لا يقتصر اتفاق السلام التاريخي الذي وقع، الأسبوع الماضي، على اختراق موضعي في علاقات إسرائيل وبعض من دول الخليج، بل فيه بشرى بعيدة الأثر على الانتهاء المحتمل والقريب للنزاع الذي يعود إلى مئة سنة بين إسرائيل والعالم العربي. فرفض الجامعة العربية شجب الاتفاقات، رغم الضغط الفلسطيني، يعبر عن إجماع عربي واسع موضوعه الرغبة في المصالحة والسلام مثلما في رفض مواصلة تحمل دون داعٍ أو حاجة لثمن النزاع.
قبل أكثر بقليل من مئة سنة، في كانون الثاني 1919، وقع حاييم وايزمن، زعيم الحركة الصهيونية، والأمير فيصل، ابن العائلة الهاشمية، باسم الحركة القومية العربية، على اتفاق للتعاون اليهودي – العربي، الذي اعترف العرب في إطاره بحق اليهود في أن يقيموا لأنفسهم وطناً في بلاد إسرائيل. وكان يمكن لتاريخ المنطقة أن يكون مختلفاً ومستقراً ومزدهراً أكثر بكثير، لو تمكن اليهود والعرب من التعاون. غير أن الرفض الفلسطيني جر العالم العربي إلى مواجهة طويلة مع إسرائيل. والآن يعود الطرفان إلى نقطة البداية ذاتها، بأمل ألا يفوّتا مئة سنة أخرى عبثاً.
إن الإمارات والبحرين وفي أعقابهما – كما ينبغي الأمل في الزمن القريب– السودان أيضاً، ولاحقاً عُمان والسعودية والمزيد فالمزيد من الدول، لا “تكتشف أمريكا”. فمنذ زمن بعيد وإسرائيل والعرب في القارب نفسه، وينسقون المواقف ويتعاونون في وجه تهديدات وتحديات مشابهة.
بعد كل شيء، فإن مشاكل العالم العربي لم تعد تتركز في إسرائيل؛ فالتهديد الفوري والملموس هو من جانب إيران وحلفائها في المنطقة، وتسعى تركيا إلى جانبها أيضاً لأن تلقي بظلالها وتفرض هيمنتها على العالم العربي. في وجه هذا الواقع المعقد، اختارت قطر تعليق آمالها بتركيا وتخوض قصة غرام مع إيران، في ظل خيانة معظم أخوانها العرب. أما باقي الدول العربية، باستثناء تلك غير الجديرة بأن تسمى دولاً، فقد اختارت إسرائيل كصديقة وحليفة منذ زمن بعيد.
إن الإنهاء الفعلي للنزاع الإسرائيلي – العربي يترك إسرائيل أمام تحديين مهمين. الأول، المسألة الفلسطينية التي أصبحت عملياً مسألة إسرائيلية داخلية، إذ إن عموم الأوراق الآن في يديها، وقراراتها وأفعالها هي التي تحدد أكثر من أي شيء آخر مستقبل العلاقات بين الشعبين من الآن فصاعداً. أما التحدي الثاني فهو إيران، التي يتعلق بها –أكثر مما في فروعها في المنطقة حماس وحزب الله– مدى الاستقرار والهدوء اللذين سيسودان فيها.
يبعث الاختراق الذي تحقق في علاقات إسرائيل والعالم العربي توقعات لسياسة إسرائيلية أكثر مبادرة وإبداعية، وعلى أي حال، يسمح لإسرائيل بأن تصعد إلى الهجوم بعد كفاح دفاعي طويل أدارته حيال أعدائها. هجوم كهذا لا يعني مواجهة عسكرية لا أحد يعنى بها، بل سياسة رد أكثر حزماً وتصميماً على كل تهديد، سواء كان من لبنان أم من غزة وبالأساس من إيران.
بقلم: أيال زيسر
إسرائيل اليوم 21/9/2020