” نحن جيل 17 أكتوبر”، أعلن المتظاهرون الذين خرجوا إلى شوارع بيروت السبت الماضي للاحتفال بمرور سنة على اندلاع المظاهرات العاصفة التي جرت في تشرين الأول 2019. أصيب المئات واعتقلوا منذ ذلك الحين، واندلعت مواجهات شديدة بين قوات الأمن ورجال حزب الله وبين الشباب المحبطين، وفي نهايتها سقطت حكومة سعد الحريري وبقي لبنان بدون حكومة تقوم بأعمالها بعد أن حاول رئيسا حكومة آخران تشكيل حكومة، دون أن ينجحا في ذلك. اليوم يتوقع أن يكلف رئيس لبنان، ميشيل عون، بتشكيل الحكومة مرشحاً ما زال اسمه مجهولاً، وما زال هناك عدم اتفاق على من يمكن أن ينقذ لبنان من الأزمة السياسية الأكثر صعوبة والتي شهدتها منذ الحرب الأهلية.
حوّل المتظاهرون الذكرى السنوية إلى يوم لمحاسبة النفس وإجمال الإخفاقات والنجاحات. نشرت عبر الشبكات الاجتماعية ووسائل الإعلام التقليدية مئات المنشورات والمقالات التي يظهر فيها الإحباط واليأس من إصلاح الدولة، التي يعيش حوالي نصف سكانها على خط الفقر أو تحته. وكنجاح، أشار المتصفحون إلى إسقاط حكومة الحريري، وأخوة الاحتجاج التي تجاوزت الطوائف والأديان والأعمار والجنس، والإبداع الفني الذي ازدهر في فترة المظاهرات.
نُظر إلى السخرية والنكات التي انتشرت في فترة المظاهرات على أنها السلاح المتظاهرين الفعال. “النكتة حررت النظام من صورته الذاتية وقدسية رموزه”، كتب زياد توبة في موقع “درج”. “صحيح أنه ليس لدينا في الشوارع تماثيل لزعماء نستطيع تحطيمها، لكن النكت حلت محلها”. في إحدى النكت التي جاءت من السخرية الحادة للممثل زياد عيتاني، الذي اعتقل في السابق بتهمة التعاون مع إسرائيل، كتب: “المظاهرات وإغلاق الشوارع هي تلك التي أدت إلى وقف القطارات في لبنان (في لبنان لا يوجد قطارات)، وإلغاء تجربة إطلاق القمر الصناعي “أرز 3″ وتقليص الإنتاج الإلكتروني اللبناني والتصدير إلى اليابان”. بنغمة أكثر جدية، صرخ كاتب المقال جوزيف أبو فضل، على زعيم حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، الذي غرد: “نحن مع الثورة حتى تحقيق أهدافها”. “كيف أصبحتم فجأة مع الثورة، لقد كنتم موجودين في كل حكومات لبنان منذ العام 2005؟”.
رسوم كاريكاتورية استهزأت بزعماء النخب السياسية ملأت حسابات “تويتر” و”فيسبوك”، وعلى الجدران العامة تم رش شعارات “كلن يعني كلن”، أي يجب إقصاء كل القيادة وعدم إبقاء أحد. “أين هو الاقتصاد الذي افترس توفيرات المواطنين وأزهق حياتهم، أين هي الخطة الاقتصادية ومن أفشل تنفيذها؟ أين هي برامج التطوير والاستثمار؟”، سأل المتصفحون الذين نشروا في الأسبوع الماضي أفلام فيديو قصيرة على الإنترنت يظهر فيها شباب وشابات وطلاب ومحاضرون ومحامون ومواطنون عاديون، الذين احتجوا على مستقبلهم المدمر وتحدثوا عن نيتهم في الهجرة من لبنان. حسب استطلاع أجري هذا الشهر في لبنان، فإن أكثر من 77 في المئة من المستطلعين قالوا إنهم بدأوا في إجراءات الهجرة من الدولة أو أنهم يفحصون بجدية فعل ذلك. هذا هو المعدل الأعلى من بين مواطني الدول العربية. في “فيسبوك” و”تويتر” يريد شباب معلومات عن خيارات الهجرة، وعن اختبارات اللغة وعن ملاءمة الشهادات الجامعية للمطالب التي في الخارج. بيانات رسمية تتحدث أيضاً عن أن الطبقة الوسطى تقلصت من 57 في المئة في السنة الماضية إلى 40 في المئة تقريباً هذه السنة. هذه هي الطبقة التي من شأنها تحريك اقتصاد الدولة، وهي آخذة في الاختفاء.
الذكرى السنوية للمظاهرات استغلها الرئيس عون للحصول على القليل من الرأس مال السياسي، وأن يتحاسب مع منتقديه والقيادة “المسؤولة عن الضرر الذي أصاب لبنان طوال عشرات السنين، والتي ما زال جزء منها يسيطر ويعمل مثلما في السابق”. في الخطاب الذي ألقاه، صرخ بـ “الزعماء الذين أطلقوا شعارات واعدة، لكنها فارغة من المضمون. كانت وعوداً مسمومة لم ير فيها الشعب اللبناني أي إنجاز، وعوداً قضت على الحاضر والمستقبل وعلى استقرارنا.
لم يكن هذا هو الخطاب الذي توقعته حركة الاحتجاج، التي يرى قادتها في الرئيس عون المتهم الرئيسي بالأزمة. ” كان هذا تعبيراً عن جبن عون، وعجزه وعدم أهميته”، كتب أحد المتصفحين في حسابه على “تويتر” فوراً بعد الخطاب. توقع لبنان سماع أقوال حاسمة أكثر يعلن فيها على الأقل عن المرشح لرئاسة الحكومة، لكنه اكتفى بمقولة عامة تقول: “سأواصل التشاور ولن أضع فيتو على أحد”. من هنا يمكن الفهم بأن سعد الحريري الذي طرح ترشحه من جديد لتولي هذه المهمة، غير مرفوض في نظره، رغم الخلاف الشديد الذي وقع بينه وبين صهر عون، جبران باسيل، الذي كان وزير الخارجية في الحكومة السابقة للحريري، وكان من بين العوامل الأساسية التي أدت إلى استقالته.
ولكن أيضاً إذا ألقى الرئيس مهمة تشكيل الحكومة على الحريري، فمن المتوقع أن يواجه نفس الصعوبات التي رافقت أسلافه الذين فشلوا. هل ستكون هذه حكومة خبراء أم حكومة على قاعدة طائفية، مثلما كانت كل حكومات الماضي؟ هل سيكون حزب الله شريكاً فيها بصورة مباشرة أم بواسطة مندوبين “خبراء” سيرسلهم من طرفه؟ هل سيكون بامكان رئيس الحكومة اختيار وتعيين وزراء كما يريد أم سيكون خاضعاً لإملاءات؟ حسب تجربة الماضي، فإن عملية تشكيل الحكومة تستمر أحياناً أشهراً طويلة، فترة زمنية غير متوفرة الآن للبنان. هي ملزمة بعرض حكومة متفق عليها خلال فترة زمنية قصيرة كي تستطيع البدء في تسلم أموال المساعدات التي وعدت بها، بما في ذلك قروض من صندوق النقد الدولي وإجراء إصلاح اقتصادي يبرر إعطاء القروض.
كل تأخير سيكلف لبنان عشرات ملايين الدولارات يومياً بسبب شل ميناء بيروت الذي دمر في الانفجار في آب، وقتل فيه حوالي 200 شخص، وبقي نحو 300 ألف شخص بلا مأوى، والفوائد على القروض التي لم يتم تسديدها، وتنضم إلى الدين العام الضخم الذي قدر بأكثر من 100 مليار دولار، وبتقليص شديد في احتياطي العملة الصعبة وتجميد الاستيراد وتقليص دراماتيكي للإنتاج بسبب عدم القدرة على استيراد المواد الخام، والدين المتراكم للعمال في القطاع العام الذين تأخرت رواتبهم منذ أشهر.
في الذكرى السنوية للمظاهرات خرجت حركات الاحتجاج تحمل راية جديدة، “سنواصل”؛ أي يتوقع أن تشتعل الشوارع من جديد. ولكن يبدو أن، مثلما هو الأمر في إسرائيل، حركات الاحتجاج تعرف ماذا تريد، لكنها لا تعرف كيف تبرز القيادة الجديدة. نجحت الاحتجاجات في لبنان في إسقاط حكومات، ولكن في كل مرة وجدت نفسها في أزمة أعمق ومع النخب نفسها التي أنبتت جذوراً سميكة في مراكز القوة والمال، والتي لم يعد بالإمكان اجتثاثها.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 22/10/2020