنامج “المشهد” مع جيزيل خوري على “بي بي سي”.
على الأقل لم تأت المقابلة بحجم تجربة طه، ابنة علي طه الذي قضى إثر خطفه طائرة والهبوط بها في مطار اللد. وهي الممثلة المسرحية، وصاحبة التجربة الاستثنائية في مرافقة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
ليست المشكلة فقط في أن “المشهد” بدا وكأنه مجرد مقابلة مع سكرتيرة الرئيس الفلسطيني، بل وفوق ذلك أن السيدة طه حوّلت كل حديثها عن أبو عمار إلى “بروظة” ذاتية أكثر من أن تكون حديثاً عن الراحل بنظرة مقربة وضرورية.
حلقة فارغة لا يمكن إعفاء المحاورة خوري من مستواها، فالأخيرة غالباً من ترخي العنان لضيوفها. يشعر المشاهد بوضوح بقلّة الإعداد، وبرغبة في تحويل المشهد إلى مجرد “سوالف”.

كاتب فلسطيني سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية