الذين روجوا للوحة القبلة للفنان النمساوي ‘جوستاف كليمت’ على أنها واحدة من أعظم لوحات التصوير الزيتي في التاريخ، هم أنفسهم الذين روجوا لأوتوجروت الألماني على أنه عالم عبقري، علوم الإعلام وصاحب أهم نظرية تعريفية لذلك العلم، وقد جرى خلفه الباحثون العرب بسذاجة تدهشك من التناول العربي للأفكار المطروحة غربيا، طالما تم طرحها باسم جوزيف أو جورج أو هارولد، فالعقل الذي لم يقبل النقد الذاتي يوما، لا يمكننا أن نتوقع منه سوى قبول الآخر دون مناقشة موضوعية لقيمة العمل المطروح، في استرخاء تام لقبول أفكار المتفوق حضاريا حتى لو كانت محض عبث وربما تخاريف لغوية، ليس لها علاقة بالمطروح لغويا أو اجرائيا.
قبل الولوج إلى نقد تعريف أوتوجروت الألماني لمعنى الإعلام وقبل أن نعلن بجرأة بحثية بأن ما طرحه العالم الشهير، لا يرتقي إلى تعريف طالب في المرحلة الثانوية يكتب موضوعا تعبيريا، ربما يعطيه المصحح صفرا. نرجو القارئ العربي أن يضع لوحتي ‘القبلة لجوستاف كليمت ‘إلى جوار لوحة’ الكورس الشعبي ‘للعبقرية المتفردة عبدالهادي الجزار ومنهما يعود لقراءة كتاب التراث المسروق لجورج جيمس، وإن كنا نراهن على نتاجنا العربي فلننحي جيمس جانبا ونبحث عن ابن وحشية النبطي و’ ذوالنون المصري ‘ اللذين خاضا غمار تجربة فك رموز الكتابة المصرية القديمة قبل شامبليون بمئات السنين، وعلى الرغم من ذلك يظل شامبليون هو العلامة التاريخي في فك رموز الكتابة المصرية القديمة، وعلى هذا المنوال نسير خلف نتاج الغرب دون احقاق حق أو عمل جدل حضاري، يجعلنا نثق في قدراتنا كعلماء وباحثين عرب. فما طرحه أوتوجروت بسذاجة مخيبة للآمال مع حجم شهرة صاحب التعريف جلعنا نبحث في التعريفات المختلفة للإعلام بدأ بابن منظور في لسان العرب وحتى أحدث تعريف أكاديمي على مواقع البحث العلمي، لنفاجأ ‘بمارثون’ النقل الأكاديمي العربي عن أوتوجرت صراحة أو اشتقاقا، لكن الجدير بالذكر وعي الباحث الكبير الدكتور إبراهيم إمام الذي لم ينجرف وراء الزبد المعرفي المستورد، في مخالفة واضحة لما طرحه العالم الألماني بأن الإعلام هو : التعبير الموضوعي لعقلية الجماهير وروحها وميولها واتجاهاتها في الوقت نفسه. قبل التعرف على تعريف إبراهيم إمام، لا بد من نقد وتحليل تعريف أوتوجروت دون تحامل أو انحياز مؤدلج. لذا كان لا بد من طرح سؤال مهم عن صحة الترجمة للتعريف وهل هو صحيح أم لا؟ كي لا نتحرك في مسارات خاطئة. فبالبحث تحققنا من صحة الترجمة والتي كنت أشك في كونها ‘عن عقلية الجماهير.. إلى آخر التعريف’ وليس ‘لعقلية الجماهير’ فإن كان التعريف باللام صحيحا فنحن أما كارثة علمية، أما إن كان الثاني ‘عن’ هو الصحيح فنحن بصدد مصيبة أكاديمية. فلنفترض جدلا صحة هذا وذاك فإن التعبير الموضوعي لعقلية الجماهير وروحها وميولها، يعني نظريا تقديم رسائل ممنهجة تملأ فراغا معرفيا أو تثبيتيا لمعارف مسبقة، وهذا التعريف هو دعوة رسمية لتعطيل جميع الميكانيزمات الحسية للإنسان واحالته إلى متلق سلبي، فاقد لمنهجية البحث العلمي واعمال العقل، لأنه بهذا الوصف سيتلقى رسائل معبرة عن عقله وروحه ومشاعره، دون البحث والتقصي عن صحة الرسالة فالتلقي أصبح علما مستقلا، قد أفردنا له بحثا كاملا بعنوان ‘الفضائيات العربية الطريق إلى الجهل’ وليس مجرد مشاهدة سلبية توافقية مع أفكار مسبقة أو وجدان يرغب في التلقي بما يوافق الوهم والحالة التي عليها المستقبل. أما إذا افترضنا أن التعريف جاء بـ’ عن’ فهذا يعني بناء الرسائل بما يوافق عقلية وميول واتجاهات المتلقي، وليس لهذا التعريف إلا توصيفا واحدا وهو: صياغة الرسالة بحالة توافقية، سواء كانت كاذبة أو صادقة. لذا كان تعريف إبراهيم إمام أكثر عمقا من تعريف أوتوجروت الذي لا يعد تعريفا من الأساس. فقد عرف إبراهيم إمام الإعلام: هو تزويد الجماهير بأكبر قدر ممكن من المعلومات الصحيحة أو الحقائق الواضحة التي يمكن التثبت من صحتها، أو دقّتها، بالنسبة للمصدر الذي تنبع منه، أو تُنسب إليه .
قضايا الفكر العربي عامة والإعلام خاصة لا تخرج عن دائرة حتى إذا دخلوا جحر ضب دخلتموه، ربما خوفا من النقد أو استحياء من الإعلان عن نظرية عربية جديده تنافس أو تتفوق على غيرها. لذا أقدم تعريفي الخاص بالإعلام بلا خوف من النقد، فنحن لا نكتب كتبا أو أبحاثا مقدسة. محض أفكار إنسانية قابلة للصواب والخطأ، فالإعلام عندي: هو أداة تحريضية على الثقافة والمعرفة الصحيحة. أي هو دافع لعدم استقبال الرسائل دون بحث وتحقيق وتقصي لمضمون الرسالة التي تعرض إليها. فالحيادية في الإعلام تشبه تماما مدينة أفلاطون المثالية والموضوعية المفترضة ما هي إلا أحلام باحث عن فردوس مفقود، والعمل الأكاديمي العربي الذي وقع في خطئية الهرولة خلف المفاهيم المغلوطة دخل جحر ضب التفوق الحضاري دون أن يثق في قدراته التي إذا ما إستطعنا الترويج لها لكانت ‘الكورس الشعبي’ أهم عند العالم من قبلة كليمت. فاخرجوا من جحر الضب يرحمكم الله.